في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرۡسَىٰهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّيۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقۡتِهَآ إِلَّا هُوَۚ ثَقُلَتۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا تَأۡتِيكُمۡ إِلَّا بَغۡتَةٗۗ يَسۡـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنۡهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ} (187)

172

هؤلاء الغافلون عما حولهم ، العميُ عما يحيط بهم . . يسألون الرسول [ ص ] عن الساعة البعيدة المغيبة في المجهول . كالذي لا يرى ما تحت قدميه ويريد أن يرى ما في الأفق البعيد !

( يسألونك عن الساعة أيان مرساها ؟ قل : إنما علمها عند ربي ، لا يجليها لوقتها إلا هو ، ثقلت في السماوات والأرض ، لا تأتيكم إلا بغتة . يسألونك كأنك حفي عنها ! قل : إنما علمها عند الله ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون . قل : لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله . ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء . إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون ) . .

لقد كانت عقيدة الآخرة ، وما فيها من حساب وجزاء ، تفاجىء المشركين في الجزيرة مفاجأة كاملة . . ومع أن هذه العقيدة أصيلة في دين إبراهيم - عليه السلام - وهو جد هؤلاء المشركين ؛ وفي دين إسماعيل أبيهم الكريم ؛ إلا أنه كان قد طال عليهم الأمد ، وبعد ما بينهم وبين أصول الإسلام الذي كان عليه إبراهيم وإسماعيل . حتى لقد اندثرت عقيدة الآخرة تماماً من تصوراتهم ؛ فكانت أغرب شيء عليهم وأبعده عن تصورهم . حتى لقد كانوا يعجبون ويعجبون من رسول الله [ ص ] لأنه يحدثهم عن الحياة بعد الموت ؛ وعن البعث والنشور والحساب والجزاء ؛ كما حكى عنهم القرآن الكريم في السورة الأخرى : وقال الذين كفروا : هل ندلكم على رجل ينبئكم ، إذا مزقتم كل ممزق ، إنكم لفي خلق جديد ؟ أفترى على الله كذباً ؟ أم به جنة ؟ بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد . . [ سبأ : 7 - 8 ] .

ولقد علم الله أن أمة من الأمم لا تملك أن تقود البشرية وتشهد عليها - كما هي وظيفة الأمة المسلمة - إلا أن تكون عقيدة الآخرة واضحة لها راسخة في ضميرها . . فتصور الحياة على أنها هذه الفترة المحدودة بحدود هذه الحياة الدنيا ، وحدود هذه الأرض الصغيرة ، لا يمكن أن ينشىء أمة هذه صفتها وهذه وظيفتها !

إن العقيدة في الآخرة فسحة في التصور ، وسعة في النفس ، وامتداد في الحياة ضروري في تكوين النفس البشرية ذاتها ، لتصلح أن تناط بها تلك الوظيفة الكبيرة . . كذلك هي ضرورية لضبط النفس عن شهواتها الصغيرة ومطامعها المحدودة ؛ ولفسحة مجال الحركة حتى لا تيئسها النتائج القريبة ولا تقعدها التضحيات الأليمة ، عن المضي في التبشير بالخير ، وفعل الخير والقيادة إلى الخير ، على الرغم من النتائج القريبة ، والتضحيات الأليمة . . وهي صفات ومشاعر ضرورية كذلك للنهوض بتلك الوظيفة الكبيرة . .

والاعتقاد في الآخرة مفرق طريق بين فسحة الرؤية والتصور في نفس " الإنسان " ، وضيق الرؤية واحتباسها في حدود الحس في إدراك " الحيوان " ! وما يصلح إدراك الحيوان لقيادة البشرية ، والقيام بأمانة الله في الخلافة الراشدة !

