( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا ، حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ) . .
وذلك ما يفعله الحقد اللئيم بالنفوس . . الرغبة في سلب الخير الذي يهتدي إليه الآخرون . . لماذا ؟ لا لأن هذه النفوس الشريرة لا تعلم . ولكنها لأنها تعلم !
( حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ) . .
والحسد هو ذلك الانفعال الأسود الخسيس الذي فاضت به نفوس اليهود تجاه الإسلام والمسلمين ، وما زالت تفيض ، وهو الذي انبعثت منه دسائسهم وتدبيراتهم كلها وما تزال . وهو الذي يكشفه القرآن للمسلمين ليعرفوه ، ويعرفوا أنه السبب الكامن وراء كل جهود اليهود لزعزعة العقيدة في نفوسهم ؛ وردهم بعد ذلك إلى الكفر الذي كانوا فيه ، والذي أنقدهم الله منه بالإيمان ، وخصهم بهذا بأعظم الفضل وأجل النعمة التي تحسدهم عليها يهود !
وهنا - في اللحظة التي تتجلى فيها هذه الحقيقة ، وتنكشف فيها النية السيئة والحسد اللئيم - هنا يدعو القرآن المؤمنين إلى الارتفاع عن مقابلة الحقد بالحقد ، والشر بالشر ، ويدعوهم إلى الصفح والعفو حتى يأتي الله بأمره ، وقتما يريد :
( فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره . إن الله على كل شيء قدير ) . .
( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير( 109 ) وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعلمون بصير( 110 )(
فاعفوا واصفحوا : العفو : ترك العقوبة على الذنب ، والصفح ترك اللوم عليه ، وهو أبلغ من العفو ، إذ قد يعفو ولا يصفح .
حتى يأتي الله بأمره : بإذنه ومعونته .
تجدوه عند الله : تجدوا ثوابه عنده .
1- قوله تعالى : ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا . بيان للون من ألوان الشرور التي يضمرها أهل الكتاب ، وعلى رأسهم اليهود ، وهو تمنيهم ارتداد المسلمين عن دينهم الحق الذي أنقذهم الله منه ، وإنما أسند سبحانه هذا التمني الذميم إلى الكثرة منهم ، إنصافا للقلة المؤمنة التي لم ترض أن ينتقل المسلمون إلى الكفر بعد أن هداهم الله على الإسلام .
2- يشير قوله تعالى : حسدا من عند أنفسهم : إلى أن تمني كفر المؤمنين لم يكن له من سبب أو علة سوى الحسد الذي استولى على نفوس اليهود ، واستحوذ على قلوبهم فجعلهم يحسدون المؤمنين على نعمة الإيمان ، ويتمنون التحول عنه إلى الكفر ، والجملة الكريمة علة لما تضمنته الجملة السابقة من محبتهم نقل المؤمنين إلى الكفر .
( والحسد ) : قلق النفس لرؤية نعمة يصيبها الإنسان ، وينشأ عن هذا القلق تمني زوال تلك النعمة عن الغير ، وتمني زوال النعم مذموم بكل لسان ، إلا نعمة أصابها فاجر أو جائر يستعين بها على الشر والفساد ، فأن تمني زوالها كراهة للجور والفساد لا يدخل في قبيل الحسد المذموم ، فإن لم تتمن زوال النعمة عن شخص وإنما تمنيت لنفسك مثلها فهي الغبطة والمنافسة ، وهي محمودة لأنها تنتهي بالشخص إلى اكتساب محامد لولا المنافسة لظل في غفلة عنها ، والحسد قد يهجم على الإنسان ولا يكون في وسعه دفعه لشدة النفرة بينه وبين المحسود ، وإنما يؤاخذ الإنسان على رضاه به ، وإظهار ما يستدعيه من القدح في المحسود ، والقصد إلى إزالة النعمة عنه ) ( 271 ) .
وفي الحديث الشريف : «ثلاث لا ينجو منهن أحد : الحسد والطيرة ، والظن ، قيل : فما المخرج منهن يا رسول الله ؟ قال : إذا حسدت فلا تبغ ، وإذا تطيرت فلا ترجع ، وإذا ظننت فلا تتبع » ( 272 ) .
