( والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً ، وتفريقاً بين المؤمنين ، وإرصاداً لمن حارب اللّه ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى ، واللّه يشهد إنهم لكاذبون . لا تقم فيه أبدا ، لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه ، فيه رجال يحبون أن يتطهروا ، واللّه يحب المطهرين . أفمن أسس بنيانه على تقوى من اللّه ورضوان خير ? أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم ? واللّه لا يهدي القوم الظالمين . لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم ، إلا أن تَقطع قلوبهم ، واللّه عليم حكيم ) .
وقصة مسجد الضرار قصة بارزة في غزوة تبوك ، لذلك أفرد المنافقون الذين قاموا بها من بين سائر المنافقين ، وخصص لهم حديث مستقل بعد انتهاء الاستعراض العام لطوائف الناس في المجتمع المسلم حينذاك
قال ابن كثير في التفسير : سبب نزول هذه الآيات الكريمات أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول اللّه - [ ص ] - إليها رجل من الخزرج يقال له أبو عامر الراهب . وكان قد تنصر في الجاهلية . وقرأ علم أهل الكتاب ؛ وكان فيه عبادة في الجاهلية ، وله شرف في الخزرج كبير . فلما قدم رسول اللّه - [ ص ] - مهاجراً إلى المدينة ، واجتمع المسلمون عليه ، وصارت للإسلام كلمة عالية . وأظهرهم اللّه يوم بدر ، شرق اللعين أبو عامر بريقه وبارز بالعداوة وظاهر بها ، وخرج فاراً إلى كفار مكة من مشركي قريش يمالئهم على حرب رسول اللّه - [ ص ] - فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب ، وقدموا عام أحد فكان من أمر المسلمين ما كان ، وامتحنهم اللّه عز وجل ، وكانت العاقبة للمتقين . وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين ، فوقع في إحداهن رسول اللّه [ ص ] . وأصيب في ذلك اليوم ، فجرح وجهه ، وكسرت رباعيته اليمنى السفلى ، وشج رأسه - صلوات اللّه وسلامه عليه - وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار فخاطبهم واستمالهم إلى نصره وموافقته ، فلما عرفوا كلامه قالوا : لا أنعم اللّه بك عيناً يا فاسق يا عدو اللّه ! ونالوا منه وسبوه ، فرجع وهو يقول : واللّه لقد أصاب قومي بعدي شر !
وكان رسول اللّه - [ ص ] - قد دعاه إلى اللّه قبل فراره ، وقرأ عليه من القرآن ، فأبى أن يسلم وتمرد ، فدعا عليه رسول اللّه - [ ص ] - أن يموت بعيداً طريداً ، فنالته هذه الدعوة . . وذلك أنه لما فرغ الناس من أحد ، ورأى أمر رسول اللّه - [ ص ] - في ارتفاع وظهور ، ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبي - [ ص ] - فوعده ومناه وأقام عنده ، وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول اللّه - [ ص ] - ويغلبه ، ويرده عما هو فيه ؛ وأمرهم أن يتخذوا له معقلاً يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه ، ويكون مرصداً له إذا قدم عليهم بعد ذلك ؛ فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء ، فبنوه وأحكموه ، وفرغوا منه قبل خروج رسول اللّه - [ ص ] - إلى تبوك ؛ وجاءوا فسألوا رسول اللّه - [ ص ] - أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم ، فيحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته ؛ وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية ! فعصمه اللّه من الصلاة فيه ، فقال : " إنا على سفر ، ولكن إذا رجعنا - إن شاء الله - " فلما قفل - عليه السلام - راجعاً إلى المدينة من تبوك ، ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم ، نزل جبريل بخبر مسجد الضرار ، وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم - مسجد قباء - الذي أسس من أول يوم على التقوى . فبعث رسول اللّه - [ ص ] - إلى ذلك المسجد من هدمه قبل مقدمه المدينة . . [ وكذلك روى - بإسناده - عن ابن عباس وعن سعيد بن جبير ومجاهد وعروة بن الزبير وقتادة ] .