لذلك كله كان التوكيد شديداً على عقيدة الآخرة في دين الله كله . . ثم بلغت صورة الآخرة في هذا الدين الأخير غايتها من السعة والعمق والوضوح . . حتى بات عالم الآخرة في حس الأمة المسلمة أثبت وأوضح وأعمق من عالم الدنيا الذي يعيشونه فعلاً . . وبهذا صلحت هذه الأمة لقيادة البشرية ، تلك القيادة الراشدة التي وعاها التاريخ الإنساني !

ونحن في هذا الموضع من سياق سورة الأعراف أمام صورة من صور الاستغراب والاستنكار الذي يواجه به المشركون عقيدة الآخرة ، تبدو في سؤالهم عن الساعة سؤال الساخر المستنكر المستهتر :

( يسألونك عن الساعة أيان مرساها ؟ )

إن الساعة غيب ، من الغيب الذي استأثر الله بعلمه ، فلم يطلع عليه أحداً من خلقه . . ولكن المشركينيسألون الرسول عنها . . إما سؤال المختبر الممتحن ! وإما سؤال المتعجب المستغرب ! وإما سؤال المستهين المستهتر ! ( أيان مرساها ؟ ) أي متى موعدها الذي إليه تستقر وترسو ؟ !

والرسول [ ص ] بشر لا يدعي علم الغيب ، مأمور أن يكل الغيب إلى صاحبه ، وأن يعلمهم أنها من خصائص الألوهية ، وأنه هو بشر لا يدعي شيئاً خارج بشريته ولا يتعدى حدودها ، إنما يعلمه ربه ويوحي إليه ما يشاء :

( قل : إنما علمها عند ربي ، لا يجليها لوقتها إلا هو ) .

فهو - سبحانه - مختص بعلمها ، وهو لا يكشف عنها إلا في حينها ، ولا يكشف غيره عنها .

ثم يلفتهم عن السؤال هكذا عن موعدها ، إلى الاهتمام بطبيعتها وحقيقتها ، وإلى الشعور بهولها وضخامتها . . . ألا وإن أمرها لعظيم ، ألا وإن عبئها لثقيل . ألا وإنها لتثقل في السماوات والأرضين . وهي - بعد ذلك - لا تأتي إلا بغتة والغافلون عنها غافلون :

( ثقلت في السماوات والأرض ، لا تأتيكم إلا بغتة ) . .

فأولى أن ينصرف الاهتمام للتهيؤ لها والاستعداد قبل أن تأتي بغتة ؛ فلا ينفع معها الحذر ، ولا تجدي عندها الحيطة ، ما لم يأخذوا حذرهم قبلها ، وما لم يستعدوا لها ، وفي الوقت متسع وفي العمر بقية . وما يدري أحد متى تجيء ، فأولى أن يبادر اللحظة ويسارع ، وألا يضيع بعد ساعة ، قد تفجؤه بعدها الساعة !

ثم يعجب من أمر هؤلاء الذين يسألون الرسول [ ص ] عن الساعة . . إنهم لا يدركون طبيعة الرسالة وحقيقة الرسول ؛ ولا يعرفون حقيقة الألوهية ، وأدب الرسول في جانب ربه العظيم .

( يسألونك كأنك حفي عنها ! )

أي كأنك دائم السؤال عنها ! مكلف أن تكشف عن موعدها ! ورسول الله [ ص ] لا يسأل ربه علم ما يعلم هو أنه مختص بعلمه :

( قل : إنما علمها عند الله ) . .

قد اختص سبحانه به ؛ ولم يطلع عليه أحداً من خلقه .

( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) . .

وليس الأمر أمر الساعة وحده . إنما هو أمر الغيب كله فلله وحده علم هذا الغيب . لا يطلع على شيء منه إلا من شاء ، بالقدر الذي يشاء ، في الوقت الذي يشاء . . لذلك لا يملك العباد لأنفسهم نفعاً ولا ضراً . . فقد يفعلون الأمر يريدون به جلب الخير لأنفسهم ، ولكن عاقبته تكون هي الضر لهم . وقد يفعلون الأمر يريدون به رفع الضر عنهم ، ولكن عاقبته المغيبة تجره عليهم ! وقد يفعلون الأمر يكرهونه فإذا عاقبته هي الخير ؛ ويفعلون الأمر يحبونه فإذا عاقبته هي الضر : ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم ) . .

