لتدارك ما فات ، والإصلاح فيما ترك وراءه من أهل ومال . . وكأنما المشهد معروض اللحظة للأنظار ، مشهود كالعيان ! فإذا الرد على هذا الرجاء المتأخر لا يوجه إلى صاحب الرجاء ، إنما يعلن على رؤوس الأشهاد :
( كلا . إنها كلمة هو قائلها . . . )
كلمة لا معنى لها ، ولا مدلول وراءها ، ولا تنبغي العناية بها أو بقائلها . إنها كلمة الموقف الرهيب ، لا كلمة الإخلاص المنيب . كلمة تقال في لحظة الضيق ، ليس لها في القلب من رصيد !
وبها ينتهي مشهد الاحتضار . وإذا الحواجز قائمة بين قائل هذه الكلمة والدنيا جميعا . فلقد قضي الأمر ، وانقطعت الصلات ، وأغلقت الأبواب ، وأسدلت الأستار :
( ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ) . .
فلا هم من أهل الدنيا ، ولا هم من أهل الآخرة . إنما هم في ذلك البرزخ بين بين ، إلى يوم يبعثون .
99 ، 100 - حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ . . .
كلا : كلمة تستعمل للردع والزجر عن حصول ما يطلب .
برزخ : حاجز بينهم وبين الرجعة .
يظل الكافر والمؤمن العاصي في عمل السيئات ، وطاعة الشياطين ، حتى إذا نزل الموت بساحته وشاهد ما أعده الله للعصاة ، تحركت فيه الرغبة في أن يعود للدنيا ، ليعمل عملا صالحا ، وتتكرر هذه الرغبة عند الحشر ، وعند معاينة جهنم ، وعند العذاب في نار جهنم ، يطلبون في كل هذه المواقف الرجعة إلى الدنيا لتدارك ما فاتهم من العمل الصالح ، لكن الحق سبحانه لا يجيبهم إلى طلبهم ، بل يخبرهم أن طلبهم هذا مرفوض ، ويستمرون في عذاب القبر ، إلى البعث ، ثم يتم الحشر والحساب ، ثم يتوجهون إلى جهنم لاستكمال العذاب .
وقد كرر القرآن مشاهد القيامة وأهوالها ، ومشاهد النار وعذابها ، وتمنى الكافرين أن يعودوا إلى الدنيا ، ليؤمنوا بالله ويصدقوا برسله ، لكنهم لا يجابون إلى ذلك .
قال تعالى : وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ . ( إبراهيم : 44 ) .
وقال تعالى : وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . ( الأنعام : 27 ) .
وتجد ذلك في الآية 53 من سورة الأعراف ، والآية 12 من سورة السجدة ، والآية 44 من سورة الشورى ، والآية 37 من سورة فاطر ، وهذا كله يدل على أن تمني العودة إلى الدنيا يحدث حال المعاينة للعذاب عند الاحتضار ، وحين النشور وحين الحساب ، وحين العرض على النار ، وبعد دخولهم النار ، ولا يجابون إلى ذلك أبدا قال تعالى :
كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ .
أي : لا جواب لهؤلاء ولا كرامة لهم ، إنها كلمة تخرج من أفواههم ، لا تلقى ترحيبا ولا جوابا ، ويستمرون محبوسين تعذب أرواحهم في البرزخ ، ومن أمامهم حاجز يحول بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا ، فلا رجعة بعد البعث إلا إلى الآخرة ، وقريب من هذا المعنى قوله تعالى : وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين * ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون . ( المنافقون : 10 ، 11 ) .
قوله تعالى : { حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون ( 99 ) لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ( 100 ) } ذلك حال الكافر الذي أعرض عن دين الله وأبى إلا الجحود والعصيان حتى إذا دهمه الموت فعاين الحق والملائكة وأيقن أنه خاسر هالك ، تمنى الرجوع إلى الدنيا ليصلح ما أفسده في حياته وهو قوله : ( قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت ) .
قوله : ( قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت ) أي فيما ضيعت وفرطت في حق الله وطاعته . لكنه لا محالة خاسر وهو من الهالكين . وحينئذ لا تنفعه الندامة ، ولا تغني عنه التوبة شيئا من عذاب الله . وهو قوله : ( كلا إنها كلمة هو قائلها ) ( كلا ) حرف ردع وزجر ؛ أي لا يجاب له طلب بالرجوع إلى الدنيا . وليس ما يتمناه من الرجوع إلا كلاما غير ذي اعتبار يقوله اليائس عند موته ولا يجديه نفعا .
قوله : ( ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ) البرزخ ، معناه الحاجز بين الدنيا والآخرة ، أو بين الموت والرجوع إلى الدنيا . وقيل : البرزخ ، حجاب يحول دون الرجوع إلى الحياة الدنيا ونحو ذلك من الأقوال المتقاربة .
وجملة ذلك يعني الاستيئاس من رجوع الظالم إلى الحياة بعد معاينة ملائكة الموت وعذاب القبر ؛ فهو على حاله هذه من مصارعة التنكيل والتعذيب في القبر إلى يوم القيامة{[3199]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.