فهذه الأشياء تهجم على الإنسان ، والمؤمن مطالب بألا يسترسل فيها فإذا حسد أو أحس ببوادر الحسد فلا ينبغي له العدوان أو القدح أو البغي على المحسود .
وإذا تطير وتشاءم من شيء فلا يرجع ولا يسترسل في تشاؤمه بل يقل : «اللهم لا يأتي بالخير إلا أنت ، ولا يذهب السوء إلا أنت اللهم اكفني السوء بما شئت إنك على ما تشاء قدير » .
وإذا ظن الإنسان بآخر فلا يسترسل في تتبعه ، ولا يتابعه بالتجسس عليه ، وبذلك يسلم المسلم من بوادر هذه الأمور الثلاثة حيث يوقفها عند حدها ، ولا يسمح لها بالتعدي على الآخرين .
3- قوله تعالى : من بعد ما تبين لهم الحق . يدل على أن محبة اليهود لتحويل المؤمنين من الكفر إلى الإيمان وقعت بعد أن ظهر لهم صدق النبي صلى الله عليه وسلم ، وبعد أن تبين لهم أن الصفات التي وردت في التوراة بشأن النبي المبشر به ، لا تنطبق عليه ، وإذا فكفرهم به لم يكن عن جهل وإنما كان عن عناد وجمود على الباطل ، ذلك هو الشأن أحبارهم الذين كانوا على علم بالتوراة ، وتبشيرها بالنبي صلى الله عليه وسلم .
4- قوله تعالى : فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير . أي لا تعاقبوهم ولا تلوموهم حتى يأذن الله بالقتال في الوقت الذي يختاره لكم ، وقد أنزل الله تعالى بعد ذلك الإذن بقتال اليهود في قوله : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية على يد وهم صاغرون . ( التوبة : 29 ) . كما أذن بإجلائهم عن المدينة .
5- قال السيد رشيد رضا في تفسير المنار :
قال الأستاذ الإمام : وفي أمره تعالى لهم بالعفو والصفح إشارة إلى أن المؤمنين على قتلهم هم أصحاب القدرة والشوكة ، لأن الصفح إنما يطلب من القادر على خلافه ، كأنه يقول :
لا يغرنكم أيها المؤمنين كثرة أهل الكتاب مع باطلهم ، فإنكم على قتلكم أقوى منهم بما أنتم عليه من الحق ، فعاملوهم معاملة القوي العادل ، للقوى الجاهل ، وفي إنزال المؤمنين على ضعفهم منزلة الأقوياء ووضع أهل الكتاب على كثرتهم موضع الضعفاء ، إيذان بأن أهل الحق هم المؤيدون بالعناية الإلهية ، وأن العزة لهم ما ثبتوا على حقهم ، ومهما يتصارع الحق والباطل فإن الحق هو الذي يصرع الباطل كما قلنا غير مرة ، وإنما بقاء الباطل في غفلة الحق عنه( 273 ) .
ولما كان أكثر المثيرين لهذه الشكوك في صور أهل الإسلام قال تعالى مخاطباً للمؤمنين وهم في غمارهم تنفيراً لهم عن الضلال الذي هو في نفسه أهل لأن{[4371]} ينفر عنه فكيف وهو شماتة العدو وبتخييله وودادته{[4372]} تحذيراً لهم من مخالطتهم : { ود كثير }{[4373]} وهو تعليل لمعنى الكلام وهو : فلا تتبدلوا الكفر بالإيمان ، بعد تعليله بالضلال ؛ وذلك كما مضى في{ ما يود الذين كفروا }[ البقرة : 105 ] سواء .