والشاعر الذي يقول :

ألا من يريني غايتي قبل مذهبي ! % ومن أين والغايات بعد المذاهب

إنما يمثل موقف البشرية أمام الغيب المجهول . ومهما يعلم الإنسان ومهما يتعلم ، فإن موقفه أمام باب الغيب الموصد ، وأمام ستر الغيب المسدل ، سيظل يذكره ببشريته المحجوبة أمام عالم الغيب المحجوب .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرۡسَىٰهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّيۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقۡتِهَآ إِلَّا هُوَۚ ثَقُلَتۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا تَأۡتِيكُمۡ إِلَّا بَغۡتَةٗۗ يَسۡـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنۡهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ} (187)

{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أيان مُرْسَاهَا قُلْ إنمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كأنك حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إنمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ( 187 ) }

المفردات :

الساعة : المراد بها هنا : يوم القيامة وقد يراد بها لغة : جزء من الزمن .

أيان مرساها : أي : متى حصولها . أو متى وقوعها ؟

لا يجليها : لا يظهرها ويكشفها على وجه التحديد .

ثقلت في السماوات والأرض : عظم أمرها على أهل السماوات والأرض ؛ لما فيها من الأهوال .

بغتة : فجأة .

حفى عنها : بالغ العلم بها .

التفسير :

{ 187 - يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أيان مُرْسَاهَا . . . }

سبب النزول :

كانت اليهود تقول للنبي صلى الله عليه وسلم ، إن كنت نبيا فأخبرنا عن الساعة متى تقوم ؟

وقال قتادة : إن قريشا قالت : يا محمد بيننا وبينك قرابة ، فبين لنا متى الساعة ؟

وقال عروة : الذي سأله عن الساعة ، عتبة بن ربيعة .

ورجح الحافظ ابن كثير أنها نزلت في قريش ؛ لأن الآية مكية ، وكانوا يسألون عن وقت الساعة ؛ استبعادا لوقوعها ، وتكذيبا لوجودها ، أو اختبارا لصدق نبوة الرسول .

المعنى : يسألك الناس يا محمد ، عن وقت مجيء الساعة التي يموت فيها الناس جميعا .

{ أيان مرساها } .

أي : متى يكون وقوعها ومجيئها وثبوتها وفي التعبير بالإرساء الدال على الاستقرار والانتهاء ، إشارة إلى أن قيام الساعة إنهاء لحركة العالم ، وانقضاء عمر الأرض .

قال أبو عبيدة : أي : متى مرساها ، أي : منتهاها ، ومرسا السفينة : حيث تنتهي .

{ قل إنما عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ . . . . }

استأثر الله تعالى بأمر الغيب ، وأمر الإنسان أن ينصرف إلى عمله مجتهدا فيه ، فلو تأكدنا من موعد الساعة ، فربما أهمل المهملون ، وربما اشتد الخوف والروع على المؤمنين ، ولذلك اختص الله نفسه بعلم الساعة ؛ حتى يكون هناك مجال للاختبار والابتلاء والامتحان ، وحتى يكون هناك توقع للموت في أي لحظة ، وقد خبأ الله معرفة الصلاة الوسطى ، وساعة الإجابة يوم الجمعة ، وليلة القدر في شهر رمضان ، كما خبأ معرفة الساعة ؛ ليجتهد الناس في الطاعة والعبادة ؛ فربما جاء الموت بغتة .

قال تعالى : { إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير } . ( لقمان : 34 ) .

{ لا يجليها لوقتها إلا هو } .

أي : علم الساعة عند الله وحده ، ولا يظهرها ، ولا يأتي بها في وقتها غير الله تعالى وحده ، وفي هذا القول تأكيد بليغ ، وزيادة تقرير لما سبق من اختصاص علم الله تعالى بذلك .

