في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَتۡ أُمَّةٞ مِّنۡهُمۡ لِمَ تَعِظُونَ قَوۡمًا ٱللَّهُ مُهۡلِكُهُمۡ أَوۡ مُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗاۖ قَالُواْ مَعۡذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ} (164)

138

بينما مضى فريق ثالث يقول للآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر : ما فائدة ما تزاولونه مع هؤلاء العصاة ، وهم لا يرجعون عما هم آخذون فيه ؟ وقد كتب الله عليهم الهلاك والعذاب ؟

( وإذ قالت أمة منهم : لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً ؟ ) .

فلم تعد هناك جدوى من الوعظ لهم ، ولم تعد هناك جدوى لتحذيرهم . بعدما كتب الله عليهم الهلاك أو العذاب الشديد ؛ بما اقترفوه من انتهاك لحرمات الله .

( قالوا : معذرة إلى ربكم ، ولعلهم يتقون ) . .

فهو واجب لله نؤديه : واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والتخويف من انتهاك الحرمات ، لنبلغإلى الله عذرنا ، ويعلم أن قد أدينا واجبنا . ثم لعل النصح يؤثر في تلك القلوب العاصية فيثير فيها وجدان التقوى .

وهكذا انقسم سكان الحاضرة إلى ثلاث فرق . . أو ثلاث أمم . . فالأمة في التعريف الإسلامي هي مجموعة الناس التي تدين بعقيدة واحدة وتصور واحد وتدين لقيادة واحدة ، وليست كما هي في المفهوم الجاهلي القديم أو الحديث ، مجموعة الناس التي تسكن في إقليم واحد من الأرض وتحكمها دولة واحدة ! فهذا مفهوم لا يعرفه الإسلام ، إنما هي من مصطلحات الجاهلية القديمة أو الحديثة !

وقد انقسم سكان القرية الواحدة إلى ثلاث أمم : أمة عاصية محتالة . وأمة تقف في وجه المعصية والاحتيال وقفة إيجابية بالإنكار والتوجيه والنصيحة . وأمة تدع المنكر وأهله ، وتقف موقف الإنكار السلبي ولا تدفعه بعمل إيجابي . . وهي طرائق متعددة من التصور والحركة ، تجعل الفرق الثلاث أمماً ثلاثاً !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَتۡ أُمَّةٞ مِّنۡهُمۡ لِمَ تَعِظُونَ قَوۡمًا ٱللَّهُ مُهۡلِكُهُمۡ أَوۡ مُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗاۖ قَالُواْ مَعۡذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ} (164)

{ وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 164 ) فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كانوا يَفْسُقُونَ ( 165 ) فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ( 166 ) }

المفردات :

معذرة إلى ربكم : قال الأزهري : المعذرة بمعنى : الاعتذار ، وعدي بإلى متضمنة معنى : الإنهاء والإبلاغ .

التفسير :

{ 164 - وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا . . . . } الآية .

قال المفسرون : افترق أهل القرية ثلاث فرق ، فرقة صادت وأكلت ، وفرقة نهت وزجرت ، وفرقت أمسكت عن الصيد . اه ،

لقد امتحن الله أهل هذه القرية ، بظهور السمك كثيرا سمينا يوم السبت واختفائه أو قلته في الأيام الأخرى ، ثم وسوس الشيطان لجماعة منهم ، فاصطادوا السمك بالحيلة ، حيث تركوه يتقدم عند مد الماء ، وعملوا أحواضا لمنعه من العودة إلى البحر عند جزر الماء .

وعندئذ تصدى لهم العلماء المخلصون بالنصح والتحذير ، فقالت فئة ثالثة وقفت على الحياد واعتزلت الفريقين :

{ لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا } .

أي : أن الله قد قضى بإهلاكهم في الدنيا ؛ لتمردهم وعصيانهم ، وادخر لهم عذابا شديدا في الآخرة ؛ جزاء مخالفتهم لأمر الله وعدوانهم في السبت ؛ فهو يوم عبادة وتفرغ فاحتالوا على صيد السمك ، واستحقوا الهلاك أو العذاب .

{ قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون } .

أجاب الواعظون للمعترضين على الوعظ والتنبيه : أنا نعظهم لنبرئ أنفسنا من السكوت على المنكر ، ونعتذر إلى ربنا بأننا أدينا واجبنا في الإنكار عليهم ، ونحن لا نيأس من صلاحهم وعودتهم إلى الحق ، ولعلهم بهذا الإنذار يتقون ما هم فيه ويتركونه ، ويرجعون إلى الله تائبين ، فإذا تابوا تاب الله عليهم ورحمهم .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَتۡ أُمَّةٞ مِّنۡهُمۡ لِمَ تَعِظُونَ قَوۡمًا ٱللَّهُ مُهۡلِكُهُمۡ أَوۡ مُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗاۖ قَالُواْ مَعۡذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ} (164)

ولما أخبر أن الفسق ديدنهم ، أكده بقوله عطفاً على{ إذ يعدون }[ الأعراف : 163 ] { وإذ } أي واسألهم عن خبرهم حين { قالت أمة منهم } أي جماعة ممن يعتبر ويقصد من الواعظين الصالحين الذين وعظوا حتى أيسوا{[33839]} لأمة أخرى منهم لا يقلعون عن الوعظ{[33840]} تخويفاً للموعوظين{[33841]} بما يتجاوزون به { لم تعظون قوماً } أي معتمدين على قوتهم { الله } أي الذي له الملك كله { مهلكهم } أي لا محالة لأنهم لا ينتهون عن الفساد ولا يتعظون بالمواعظ { أو معذبهم عذاباً شديداً } أي بعظيم ما يرتكبونه وتماديهم فيه { قالوا } أي الأمة الأخرى من الواعظين : وعظنا { معذرة إلى ربكم } أي المحسن إليكم بالحفظ{[33842]} عما وقعوا فيه من الذنب والإقبال على الوعظ حتى إذا سئلنا عن أمرنا في عصيانهم نقول : فعلنا في أمرهم جهدنا ، هذا إن{[33843]} لم يرجعوا { ولعلهم يتقون* } أي وليكون حالهم حال من يرجى خوفه لله فيرجع عن غيه .


[33839]:- من ظ، وفي الأصل: يسوا كذا.
[33840]:- من ظ، وفي الأصل: الوغض- كذا.
[33841]:- من ظ، وفي الأصل: للموعظين.
[33842]:- من ظ، وفي الأصل: لحفظ.
[33843]:- في ظ: إذا.