ولما كان المشركون عرباً عالمين بأن طبع العرب{[4374]} الثبات لم يدخلهم معهم في هذا الود وقال : { من أهل الكتاب } فأنبأ{[4375]} أن{[4376]} المصافي منهم قليل وبشر سبحانه بأن ما يودونه من قسم المحال بسوقه{[4377]} سوق المتمني فقال : { لو يردونكم } أي بأجمعكم{[4378]} ؛ ثم حقق أمر التمني {[4379]}في كونه{[4380]} محالاً{[4381]} {[4382]}مشيراً بإثبات الجار إلى قناعتهم به ولو في زمن يسير{[4383]} فقال : { من بعد إيمانكم }{[4384]} أي الراسخ{[4385]} { كفاراً }{[4386]} أي لتكونوا مثلهم فتخلدوا معهم في النار{[4387]} { حسداً } على ما آتاكم الله من الخير الهادي إلى الجنة ، والحسد قلق النفس من رؤية النعمة على الغير ، وعبر عن بلوغ الحسد إلى غاية لا حيلة معها في تركه بقوله : { من عند أنفسهم{[4388]} } أي إنه راسخ في طبائعهم فلا تطمعوا في صرفه بشيء{[4389]} ، فإن أنفسهم غالبة على عقولهم ، ثم زاده تأكيداً بقوله{[4390]} مشيراً بإثبات الجار إلى ذمهم{[4391]} بأنهم استمروا على الضلال بعد الدعوة ، لا يطلبون الحق مع القدرة على تعرفه ، حتى هجم عليهم{[4392]} بيانه وقهرهم عرفانه ، ثم لم يرجعوا إليه ؛ وما كفاهم ضلالهم في أنفسهم حتى تمنوا إضلال غيرهم بالرجوع عنه { من{[4393]} بعد ما تبين } {[4394]}أي بياناً عظيماً بوضوحه{[4395]} في نفسه { لهم الحق }{[4396]} أي من صحة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وأنه خاتم النبيين المرسل{[4397]} إلى الناس{[4398]} كافة{[4399]} بشهادة ما طابقه من التوراة{[4400]} ، ومن أنهم خالدون في النار ، لأنهم ممن{[4401]} أحاطت به خطيئته بما دل عليه سبحانه في جميع هذه الآيات إبطالاً لدعواهم في مس النار لهم{[4402]} أياماً معدودة .
ثم أرشد إلى الدواء بقوله مسبباً عن الإخبار بأن ودهم محال وبعدم رجوعهم : { فاعفوا } أي عاملوهم معاملة العافي بأن لا تذكروا{[4403]} لهم شيئاً مما تظهره تلك الودادة الناشئة عن هذا الحسد من الأقوال والأفعال ولا تأخذوا في مؤاخذتهم به ، فإنهم لا يضرونكم ولا يرجعون إليكم ، { واصفحوا } أي أظهروا لهم أنكم لم تطلعوا على شيء من ذلك ، وأصل معناه من الإعراض بصفحة العنق عن الشيء كأنه لم يره ، وأمرهم{[4404]} بمطلق الصفح ولم يقيده بالجميل الذي اختص به خطاب نبيهم صلى الله عليه وسلم في قوله : فاصفح الصفح الجميل{[4405]} }[ الحجر : 85 ] لتنزل الخطاب على مراتبه ومستحق{[4406]} مواقعه . وحثهم{[4407]} على أن يكون فعلهم ذلك اعتماداً على تفريجه سبحانه بقوله : { حتى{[4408]} يأتي الله }{[4409]} الذي لا أمر لأحد معه { بأمره } فبشرهم بذلك بظهورهم على من أمروا {[4410]}بالصفح والعفو{[4411]} عنهم ، وقد كان مبدأ ذلك ويتم في زمن عيسى عليه السلام .
ولما كان النصر وهم في القلة{[4412]} والضعف بحال عظيم وقوة عدوهم وكثرتهم أعظم مستبعداً قال : { إن الله } وأظهر موضع الإضمار{[4413]} تحقيقاً للبشرى بالإيماء إلى استحضار ما يدل عليه هذا الاسم الأعظم من صفات الجلال والإكرام { على كل شيء قدير }{[4414]} ففي هذا الختم بشرى للمؤمنين بتقديرهم كما أن في الختم بالعلم بشرى بتعليمهم . وفي إفهامه نذارة للكافرين بمقابل{[4415]} ذلك .