فهذا هو مسجد الضرار الذي أمر اللّه رسوله - [ ص ] - ألا يقوم فيه ، وأن يقوم في المسجد الأول - مسجد قباء - الذي أقيم على التقوى من أول يوم ، والذي يضم رجالاً يحبون أن يتطهروا . ( واللّه يحب المطهرين ) . .
هذا المسجد - مسجد الضرار - الذي اتخذ على عهد رسول اللّه - [ ص ] - مكيدة للإسلام والمسلمين ، لا يراد به إلا الإضرار بالمسلمين ، وإلا الكفر باللّه ، وإلا ستر المتآمرين على الجماعة المسلمة ، الكائدين لها في الظلام ، وإلا التعاون مع أعداء هذا الدين على الكيد له تحت ستار الدين . .
هذا المسجد ما يزال يتخذ في صور شتى تلائم ارتقاء الوسائل الخبيثة التي يتخذها أعداء هذا الدين . تتخذ في صورة نشاط ظاهره للإسلام وباطنه لسحق الإسلام ، أو تشويهه وتمويهه وتمييعه ! وتتخذ في صورة أوضاع ترفع لافتة الدين عليها لتتترس وراءها وهي ترمي هذا الدين ! وتتخذ في صورة تشكيلات وتنظيمات وكتب وبحوث تتحدث عن الإسلام لتخدر القلقين الذين يرون الإسلام يذبح ويمحق ، فتخدرهم هذه التشكيلات وتلك الكتب إلى أن الإسلام بخير لا خوف عليه ولا قلق ! . . . وتتخذ في صور شتى كثيرة . .
ومن أجل مساجد الضرار الكثيرة هذه يتحتم كشفها وإنزال اللافتات الخادعة عنها ؛ وبيان حقيقتها للناس وما تخفيه وراءها . ولنا أسوة في كشف مسجد الضرار على عهد رسول اللّه - [ ص ] - بذلك البيان القوي الصريح :
والذين اتخذوا مسجدا ضرارا ، وكفراً ، وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب اللّه ورسوله من قبل . وليحلفن : إن أردنا إلا الحسنى ، واللّه يشهد إنهم لكاذبون .
{ والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون ( 107 ) }
وتفريقا بين المؤمنين : أي : فصلا بينهم ، بصرف بعضهم عن مسجد قباء الذي يجمعهم ويوحد كلمتهم .
وإرصادا لمن حارب الله ورسوله : وانتظارا للراهب الفاسق الذي حارب الله ورسوله ليصلي فيه .
الحسنى : أي : الخصلة الحسناء .
107 { والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين . . . } الآية .
بنى جماعة من المنافقين مسجدا ؛ رغبة في التجمع ، واستضافة أعداء النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث قال لهم أبو عامر الراهب : ابنوا مسجدكم ، واستعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح ، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم ؛ فآتى بجند من الروم ؛ فأخرج محمدا وأصحابه ، فلما فرغوا من مسجدهم ، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : يا رسول الله ، إنا بنينا مسجدا ؛ لذي العلة والحاجة والليلة الشاتية ، والليلة المطيرة ، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه .
فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : إني على جناح سفر ، ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه ، ونزل عليه الوحي بخبرهم . فلما رجع من سفره ؛ دعا برجال من أصحابه ، وقال : انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله ؛ فأحرقوه واهدموه ففعلوا ، وأمر أن يتخذ مكانه موضعا لإلقاء القمامة ؛ حتى لا تقوم له قائمة ، وهلك أبو عامر الراهب بقنّسرين .
ومن المتخلفين عن غزوة تبوك ، المنافقون الذين بنوا بجوار مسجد قباء ، مسجدا لمضارة الإسلام والمسلمين ، وكفرا . بالنبي صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ، وللطعن عليه وعلى الإسلام واتخاذه مقرا للكيد والتآمر على المسلمين .
