في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ} (4)

1

( والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ) . وهي الصفة اللائقة بالأمة المسلمة ، وارثة العقائد السماوية ، ووارثة النبوات منذ فجر البشرية ، والحفيظة على تراث العقيدة وتراث النبوة ، وحادية موكب الإيمان في الأرض إلى آخر الزمان . وقيمة هذه الصفة هي الشعور بوحدة البشرية ، ووحدة دينها ، ووحدة رسلها ، ووحدة معبودها . . قيمتها هي تنقية الروح من التعصب الذميم ضد الديانات والمؤمنين بالديانات ما داموا على الطريق الصحيح . . قيمتها هي الاطمئنان إلى رعاية الله للبشرية على تطاول أجيالها وأحقابها . هذه الرعاية البادية في توالي الرسل والرسالات بدين واحد وهدى واحد . قيمتها هي الاعتزاز بالهدى الذي تتقلب الأيام والأزمان ، وهو ثابت مطرد ، كالنجم الهادي في دياجير الظلام .

( وبالآخرة هم يوقنون ) . . وهذه خاتمة السمات . الخاتمة التي تربط الدنيا بالآخرة ، والمبدأ بالمصير ، والعمل بالجزاء ؛ والتي تشعر الإنسان أنه ليس لقى مهملا ، وأنه لم يخلق عبثا ، ولن يترك سدى ؛ وأن العدالة المطلقة في انتظاره ، ليطمئن قلبه ، وتستقر بلابله ، ويفيء إلى العمل الصالح ، وإلى عدل الله روحمته في نهاية المطاف .

واليقين بالآخرة هو مفرق الطريق بين من يعيش بين جدران الحس المغلقة ، ومن يعيش في الوجود المديد الرحيب . بين من يشعر أن حياته على الأرض هي كل ما له في هذا الوجود ، ومن يشعر أن حياته على الأرض ابتلاء يمهد للجزاء ، وأن الحياة الحقيقية إنما هي هنالك ، وراء هذا الحيز الصغير المحدود .

وكل صفة من هذه الصفات - كما رأينا - ذات قيمة في الحياة الإنسانية ، ومن ثم كانت هي صفات المتقين . وهناك تساوق وتناسق بين هذه الصفات جميعا ، هو الذي يؤلف منها وحدة متناسقة متكاملة . فالتقوى شعور في الضمير ، وحالة في الوجدان ، تنبثق منها اتجاهات وأعمال ؛ وتتوحد بها المشاعر الباطنة والتصرفات الظاهرة ؛ وتصل الإنسان بالله في سره وجهره . وتشف معها الروح فتقل الحجب بينها وبين الكلي الذي يشمل عالمي الغيب والشهادة ، ويلتقي فيه المعلوم والمجهول . ومتى شفت الروح وانزاحت الحجب بين الظاهر والباطن ، فإن الإيمان بالغيب عندئذ يكون هو الثمرة الطبيعية لإزالة الحجب الساترة ، واتصال الروح بالغيب والاطمئنان إليه . ومع التقوى والإيمان بالغيب عبادة الله في الصورة التي اختارها ، وجعلها صلة بين العبد والرب . ثم السخاء بجزء من الرزق اعترافا بجميل العطاء ، وشعورا بالإخاء . ثم سعة الضمير لموكب الإيمان العريق ، والشعور بآصرة القربى لكل مؤمن ولكل نبي ولكل رسالة . ثم اليقين بالآخرة بلا تردد ولا تأرجح في هذا اليقين . . وهذه كانت صورة الجماعة المسلمة التي قامت في المدينة يوم ذاك ، مؤلفة من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار . وكانت هذه الجماعة بهذه الصفات شيئا عظيما . شيئا عظيما حقا بتمثل هذه الحقيقة الإيمانية فيها . ومن ثم صنع الله بهذه الجماعة أشياء عظيمة في الأرض ، وفي حياة البشر جميعا . . ومن ثم كان هذا التقرير : ( أولئك على هدى من ربهم ، وأولئك هم المفلحون )

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ} (4)

{ والذين يؤمون بما أنزل بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون } . من صفات المتقين ( الإيمان بما أنزل إليك ) أي بالقرآن المنزل عليك ، وما أنزل من قبلك على المرسلين ، فهم يؤمنون بالنبي وبالقرآن ويؤمنون بالرسل أجمعين وبالكتب التي نزلت عليهم ، وهي التوراة والإنجيل والزبور وسائر الصحف السالفة فيؤمنون بها إيمانا إجماليا لا تفصيليا .