{ ثقلت في السماوات والأرض } .

هذه الجملة لها معنيان :

المعنى الأول : خفى علمها على أهل السماوات والأرض ، ولم يعلم بها أحد من الملائكة المقربين ، والأنبياء المرسلين ، فجميع من في السماوات والأرض لا يعلمون متى يكون حدوثها ووقوعها ، وكل ما خفي علمه فهو ثقيل على الفؤاد ، وهو قول السدّي .

المعنى الثاني : عظم أمرها واشتد وقعها على أهل السماوات والأرض ؛ بعد أن أعلمهم الله تعالى بما سيكون فيها من الشدائد والأهوال ، وهو قول ابن عباس : ووجهه : أن الكل يخافونها محسنهم ومسيئهم .

{ ولا تأتيكم إلا بغتة } .

قضى الله تعالى أنها لا تأتي إلا فجأة ، وعلى حين غفلة ، وحينئذ تشعرون بثقلها لهول المفاجأة ، فأولى بالإنسان أن ينصرف عن السؤال عن الساعة ووقتها ، فأن ذلك لا يفيد .

ويتفرغ للعمل بما يفيده ويقع في دائرة اختصاصه ، وهو الاستعداد للساعة والعمل الصالح ، والتسابق في اغتنام لحظات الحياة ، فالموت يأتي بغتة ، وفي الحديث الشريف " اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك ، وفراغك قبل شغلك ، وصحتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك ، وحياتك قبل موتك " 76 .

وروى البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس ؛ آمنوا أجمعون ، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانهم لم تكن آمنت من قبل ، أو كسبت في إيمانها خيرا ، ولتقومن الساعة ، وقد انصرف الرجل بلبن لقحته77 فلا يطعمه ، ولتقومن الساعة والرجل يليط78 حوضه فلا يسقي فيه ، ولتقومن الساعة والرجل قد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها " 79 .

{ يسئلونك كأنك حفي عنها } .

أي : كأنك دائم السؤال عنها ، مكلف أن تكشف عن موعدها .

قال مجاهد : أي استحفيت عنها السؤال حتى علمت وقتها .

وقال ابن عباس : كأنك عالم بها ، وقد أخفى الله علمها عن خلقه .

{ قل إنما علمها عند الله } .

لا يعلم وقت مجيء الساعة إلا الله وحده دون سواه ، وفي هذا تأكيد وتعميق للمعنى المستفاد من الردّ الأول ، مع ما يفيده ذكر لفظ الجلالة من هيبة ورهبة ، في مقابلة جهلهم ، وتعنتهم في طلب أمور لا يعلمها إلا الله وحده ، ولم يطلع عليها أحدا من خلقه .

{ ولكن أكثر الناس لا يعلمون } .

ولكن أكثر الناس لا يعلمون اختصاص علمها به تعالى ولا حكمة ذلك ، ولا أدب السؤال ، ولا غير ذلك مما يتعلق بهذا المقام ، وإنما يعلم ذلك القليلون ، وهم المؤمنون بما جاء من أخبارهم في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

روى الشيخان عن عمر بن الخطاب أن جبريل سأل النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا محمد ، متى الساعة ؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : ما المسئول عنها بأعلم من السائل ، سأنبئك عن أشراطها ، ( علاماتها ) : أن تلد الأمة ربتها ، وأن ترى الحفاة العراة العالة ، رعاء الشاء والإبل يتطاولون في البنيان " 80 .

وذهب الأستاذ سيد قطب : إلى أن معنى هذه الفقرة : أن أمر الغيب كله لله وحده ، لا يطلع على شيء منه إلا من شاء ، بالقدر الذي يشاء ، وفي الوقت الذي يشاء ، لذلك لا يملك العباد لأنفسهم نفعا ولا ضرا ؛ فقد يفعلون الأمر يريدون به جلب الخير لأنفسهم ، ولكن عاقبته تكون هي الضر لهم ، وقد يفعلون الأمر يريدون به رفع الضر عنهم ، ولكن عاقبته المغيبة تجره عليهم ، وقد يفعلون لأمر يكرهونه فإذا عاقبته هي الخير ويفعلون الأمر يحبونه فإذا عاقبته هي الضر .

{ وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم * وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون } .

وقال سبحانه وتعالى : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو . . . }

من كلام المفسرين

1 – قال الآلوسي في تفسير الآية :

وإنما أخفى سبحانه أمر الساعة ؛ لاقتضاء الحكمة التشريعية ذلك ، فإنه أدعى إلى الطاعة ، وازجر عن المعصية ، كما أن إخفاء الأجل الخاص للإنسان كذلك .

2 – جاء في تفسير المنار :

لهذه الآية كلام طويل عقب عليه السيد رشيد رضا في آخره بقوله( فصل فيما ورد في قرب الساعة وأشراطها وما قيل في عمرها ) وفي الفصل أفاد بالآتي :

أخرج الحافظ السيوطي عدة أحاديث ، في أن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة .

ونقل صاحب المنار نقولا عن العلماء : بأن القول بتعيين مدة الدنيا من أولها إلى آخرها بأنه سبعة آلاف سنة لم يثبت فيه نص يعتمد عليه ، وإنما هي نقول مأخوذة عن أهل الكتاب .

قال صاحب المنار :

وكذلك الإمام أبو محمد علي بن حزم( المتوفى سنة 456 ه ) .

لم يعبأ بشيء من هذه الروايات في هذه المسألة على طول باعه وسعة حفظه للآثار ، وقد سبق القاضي عياضا ، والقاضي أبا بكر ابن العربي ، وابن خلدون في رفضه لما قيل في عمر الدنيا .

قال ابن حزم :

وأما نحن – يعني المسلمين – فلا نقطع على علم عدد معروف عندنا ، ومن ادعى في ذلك سبعة آلاف سنة أو أكثر أو أقل ؛ فقد قال ما لم يأت قط عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لفظة تصح ، بل صح عنه صلى الله عليه وسلم خلافه ، بل نقطع على أن للدنيا أمدا لا يعلمه إلا الله تعالى .

قال الله سبحانه وتعالى : { ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم } . ( الكهف : 51 ) .

وبعد أن نقل السيد رشيد رضا كلام الإمام ابن حزم قال :

هذا كلام الأئمة المحققين ، فالذين حاولوا تحديد عمر الدنيا ، ومعرفة وقت قيام الساعة إرضاء لشهوة الإتيان ، بما بهم جميع الناس ، لم يشعروا بأنهم يحاولون تكذيب آيات القرآن الكثيرة ، بأن الساعة من علم الغيب ، الذي استأثر الله به ، وأنها تأثيم بغتة وهم لا يشعرون ، وهذا البلاء كله من دسائس رواة الإسرائيليات .

ثم يقول صاحب المنار في موضع آخر :

وأما علماء الكون في هذا العصر ؛ فلهم منهج في عمر الأرض في الماضي ، ومنهج آخر في تاريخ البشر وآثارهم في القرون الخالية .

وهم يجزمون أن عمر الدنيا الماضي ، يعد بألوف الألوف من السنين ، وقد وجدت آثار للبشر فيها منذ مئات الألوف منها ، وذلك ينقض ما في سفر التكوين في المسألتين ، ولكنه لا ينقض من القرآن كلمة ولا حرفا .

{ ولو كان من عند الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } . ( النساء : 82 ) .

انتهى كلام السيد رشيد رضا .

