هذه الطبيعة الفاسقة المنحرفة الضالة ، ليست جديدة ، ففي تاريخ البشرية لها نظائر وأمثال . ولقد حوى تاريخ البشرية من قبل هؤلاء نماذج كثيرة من هذا الطراز . ولقد لاقى السابقون مصائر تليق بفسوقهم عن الفطرة المستقيمة والطريق القويمة ، بعدما استمتعوا بنصيبهم المقدر لهم في هذه الأرض . وكانوا أشد قوة وأكثر أموالاً و أولادا فلم يغن عنهم من ذلك كله شيء .
والقرآن يذكر القوم بما كان من أسلافهم ، ويبصرهم بأنهم يسلكون طريقهم ، ويحذرهم أن يلاقوا مصيرهم . لعلهم يهتدون :
( كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالاً وأولاداً ، فاستمتعوا بخلاقهم . فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم ، وخضتم كالذي خاضوا . أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون ) .
إنها الفتنة بالقوة ، والفتنة بالأموال والأولاد . فأما الذين اتصلت قلوبهم بالقوة الكبرى فهم لا يفتنون بالقوة العارضة التي تخول لهم في الأرض ، لأنهم يخشون من هو أقوى ، فينفقون قوتهم في طاعته وإعلاء كلمته . وهم لا يفتنون بالأموال والأولاد ، لأنهم يذكرون من أنعم عليهم بالأموال والأولاد ، فيحرصون على شكر نعمته ، وتوجيه أموالهم وأولادهم إلى طاعته . . وأما الذين انحرفت قلوبهم عن مصدر القوة والنعمة فهم يبطرون ويفجرون في الأرض ، ويتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام :
( أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ) . .
وبطلت بطلانا أساسياً ، لأنها كالنبتة بلا جذور ، لا تستقر ولا تنمو ولا تزدهر .
فاستمعوا بخلاقهم : فتمتعوا بنصيبهم الذي قدر لهم من الملاذ والشهوات .
وخضتم : ومضيتم في أحاديث الاستهزاء والسخرية .
69 – { كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَدًا . . . } الآية .
من شأن القرآن أن يلفت النظر إلى ما أصاب الأمم السابقة التي كذبت رسلها وشغلتها العاجلة عن الباقية مثل : قوم هود نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم .
وهنا يذكر المنافقين في المدينة ، والكفار في مكة وأشباههم في كل مكان : أن من سبقهم من المكذبين لم يحصل لهم إلا حبوط الأعمال وإلا الخزي والخسار ؛ مع أنهم كانوا أقوى من هؤلاء المنافقين ؛ وأكثر أموالا وأولادا .
وقد جاء الخطاب في بداية الآية على أسلوب الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ؛ لتحريك نفوسهم إلى الاعتبار والاتعاظ .
أنتم أيها المنافقون ، حالكم كحال الذين خلوا من قبلكم من الطغاة ؛ في الانحراف عن الحق ، والاغترار بشهوات الدنيا وزينتها ، والاستغناء بها عن النظر في العواقب ، والتأمل في الحق والخير .
لكن هؤلاء الطغاة السابقين ، كانوا يمتازون عنكم ؛ بأنهم كانوا أعظم قوة في أبدانهم ، وممتلكاتهم وتفوقهم ، وكانوا أكثر منكم أموالا وأولادا .
{ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ } .
الخلاق : النصيب وهو ما خلق للإنسان أي قدر من خير .
والمعنى : إن السابقين تمتعوا بنصيبهم الذين قدر لهم من حظوظ الدنيا ، وأفرغوا كل جهد لهم في التمتع بالملذات والشهوات ، ونسوا حق الله عليهم ، ولم يلتزموا بطاعته ، واستخفوا بأنبيائهم وسخروا منهم ؛ فكذلك كنتم بعدهم مثلهم ؛ انتفعتم بنصيبكم الذي قدر لكم من متاع الدنيا وزينتها ، وحرصتم عليه ، وجعلتم الاشتغال به غاية الغايات .
وبعد أن امتلأت أيديكم بالنعم ؛ استعملتموها في غير ما خلقت له ؛ وسخرتموها لإرضاء شهواتكم الخسيسة ، وملذاتكم الفانية .
وقريب من ذلك قوله تعالى : { أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها } . ( الأحقاف : 20 ) .