وبالآخرة هم يوقنون : أي يتيقنون بوقوع البعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان ( وإنما سميت«الآخرة » لأنها بعد الدنيا ) ( 16 ) .

الإيقان : إتقان العلم والتصديق الجازم الذي لا شبهة فيه ولا تردد .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ} (4)

ولما وصفهم بالإيمان جملة أشار{[593]} إلى بعض تفصيله على وجه يدخل فيه{[594]} أهل الكتاب دخولاً أولياً فقال :

{ والذين يؤمنون } أي يوجدون هذا الوصف بعد سماعهم للدعوة إيجاداً مستمراً { بما أنزل اليك } أي من القرآن والسنة سواء كان قد وجد أو سيوجد ؛ { وما أنزل من قبلك } أي على الأنبياء الماضين ، ولما كان الإيمان بالبعث{[595]} من الدين بمكان عظيم جداً{[596]} بينه بالتقديم إظهاراً لمزيد الاهتمام فقال : { وبالآخرة } أي التي هي دار الجزاء ومحل التجلي وكشف الغطاء ونتيجة الأمر . قال الحرالي : الآخرة معاد الأمر بعد تمامه على أوليته . انتهى . ولما تقدم من الاهتمام عبر بالإيقان وأتى بضمير الفصل فقال{[597]} : { هم يوقنون } لأن ذلك قائد إلى كل خير وذائد عن كل ضير ، والإيقان كما قال الحرالي صفاء العلم وسلامته من شوائب الريب ونحوه ، من يقن الماء وهو ما نزل من السماء فانحدر إلى كهف جبل فلم يتغير من قرار ولا وارد . انتهى . فهو{[598]} يكون بعد شك ولذا{[599]} لا يوصف{[600]} به الله{[601]} . والوصف{[602]} بهده الأوصاف كما ترى إشارة إلى أمهات الأعمال البدنية والماليه من الأفعال{[603]} والتروك ، فالإيمان أساس الأمر والصلاة مشار بها إلى التحلي{[604]} بكل خير والتخلي{[605]} عن كل شر

{ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر{[606]} }[ العنكبوت : 45 ] وكلاهما من أعمال البدن ، والنفقه عمل مالي ، فحصل بذلك{[607]} حصر الفعل والترك الضابطين لجميع الأعمال كيف ما تشعبت ، وصرح بالفعل وأومى إلى الترك إيماء لا يفهمه{[608]} إلا البصراء تسهيلاً على السالكين ، لأن الفعل من حيث هو ولو{[609]} كان صعباً أيسر على النفس من الكف عما تشتهي . وفي وصفهم أيضاً بالإيمان بما أنزل إليه وإلى من قبله من التقريع والتبكيت لمن سواهم ما ستراه في الآيات الآتيه .


[593]:ليس في م
[594]:زيد في ظ: دخول
[595]:في مد: بالغيب
[596]:ليس في م
[597]:ليس في ظ
[598]:وفي السراج المنير ج1 ص 17 ما نصه: هم يوقنون أي يعلمون أنها كائنة، لأن اليقين والعلم بالشيء بعد أن كان صاحبه شاكا فيه – قاله الإمام الرازي، ولذلك لا يوصف به العلم القديم ولا العلم الضروري فلا يقال تيقن الله كذا ولا تيقنت أن الكل أكبر من الجزء. وفي تفسير المظهري: الإيقان إتقان العلم بنفي الشك عنه نظرا واستدلالا فلا يسمى الله موقنا - انتهى
[599]:في م: لهذا
[600]:في ظ: الله به
[601]:في ظ: الله به
[602]:وفي أنوار التنزيل وأسرار التأويل: الذين يؤمنون بالغيب إما موصول بالمتقين على أنه صفة مجرورة مقيدة إن فسر التقوى بترك ما لا ينبغي مترتبة عليه ترتب التحلية على التخلية والتصوير على التصقيل أو موضحة إن فسر بما يعم فعل الحسنات وترك السيئات لاشتماله على ما هو أصل الأعمال وأساس الحسنات من الإيمان والصلاة والصدقة فإنها أمهات الأعمال النفسانية والعبادات البدنية والمالية المستتبعة لسائر الطاعات والتجنب من المعاصي غالبا، ألا ترى إلى قوله تعالى "إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر" وقوله عليه الصلاة والسلام: الصلاة عماد الدين والزكاة قنطرة الإسلام
[603]:وفي م: الأعمال
[604]:في م: التخلي
[605]:في ظ: التحلي - كذا
[606]:سورة 29 آية 45
[607]:في مد: بذكر
[608]:في مد: لا يشهده
[609]:في مد: أن