مؤتمر عالمي عن عمر الكون

نقل إلي الصديق الباحث الأستاذ الدكتور محمد الشبيني – عميد كلية التربية والعلوم الإسلامية بجامعة السلطان قابوس بمسقط( سلطنة عمان ) – أنه قرأ في مجلات عالمية ، بأن مؤتمرا لعلماء الطبيعة والفيزياء والفلك قد أنعقد في واشنطن في شهر أبريل سنة 1992م ؛ لمناقشة دراسة علمية متخصصة عن أصل الكون ، واستقر المؤتمر على الآتي :

1 – تشير المشاهدات والحفريات والدراسات إلى أن عمر الكون يتراوح ما بين 15 بليون سنة ، 20 بليون سنة .

2 – الكون يتسع لتحرك الكواكب ويزداد في اتساعه وحركته ؛ لأن هناك المزيد من الكواكب .

3 – عمر المجموعة الشمسية الآن خمسة بلايين سنة وأنها يمكن أن تبقى خمسة بلايين سنة أخرى .

4 – الشمس ستحرق كل المواد المشتعلة التي فيها ثم تخمد ، وتصبح من النجوم القزمة ، وعند انتهاء عمر الشمس ، ينتهي عمر الكون ، ما لم تدخل إرادة إلهية عليا بأمور ليست في الحسبان . اه .

أشراط الساعة وأماراتها

قسم العلماء أشراط الساعة إلى ثلاثة أقسام :

1 – ما وقع بالفعل منذ قرون خلت ، كقتال اليهود ، وفتح بيت المقدس ، والقسطنطينية .

2 – ما وقع بعضه وهو لا يزال في ازدياد كالفتن والفسوق وكثرة الزنا وكثرة الدجالين وكثرة النساء ، وتشبههن بالرجال ، والكفر والشرك حتى في بلاد العرب .

3 – ما سيقع بين يدي الساعة من العلامات الصغرى والكبرى ، وتجد ذلك مطولا في تفسير المنار وتفسير المراغي .

المهدي المنتظر

أشهر الروايات أن اسمه محمد بن عبد الله ، والشيعة بقولون : أنه محمد بن الحسن العسكري ، ويلقبونه بالحجة والقائم والمنتظر ، والمشهور في نسبه أنه علوي فاطمي من ولد الحسن ، وهناك رواية مصرحة بأنه من ولد العباس .

وأكثر العلماء ينكرون هذه الأحاديث ويقولون : أنه موضوعة لا نصيب لها من الصحة ، ومن ثم لم يعتد بها الشيخان ، ومن هؤلاء ابن خلدون ، فقد ضعّف هذه الأحاديث ، وضعف أسانيدها ، وبين أن لله سننا في النصر هي الوحدة والقوة ، والقتال والاستعداد كما فعل الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرۡسَىٰهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّيۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقۡتِهَآ إِلَّا هُوَۚ ثَقُلَتۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا تَأۡتِيكُمۡ إِلَّا بَغۡتَةٗۗ يَسۡـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنۡهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ} (187)

ولما بين التوحيد والنبوة والقضاء والقدر ، أتبعه المعاد لتكمل المطالب الأربعة{[34260]} التي هي أمهات مطالب القرآن ، مبيناً ما اشتمل عليه هذا الكلام من تبلدهم{[34261]} في العمه وتلددهم في إشراك الشبه بقوله : { يسئلونك } أي مكررين لذلك { عن الساعة } أي عن وقتها سؤال استهزاء { أيان مرساها } أي أيّ وقت ثبات ثقلها واستقراره{[34262]} ، والمرسى يكون مصدراً وزماناً ومكاناً ، من رست السفينة - إذا ثبتت بالحديدة المتشعبة ، وإنما كان هذا بياناً لعمههم فإنهم{[34263]} وقعوا بذلك{[34264]} في الضلال من وجهين : السؤال عما غيره لهم أهم ، وجعله على طريق الاستهزاء مع ما قام عليه من الأدلة ، وسيكرره في هذه السورة ، وكان اللائق بهم أن يجعلوا بدل السؤال عنها اتقاءها بالأعمال الصالحة .