قال الزمخشري في تفسير الكشاف :
فإن قلت : أي فائدة في قوله : { فاستمتعوا بخلاقهم } . وقوله : { كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم } . مغن عنه كما أغنى : { كالذي خاضوا } . عن أن يقال : وخاضوا فخضتم كالذي خاضوا ؟
قلت : فائدته : أن يذم الأولين بالاستمتاع ، بما أوتي من حظوظ الدنيا ورضاهم بها ، والتهائهم بشهواتها الفانية ؛ عن النظر في العاقبة وطلب الفلاح في الآخرة ، وأن يخسس أمر الاستمتاع ، ويهجّن أمر الرضا به ، ثم يشبه بعد ذلك حال المخاطبين بحالهم ، كما تريد أن تنبه بعض الظلمة على سماجة فعله فتقول : أنت مثل فرعون ؛ كان يقتل بغير جرم ، ويعذب ويعسف ؛ وأنت تفعل مثل فعله ، وأما { وخضتم كالذي خاضوا } . فمعطوف على ما قبله مستند إليه ، مستغن باستناده إليه عن تلك التقدمة109 .
وعموما فالتكرار هنا للتأكيد أيضا .
{ وخضتم كالذي خاضوا } . أي : دخلتم في الباطل واللهو .
ودخلتم أيها المنافقون والكافرون في حمأة الباطل ، وانغمستم فيه كانغماس الذين مضوا قبلكم من الأمم .
{ أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة } .
أي : أولئك الذين انغمسوا في الباطل إلى الأذقان من الفريقين ، وبطلت مساعيهم ، وفسدت أعمالهم في الدنيا ، لأنها أعمال رياء وسمعة ، وفي الآخرة ؛ لأنهم لم يقصدوا بها وجه الله .
الذين خسروا في مظنة الربح والمنفعة ؛ لأنهم لم يحصلوا على الثواب ، وأتعبوا أنفسهم في الرد على الأنبياء والرسل ؛ فما وجدوا إلا فوات الخيرات في الدنيا والآخرة .
قال الزمخشري : وهذا نقيض قوله تعالى : { وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين } . ( العنكبوت : 27 ) .
قوله تعالى : { كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون } الكاف في قوله : { كالذين } في موضع نصب صفة لمصدر محذوف وتقديره : وعدا كما وعد الذين من قبلكم{[1845]} ؛ أي قل لهؤلاء المنافقين الخائضين المستهزئين بالله وآياته ورسوله إنكم كنتم تستهزئون كما استهزأ الذين من قبلكم من الأمم ؛ إذ فلعوا ما فعلتم من الاستهزاء ، فأخذهم الله بذنوبهم فاحذروا أن يحل بكم من العقاب ما حل بهم ، مع أنهم كانوا أعظم منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا .
قوله : { فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم } الخلاق ، معناه النصيب{[1846]} . يبين الله لهؤلاء المنافقين أن الذين من قبلهم من الأمم السابقة تمتعوا بنصيبهم وحظهم من ملاذ الدنيا . وكذلك أنتم تمتعتم بنصيبكم كما تمتع الذين من قبلكم بنصيبهم . فأنتم في هذا الاستمتاع مشابهون للذين من قبلكم . والمراد من هذا التمثيل : التنديد بهؤلاء المنافقين من أجل مشابهتهم الذين من قبلهم من الكفار في الاستمتاع بما رزقهم الله ؛ أي أن المنافقين سلكوا سبيل الكافرين من الأمم السابقة في الاستمتاع بلذائذ الحياة الدنيا والإدبار عن أوامر الله ونسيان الآخرة .
قوله : { وخضتم كالذي خاضوا } أي خضتم أيها المنافقون في الباطل والكذب على الله كخوض الكافرين من الذين سبقوكم . قال ابن عباس في هذه الآية : ما أشبه الليلة بالبارحة { كالذين من قبلكم } هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم . وعن أبي هريرة ( رضي الله عنه ) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفسي بيده لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشير وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ) قالوا : ومن هم يا رسول الله ؟ أهل الكتاب ؟ قال ؟ ( فمن ؟ ) .
قوله : { أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون } هؤلاء المنافقون قد حبطت أعمالهم التي كانت على صورة الطاعة ؛ فقد ذهبت باطلا ، إذ لا جزاء لهم عليها إلا النار . أما بطلانها في الدنيا : فلأنها تفضي إلى النقيض مما كانوا يرجونه بعد أن أتت عليها أحوال شتى من الموت والفقر والتحول من القوة إلى الضعف ونحو ذلك . وأما بطلانها في الآخرة : فليصرورتها إلى الزوال والفناء ؛ فهي بذلك تمر بغير قيمة أو اعتبار . { وأولئك هم الخاسرون } السادرون في الهلاك والخسران{[1847]} .