في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثٗا تَتَّخِذُونَ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرۡبَىٰ مِنۡ أُمَّةٍۚ إِنَّمَا يَبۡلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ} (92)

90

وقد تشدد الإسلام في مسألة الوفاء بالعهود فلم يتسامح فيها أبدا ، لأنها قاعدة الثقة التي ينفرط بدونها عقد الجماعة ويتهدم ، والنصوص القرآنية هنا لا تقف عند حد الأمر بالوفاء والنهي عن النقض إنما تستطرد لضرب الأمثال ، وتقبيح نكث العهد ، ونفي الأسباب التي قد يتخذها بعضهم مبررات :

( ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم ، أن تكون أمة هي أربى من أمة . إنما يبلوكم الله به . وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون ) .

فمثل من ينقض العهد مثل امرأة حمقاء ملتاثة ضعيفة العزم والرأي ، تفتل غزلها ثم تنقضه وتتركه مرة أخرى قطعا منكوثة ومحلولة ! وكل جزيئة من جزئيات التشبيه تشي بالتحقير والترذيل والتعجيب . وتشوه الأمر في النفوس وتقبحه في القلوب . وهو المقصود . وما يرضى إنسان كريم لنفسه أن يكون مثله كمثل هذه المرأة الضعيفة الإرادة الملتاثة العقل ، التي تقضي حياتها فيما لا غناء فيه !

وكان بعضهم يبرر لنفسه نقض عهده مع الرسول [ ص ] بأن محمدا ومن معه قلة ضعيفة ، بينما قريش كثرة قوية . فنبههم إلى أن هذا ليس مبررا لأن يتخذوا أقسامهم غشا وخديعة فيتخلوا عنها : ( تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة ) أي بسبب كون أمة أكثر عددا وقوة من أمة . وطلبا للمصلحة مع الأمة الأربى .

ويدخل في مدلول النص أن يكون نقض العهد تحقيقا لما يسمى الآن " مصلحة الدولة " فتعقد دولة معاهدة مع دولة أو مجموعة دول ، ثم تنقضها بسبب أن هناك دولة أربى أو مجموعة دول أربى في الصف الآخر ، تحقيقا لمصلحة الدولة ! فالإسلام لا يقر مثل هذا المبرر ، ويجزم بالوفاء بالعهد ، وعدم اتخاذ الأيمان ذريعة للغش والدخل . ذلك في مقابل أنه لا يقر تعاهدا ولا تعاونا على غير البر والتقوى . ولا يسمح بقيام تعاهد أو تعاون على الإثم والفسوق والعصيان ، وأكل حقوق الناس ، واستغلال الدول والشعوب . . وعلى هذا الأساس قام بناء الجماعة الإسلامية وبناء الدولة الإسلامية فنعم العالم بالطمأنينة والثقة والنظافة في المعاملات الفردية والدولية يوم كانت قيادة البشرية إلى الإسلام .

والنص هنا يحذر من مثل ذلك المبرر ، وينبه إلى أن قيام مثل هذه الحالة : ( أن تكون أمة هي أربى من أمة )هو ابتلاء من الله لهم ليمتحن إرادتهم ووفاءهم وكرامتهم على أنفسهم وتحرجهم من نقض العهد الذي أشهدوا الله عليه : ( إنما يبلوكم الله به ) . .

ثم يكل أمر الخلافات التي تنشب بين الجماعات والأقوام إلى الله في يوم القيامة للفصل فيه : ( وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون )يمهد بهذا لترضية النفوس بالوفاء بالعهد حتى لمخالفيهم في الرأي والعقيدة .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثٗا تَتَّخِذُونَ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرۡبَىٰ مِنۡ أُمَّةٍۚ إِنَّمَا يَبۡلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ} (92)

90

المفردات :

الأنكاث : واحدها نكث ، وهو ما ينكث قتله وينقض بعد غزله .

الغزل : ما غزل من صوف و نحوه .

القوة : الأبرام والأحكام .

التفسير :

{ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا } .

الدخل : المكر والخديعة والغش .

قال الراغب الأصفهاني في غريب القرآن : الدخل : كناية عن الفساد والعداوة المستبطنة ، كالدغل ، وعن الدعوة في النسب . . ومنه قيل : شجرة مدخولة أي : ليست من جنس الأشجار التي حولها . اه .

أربى : أي : أكثر وأوفر عددا .