ولما كان السؤال عن الساعة عاماً ثم خاصاً بالسؤال عن وقتها{[34265]} ، جاء الجواب عموماً عنها بقوله : { قل إنما علمها } أي علم وقت إرسائها وغيره { عند ربي } أي المحسن إليّ بإقامتها لينعم على من تبعني وينتقم ممن{[34266]} تركني ، لم يطلع على ذلك أحداً من خلقه ، ولا يقيمها إلا في أحسن الأوقات وأنفعها لي ، وإخفاؤها أنفع للخلق لأنه أعظم لشأنها وأهيب ، فيكون أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية وأقرب إلى التوبة ، ثم خصصت من حيث الوقت بقوله مشيراً إلى أن لها أشراطاً{[34267]} تتقدمها : { لا يجليها } أي يبينها غاية البيان { لوقتها إلا هو } .

ولما كان قد أشار إلى ثقل الساعة بالإرساء ، وكان الشيء إذا جهل من بعض الوجوه أشكل وإذا أشكل ثقل ، قال : { ثقلت } أي الساعة فغاصت إلى حيث لم يتغلغل إليها علم العباد فأهمهم كلهم عليّ{[34268]} شأنها ، ولذلك عبر بالظرف فقال : { في السماوات والأرض } أي نسبة أهلهما إلى خفائها والخوف منها على حد سواء لأن مالكها قادر على ما يشاء ، وله أن يفعل ما يشاء{[34269]} - ثم قرر خفاءها على الكل فقال : { لا تأتيكم } أي في حالة من الحالات { إلا بغتة } أي على حين غفلة .

ولما كانوا قد ألحفوا{[34270]} في سؤاله صلى الله عليه وسلم عنها ، وكانت صفة الربوبية المذكورة في الجملة الأولى ربما حملت على سؤاله طمعاً في تعرفها{[34271]} من المحسن إليه ، قطع الأطماع بقوله مؤكداً{[34272]} للمعنى : { يسئلونك } أي عن الساعة مطلقاً في وقت وقوعها وما يحصل من أمورها ويحدث من{[34273]} شدائدها ، أي ويلحفون{[34274]} في سؤالك كلما أخبرتهم أنه لا يعلمها {[34275]}إلا الله{[34276]} { كأنك حفيٌّ } أي عالم بأمرها مستقص مبالغ في السؤال { عنها قل } أي قطعاً لسؤالهم { إنما علمها عند الله } أي الذي له{[34277]} جميع العزة والعظمة والكبرياء فلا يستطاع علم شيء مما عنده إلا بإذنه ، ولم يأذن في علمها لأحد من الخلق { ولكن أكثر الناس } أي الذين{[34278]} غلبت عليهم صفة الاضطراب { لا يعلمون } أي ليسوا من أهل العلم فهم بالسؤال عنها يستهزئون ، ولو كانوا من أهله ما كذبوك ، فواقعوا ما لا يعنيهم من السؤال عنها وغيره من أنواع التعنت ، وتركوا ما ينجيهم ويغنيهم من المبادرة إلى الإيمان بهذا القرآن خوف انخرام الآجال وهم يهيمون في أودية الضلال .


[34260]:- زيد من ظ.
[34261]:- من ظ، وفي الأصل: تبدلهم.
[34262]:- في ظ: استقلاله.
[34263]:- في ظ: لأنهم.
[34264]:- في ظ: به.
[34265]:- سقط ما بين الرقمين من ظ.
[34266]:- من ظ، وفي الأصل: من.
[34267]:- من ظ، وفي الأصل: اشراط.
[34268]:- زيد من ظ.
[34269]:-زيد من ظ.
[34270]:- في ظ: ألحوا.
[34271]:- في ظ: تعريفها.
[34272]:- من ظ، وفي الأصل: موكد.
[34273]:- في ظ: في.
[34274]:- من ظ، وفي الأصل: من.
[34275]:- سقط ما بين الرقمين من ظ.
[34276]:- سقط ما بين الرقمين من ظ.
[34277]:- زيد من ظ.
[34278]:- في ظ: الذي.