( وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ )
يشفها من غيظها المكظوم ، بانتصار الحق كاملا ، وهزيمة الباطل ، وتشريد المبطلين . .
وليس هذا وحده ولكن خيرا آخر ينتظر وثوابا آخر ينال :
( ويتوب الله على من يشاء ) . .
فانتصار المسلمين قد يرد بعض المشركين إلى الإيمان ، ويفتح بصيرتهم على الهدى حين يرون المسلمين ينصرون ، ويحسون أن قوة غير قوة البشر تؤيدهم ، ويرون آثار الإيمان في مواقفهم - وهذا ما كان فعلا - وعندئذ ينال المسلمون المجاهدون أجر جهادهم ، وأجر هداية الضالين بأيديهم ؛ وينال الإسلام قوة جديدة تضاف إلى قوته بهؤلاء المهتدين التائبين :
عليم بالعواقب المخبوءة وراء المقدمات . حكيم يقدر نتائج الأعمال والحركات .
أي : قلوب هؤلاء المؤمنين على المشركين من غدرهم وظلمهم وشدة إيذائهم ، أو يذهب غيظ قلوبكم لما لقيتم من شدة المكروه منهم .
{ ويذهب غيظ قلوبهم } بما كابدوا من المكارة والمكايد ، ولقد أنجز الله سبحانه جميع ما وعدهم به ، على أجمل ما يكون ، فيكون إخباره صلى الله عليه وسلم بذلك قبل وقوعه معجزة عظيمة17 .
{ ويتوب الله على من يشاء } . هذا كلام مستأنف . ينبئ عما سيكون من إيمان بعض المشركين ، أي : ويتوب الله على من يشاء أن يتوب عليه من عباده ، فيوفقه للإيمان ، ويشرح صدره للإسلام ، وقد حدث ذلك فعلا ، فأسلم أناس من أهل مكة ، وحسن إسلامهم ، مثل : أبي سفيان ، وعكرمة بن أبي جهل ، وسليم بن أبي عمرو .
{ والله عليم } بما يصلح عباده حكيم في أفعاله وأقواله الكونية والشرعية ، فيفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد ؛ فامتثلوا أمره ، واجتنبوا نهيه .
ولما كان الشفاء قد لا يراد به الكمال ، أتبعه تحقيقاً لكماله قوله : { ويذهب غيظ قلوبهم } أي يثبت بها من اللذة ضد ما لقوا{[35752]} منهم من المكروه ، وينفي عنها من الألم بفعل من يريد سبحانه{[35753]} من أعدائهم وذل الباقين ما كان قد برح بها ، ولقد وفى سبحانه بما وعد به ، فكانت الآية من ظواهر الدلائل .
ولما كان التقدير : قاتلوهم فإنكم إن قاتلتموهم كان كذا ، عطف سبحانه على أصل هذه الجملة قوله : { ويتوب الله } أي الملك الذي له صفات الكمال { على من يشاء } أي منهم فيصيروا إخواناً لكم أولياء ، والمعنى قاتلوهم يكن القتال سبباً لهذه الخمسة الأشياء ، وأما التوبة فتارة تسبب عنه وتارة عن غيره ، ولأجل احتمال تسببها{[35754]} عنه قرئ شاذاً بالنصب على أن{[35755]} الواو للصرف ؛ ولما كان ما تضمنه هذا الوعد الصادق يدور على القدرة والعلم ، وكان -{[35756]} العلم يستلزم القدرة ، فكان التقدير : فالله على كل شيء قدير ، عطف عليه قوله { والله } أي الذي له الإحاطة بكل شيء علماً وقدرة { عليم } أي بكل شيء وبمن يصلح للتوبة ومن لا يصلح وما في قلوبكم من الإقدام والإحجام لو برز إلى الخارج كيف كان يكون { حكيم* } أي أحكم جميع أموره ، ولم يعلق الأحكام الشرعية من أفعالكم الكسبية إلا بما تعلق العلم به في حال ظهوره .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.