قال ابن كثير :

هذه امرأة خرقاء كانت بمكة ، تجمع جواريها وتأمرهم بالغزل أول النهار إلى الظهر ، ثم تأمرهم بنقض الغزل بعد إبرامه ، فضرب الله بها المثل في من ينقض الأيمان ويحنث فيها بعد إبرامها .

والمعنى :

لا تنقضوا عهودكم ، مشبهين لامرأة حمقاء ، تنقض غزلها من بعد إحكامه ، فالعاقل يستمر عهده وفي بنائه ، ولا ينقض عهده ولا يهدم بنيانه ، وقريب من هذا المعنى قول الشاعر :

هجوت زبان ثم جئت معتذرا *** من هجو زبان لم تهج ولم تدع

يقال : نكث الرجل العهد نكثا من باب قتل إذا نقضه ونبذه ومنه قوله تعالى : { فمن نكث فإنما ينكث على نفسه }( الفتح : 10 ) .

أي : لا تتركوا عهودكم المبرمة منقوضة منكوثة محلولة ، فالجملة الكريمة تحقر في كل جزئية من جزئياتها ، حال من ينقض العهد ، وينكث في عهده ، ولا يفي بل يغدر وينقض .

{ تتخذون أيمانكم دخلا بينكم } . أي : تبرمون العقود لا بنية الوفاء ، بل بنية المكر والخديعة والغش ، فينقضون العهد إذا لاحت في الأفق مصلحة أوفر ، أو غنيمة أكثر ، أو قبيلة أوفر عددا من القبيلة التي تعاقدوا معها ، فبين الله لهم : أن الوفاء نور أبلج ، وأن التزام أمر الله بالوفاء أولى من اتباع المصلحة ، والسير وراء النزوات العارضة ، وقد نزلت هذه الآية في العرب ، الذين كانت القبيلة منهم إذا حالفت أخرى ، ثم جاءت إحداهما قبيلة أخرى كبيرة قوية فداخلتها ، غدرت الأولى ونقضت عهدها ، ورجعت إلى هذه الكبرى ، فأدبهم القرآن بأدبه ؛ حتى لا ينقضوا العهود ، من أجل أن طائفة أكثر من طائفة أخرى ، أو أكثر أموالا .

وقال ابن كثير :

كانوا يحالفون الحلفاء ، فيجحدون أكثر منهم وأعز ؛ فينقضون حلف هؤلاء ، ويحالفون أولئك الذين هم أكثر وأعز ، فنهوا عن ذلك .

{ إنما يبلوكم الله به } . إنما يختبركم الله بظهور قوم أكثر أو أعز أمامكم ؛ ليظهر مدى إيمانكم وتمسككم بالعهود ، وطاعتكم لأمر الله ؟ هل توفون بالعهود امتثالا لأمر الله أم تنقضون طلبا لمغنم دنيوي ؟ .

{ وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون } . فيجازي أهل الحق بالثواب ، ويجازي أهل الباطل بالعقاب .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثٗا تَتَّخِذُونَ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرۡبَىٰ مِنۡ أُمَّةٍۚ إِنَّمَا يَبۡلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ} (92)

قوله : ( ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا ) ، ( أنكاثا ) ، حال من ( غزلها ) ، وقيل : مفعول ثان للفعل ( نقضت ) أي صيرت غزلها أنقاضا . والأنكاث جمع نكث بكسر النون ؛ أي : منكوث ، بمعنى : منقوض{[2597]} ؛ والمعنى : أن الله ينهى عباده المؤمنين عن نقض الأيمان بعد توكيدها . فنقضها حرام ؛ لأنه غدر وخيانة وسوء في الخلق يتلبس به الناقضون للعهود والأيمان . والله جل وعلا يحذر المؤمنين من نقض عهودهم وأيمانهم بعد إبرامها وتوثيقها ، كيلا يكونوا في ذلك نظراء لامرأة ضالة حمقاء تنقض غزلها بعد إبرامه وإحكامه . ولا يجترئ على نكث العهد أو العقد أو اليمين إلا السفيه الأحمق .

وقيل : إن التي كانت تفعل ذلك امرأة حمقاء خرقاء معروفة بمكة ، كانت تنقض غزلها عقب إبرامه ، فكلما عقدته نكثته .

