في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلۡمَآءِ بَشَرٗا فَجَعَلَهُۥ نَسَبٗا وَصِهۡرٗاۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرٗا} (54)

45

ومن ماء السماء وماء البحر والنهر إلى ماء النطفة الذي تنشأ منه الحياة البشرية المباشرة :

( وهو الذي خلق من الماء بشرا ، فجعله نسبا وصهرا ، وكان ربك قديرا ) . .

فمن هذا الماء يتخلق الجنين : ذكرا فهو نسب ، وأنثى فهو صهر ، بما أنها موضع للصهر .

وهذه الحياة البشرية الناشئة من هذا الماء أعجب وأضخم من تلك الحياة الناشئة من ماء السماء . فمن خلية واحدة [ من عشرات الألوف الكامنة في نقطة واحدة من ماء الرجل ] تتحد ببويضة المرأة في الرحم ، ينشأ ذلك الخلق المعقد المركب . . الإنسان . . أعجب الكائنات الحية على الإطلاق !

ومن الخلايا المتشابهة والبويضات المتشابهة ينشأ ذكور وإناث بطريقة عجيبة ، لا يدرك البشر سرها ، ولا يستطيع علم البشر ضبطها أو تعليلها . فما من خلية من آلاف الخلايا يمكن أن تلحظ فيها مميزات معروفة هي التي تؤهلها لأن تنتج ذكرا أو أنثى ، وما من بويضة كذلك لوحظ فيها مثل هذه الميزات . . ومع ذلك تصير هذه إلى أن تكون رجلا ، وهذه إلى أن تكون امرأة ، في نهاية المطاف ! ( وكان ربك قديرا ) . . وها هي ذي القدرة تكشف عن طرف منها في هذا العجب العجاب !

ولو راح الإنسان يدقق في هذا الماء الذي يخلق منه الإنسان ، لأدركه الدوار وهو يبحث عن خصائص الإنسان الكاملة الكامنة في الأجسام الدقيقة البالغة الدقة ، التي تحمل عناصر الوراثة للجنس كله ، وللأبوين وأسرتيهما القريبتين ، لتنقلها إلى الجنين الذكر والجنين الأنثى كل منهما بحسب ما ترسم له يد القدرة من خلق واتجاه في طريق الحياة .

وهذه لمحات من كتاب : " الإنسان لا يقوم وحده " عن خصائص الوراثة الكامنة في تلك الذريرات الصغيرة :

" كل خلية ذكرا أو أنثى . تحتوى على كروموزومات وجينات [ وحدات الوراثة ] والكروموزومة تكون النوية [ نواة صغيرة ] المعتمة التي تحتوى الجينة . والجينات هي العامل الرئيسي الحاسم فيما يكون عليه كل كائن حي أو إنسان . والسيتوبلازم هي تلك التركيبات الكيماوية العجيبة التي تحيط بالاثنتين . وتبلغ الجينات [ وحدات الوراثة ] من الدقة أنها - وهي المسؤولة عن المخلوقات البشرية جميعا ، التي على سطح الأرض من حيث خصائصها الفردية وأحوالها النفسية وألوانها وأجناسها - لو جمعت كلها ووضعت في مكان واحد ، لكان حجمها أقل من حجم " الكستبان " !

" وهذه الجينات الميكرسكوبية البالغة الدقة هي المفاتيح المطلقة لخواص جميع البشر والحيوانات والنباتات . " والكستبان " الذي يسع الصفات الفردية لبليونين من البشر هو بلا ريب مكان صغير الحجم . ومع ذلك فإن هذه هي الحقيقة التي لا جدال فيها .

" وإن الجنين وهو يخلص في تطوره التدريجي من النطفة [ البروتوبلازم ] إلى الشبه الجنسي ، إنما يقص تاريخا مسجلا ، قد حفظ وعبر عنه بالتنظيم الذري في الجينات والسيتوبلازم .

. . . " لقد رأينا أن الجينات متفق على كونها تنظيمات أصغر من الميكروسكوبية للذرات ، في خلايا الوراثة بجميع الكائنات الحية . وهي تحفظ التصميم ، وسجل السلف ، والخواص التي لكل شيء حي . وهي تتحكم تفصيلا في الجذر والجذع والورق والزهر والثمر لكل نبات . تماما كما تقرر الشكل ، والقشر ، والشعر ، والأجنحة لكل حيوان بما فيه الإنسان " .

وبهذا القدر نكتفي من عجائب الحياة ، التي أودعتها إياها القدرة الخالقة المدبرة . ( وكان ربك قديرا ) . .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلۡمَآءِ بَشَرٗا فَجَعَلَهُۥ نَسَبٗا وَصِهۡرٗاۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرٗا} (54)

المفردات :

نسبا وصهرا : ذكورا ينسب إليهم ، وإناثا يصاهرن بهن .

التفسير :

54- { وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا } .

وهذا أيضا لون من ألوان القدرة ، حيث خلق الله من النطفة المهينة حين يختلط ماء الرجل بماء المرأة ويتم الإخصاب ، حيث يتحول الماء المهين إلى نطفة مخصّبة تعلق في جدار الرّحم وتتشبث به ، وتسبح في دماء من دماء الأم ، وتتحول العلقة إلى قطعة لحم قدر ما يمضغ تسمى المضغة ، ثم تتحول المضغة إلى عظام ، أو هيكل عظمي هو أساس تكوين الإنسان ، ثم يكسى هذا الهيكل العظمي باللحم ، ثم يتحول خلقا آخر متكامل الخلقة والتقاسيم ، مستكمل أسباب الوجود والحياة ، فيه العينان والأذنان واليدان والرجلان وسائر الأجهزة : كالجهاز العصبي ، والجهاز اللمفاوي والجهاز التناسلي ، والجهاز الهضمي ، فضلا عن مشروع متكامل ، لإنسان مستكمل الجمال والأطراف والخلقة ، كالشعر والأنف والأسنان والفم واللهاة ، والبلعوم والمرىء والبطن والفخذ والساق ، والقدم وسائر الأجزاء ، التي تتمم إنسانية الإنسان ، وتجعل منه مخلوقا كامل الأعصاب والإرادة والاختيار والعقل والتصرف ، وهو سيد المخلوقات ، قال تعالى : { إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا* إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا } [ الإنسان : 2-3 ] .

وقال سبحانه : { ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا } [ الإسراء : 70 ] .

وقال عز شأنه : { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة . . } [ النحل : 78 ] .

وقال تعالى : { ألم نجعل له عينين*ولسانا وشفتين*وهديناه النجدين } [ البلد : 8-10 ]

وقال تعالى : { يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم* الذي خلقك فسواك فعدلك* في أي صورة ما شاء ركبك } [ الانفطار : 6-8 ] .

{ وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا }

أي : خلق الله الإنسان من الماء ، قال تعالى : { وجعلنا من الماء كل شيء حي . . } [ الأنبياء : 30 ] فالماء يروي الزرع ، والإنسان يتغذى به ، ثم تكون النطفة التي هي أصل الإنسان ، أو أن الإنسان مخلوق من ماء المنّي ، حيث خلقه الله بشرا سويا ، وجعل منه الذكر والأنثى ، فالذكر ينسب إليه الإنسان ، فيقال : فلان ابن فلان ، نسبة إلى أبيه ، والأنثى تكون سببا في المصاهرة والزواج ، وأصهار الزوج هم أقارب زوجته .

قال الشاعر :

بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد

وقال تعالى : { أيحسب الإنسان أن يترك سدى* ألم يكن نطفة من مني يمنى* ثم كان علقة فخلق فسوّى* فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى } [ القيامة : 36-39 ] .

قال النيسابوري : ومن دلائل القدرة ، أحوال خلقة الإنسان ، والماء إما ماء العنصر ، كقوله : { وجعلنا من الماء كل شيء حي . . } [ الأنبياء : 30 ] أو النطفة .

ومعنى : { فجعله نسبا وصهرا } أنه قسم البشر قسمين : ذوي نسب ، وذوات صهر ، والأوّل : الذكور الذين ينسب إليهم الإنسان ، والثاني : الإناث اللاتي يصاهر بهن ، ونحوه قوله تعالى : { فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى } [ القيامة : 39 ] ، والأصهار : أهل بيت المرأة ، كما قال الخليل بن أحمد21 .

ملحق بتفسير الآية

1- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ، ثم أربعين يوما علقة ، ثم أربعين يوما مضغة ، ثم ينفخ فيه الروح ، ويكتب أجله ورزقه ، وشقي أو سعيد )22 .

2- إذا لم يكن النسب ثابتا شرعا لم تثبت حرمة المصاهرة ، وعليه قال الجمهور : إذا لم يكن نسب شرعا ، فلا صهر شرعا ، فلا يحرم الزنا بنت أم ولا أم بنت ، ولا بنتا من الزنا ، وما يحرم من الحلال ، لا يحرم من الحرام ، لأن الله امتن بالنسب والصهر على عباده ، ورفع قدرهما ، وعلق الأحكام في الحل والحرمة عليها ، فلا يلحق الباطل بهما ولا يساويهما ، وقال الحنفية : تحرم البنت من الزنا ، أو الأخت أو بنت الابن من الزنا ، بسبب التولد من ماء الرجل .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلۡمَآءِ بَشَرٗا فَجَعَلَهُۥ نَسَبٗا وَصِهۡرٗاۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرٗا} (54)

ولما ذكر تعالى قدرته في منع الماء من الاختلاط ، أتبعه القدرة على خلطه ، لئلا يظن أنه ممتنع ، تقريراً للفعل بالاختيار ، وإبطالاً للقول بالطبائع ، فقال معبراً بالضمير كما تقدمه حثاً على استحضار الأفعال والصفات التي تقدمت ، لتعرف الحيثية التي كرر الضمير لأجلها : { وهو } أي وحده { الذي خلق من الماء } بخلطه مع الطين { بشراً } كما تشاهدونه يخلق منه نباتاً وشجراً وورقاً وثمراً { فجعله } أي بعد ذلك بالتطوير في أطوار الخلقة ، والتدوير في أدوار التربية { نسباً } أي ذكراً ينسب إليه { وصهراً } أي أنثى يصاهر - أي يخالط بها إلى الذكر ، فقسم هذا الماء بعد التطوير إلى ذكر وأنثى كما جعل ذلك الماء قسمين : عذبا وملحاً ، وخلط ماء الذكر بماء الأنثى متى أراد فصور منه آدمياً ، ومنعه من ذلك إذا أراد ، كما أنه ميز بين العذب والملح ويخلط بينهما إذا أراد بعلمه الشامل وقدرته التامة { وكان ربك } أي المحسن إليك بإرسالك وإنزال هذا الذكر إليك { قديراً* } على كل شيء قدرته على ما ذكر من إبداع هذه الأمور المتباعدة من مادة واحدة فهو يوفق من يشاء فيجعله عذب المذاق ، سهل الأخلاق ، ويخذل من يشاء فيجعله مرير الأخلاق كثير الشقاق ، أو ملتبس الأخلاق ، عريقاً في النفاق ، فارغب إلى هذا الرب الشامل القدرة ، التام العلم .