والصواب : أن الآية تفيد عموم التحذير والنهي عن نكث العهود والمواثيق . وإنما هذا مثل ضربه الله لناقض العهد أو اليمين ؛ إذ شبهه بامرأة تنقض غزلها بعد إحكامه وتقويته ، لغير مصلحة ولا جدوى إلا الحماقة والسفه .

قوله : ( تتخذون أيمانكم دخلا بينكم ) ، الجملة في محل نصب حال من : ( أنكاثا ) ، ( دخلا ) ، مفعول ثان لقوله : ( تتخذون ) ، وقيل : مفعول لأجله . والدخل ، بالتحريك ، ما داخلك من فساد في عقل أو جسم ، ويعني أيضا : الغدر والمكر والخديعة{[2598]} . والمراد : أنكم تجعلون أيمانكم التي حلتم بها لمن عاقدتموهم من الناس ( دخلا بينكم ) ، أي : خديعة وغرورا ، لكي يطمئنوا إليكم ، وأنتم تخفون لهم في أنفسكم الغدر وعدم الوفاء لهم بالعهد ، والانتقال إلى قوم آخرين لكونهم أكثر عددا منهم . وهو قوله : ( أن تكون أمة هي أربى من أمة ) ، أي : بسبب أن تكون ، أو مخافة أن تكون جماعة أزيد عددا من جماعة ، أو ناس أكثر من ناس . وقد قيل : كانوا يخالفون الحلفاء فيجدون غيرهم أكثر منهم مالا وأعز نفرا وأزيد عددا ، فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون هؤلاء لقوتهم وكثرتهم . وذلك خلق الأرذال والخائنين والخائرين من الناس الذين لا تمسكهم عقيدة ولا يشدهم عهد أو ميثاق ، لكنهم سجيتهم الغدر والخداع ونقض العهود كلما سنحت الظروف ليجنحوا إلى حلفاء أقوياء جدد . أولئك هم الأرذلون المنافقون الذين يلهثون خلف الأهواء والمفاسد من خسائس الأغراض والمنافع . لكن المسلمين شيمتهم الثبات على العقيدة والمبدأ ودوام التلبس بخلق الإسلام في رعي العهود وصون الأيمان والمواثيق ، والثبات على الحق والفضيلة في كل الأحوال والأزمات دون زيغ أو انحراف أو اضطراب مهما تكن الظروف من الشدة واحتدام البأس والكروب . وقوله : ( تكون ) ، فعل تام ، و ( أمة ) ، فاعله . أو فعل ناقص ، و ( أمة ) ، اسمها . وخبرها ( أربى ) {[2599]} .

قوله : ( إنما يبلوكم الله به ) ، الضمير في قوله : ( به ) ، يعود على المصدر من ( أن تكون ) ، والتقدير : إنما يبلوكم الله بكون أمة ؛ أي : يختبركم الله بكونهم أربى منكم ، لينظر أتصبرون على الثبات على الحق والوفاء بعهد الله وما وكدتم من الأيمان ، أم أنكم تغترون بكثرة المشركين وقلة المسلمين وفقرهم ، فتميلون إلى عدو الله وعدوكم وهم المشركون .

قوله : ( وليبين لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون ) ، لسوف يبين الله للناس إذا جيء بهم يوم القيامة ما كانوا يختلفون فيه في الدنيا ؛ إذ كان المؤمنون يقرون بوحدانية الله ويصدقون المرسلين وخاتمهم محمد بن عبد الله عليه وعليهم صلوات الله وسلامه ، وكان المشركون والظالمون يجحدون الرسالات جميعا أو بعضها ؛ فقد جحدت يهود بعض النبيين ، من بينهم : محمد والمسيح عليهما الصلاة والسلام . وجحدت النصارى نبوة الرسول الأعظم خاتم النبيين والمرسلين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم . لكن المسلمون صدقوا النبيين أجمعين وأيقنوا أنهم جميعا على الحق وأنهم قد أوحي إليهم . وكذلك كان اختلاف الناس في الدنيا . ويوم القيامة يلاقون الجزاء ليجد كل فريق منهم سبيله إما إلى النعيم ، وإما إلى الجحيم{[2600]} .


[2597]:- الدر المصون جـ 281.
[2598]:- القاموس المحيط ص 129.
[2599]:- الدر المصون جـ7 ص 281.
[2600]:- تفسير الطبري جـ14 ص 110- 113 وتفسير النسفي جـ2 ص 298 وتفسير البيضاوي ص 365.