{ وتفريقا بين المؤمنين } . حيث أرادوا ألا يحضروا مسجد قباء ؛ فتقل جماعة المسلمين ، وفي ذلك من اختلاف الكلمة وبطلان الألفة ما لا يخفى .
{ وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل } .
الإرصاد : أي : الترقب والانتظار لمجيء من حارب الله ورسوله إليه ويتخذه مقرا له ، ومكانا لقوم راصدين للحرب معه ، وهم المنافقون الذين بنوا هذا المسجد .
{ وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون } .
وليحلفن هؤلاء المنافقون : ما أردنا ببناء هذا المسجد إلا الفعلة الحسنى ؛ وهي الرفق بالمسلمين ، وتيسير صلاة الجماعة على أهل الضعف والعجز ، وفي أثناء المطر ، والله تعالى يعلم إنهم لكاذبون في أيمانهم وادعائهم ؛ فقد بنوه للمضارة وغيرها من الأغراض الفاسدة ، التي بينتها الآية الكريمة .
{ ضراراً } : أي لأجل الإِضرار .
{ وإرصاداً } : انتظاراً وترقباً .
{ إلا الحسنى } : أي إلا الخير والحال الأحسن .
ما زال السياق في فضح المنافقين وإغلاق أبواب النفاق في وجوههم حتى يتوبوا إلى الله تعالى أو يهلكوا وهم كافرون فقال تعالى ذاكراً فريقاً منهم { والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل } إن المراد من هؤلاء الذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً اثنا عشر رجلاً من أهل المدينة كانوا قد أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو شاخص إلى تبوك فقالوا يا رسول الله إنا قد بنينا مسجداً للعاجز منا والمريض وللّيلة المطيرة فَصَلِّ لنا فيه فقال لهم صلى الله عليه وسلم " أنا الآن على جناح سفر وإن عدنا نصلي لكم فيه إن شاء الله أو كما قال " . فلما عاد صلى الله عليه وسلم من تبوك ووصل إلى مكان قريب من المدينة يقال له ذواوان وهو بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار نزل عليه الوحي بشأن مسجد الضرار فبعث مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف ومعن بن عدي أو أخاه عاصماً أخا بني العجلان فقال انطلقا إلى هذا المسجد الظالِم أهله فاهدماه وحرقاه فخرجا مسرعين حتى أتيا بني سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم فقال لمعن انظرني حتى أخرج إليك بنار فخرج بسعف نخل قد أضرم فيه النار وأتيا المسجد وأهله فيه فأضرما فيه النار وهدماه وتفرق أهله ونزل فيهم قوله تعالى { والذين اتخذوا مسجداً ضراراً } أي لأجل الإِضرار بالمسجد النبوي ومسجد قباء حتى يأتيهما أهل الحى وقوله { وكفراً } أي لأجل الكفر بالله ورسوله وقوله { وتفريقاً بين المؤمنين } علة ثالثة لبناء مسجد الضرار إذ كان أهل الحي مجتمعين في مسجد قباء فأرادوا تفرقتهم في مسجدين حتى يجد هؤلاء المنافقون مجالاً للتشكيك والطعن وتفريق صفوف المؤمنين على قاعدة : ( فرق تسد ) { وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل } وهو أبو عامر الراهب الفاسق لأنه عليه لعائن الله هو الذي أمرهم أن يبنوه ليكون وكراً للتآمر والكيد وهذا الفاسق قال للنبي صلى الله عليه وسلم ما وجدت قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم فكان مع المشركين في حروبهم كلها إلى أن انهزم المشركون في هوازن وأيس اللعين ذهب إلى بلاد الروم يستعديهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن هنا أمر المنافقين ببناء مسجد الضرار ليكون كما ذكر تعالى حتى ينزل به مع جيوش الروم التي قد خرج يستعديها ويؤلِّبها إلا أنه خاب في مسعاه وهلك بالشام إلى جهنم وبئس المصير فهذا معنى قوله تعالى { وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل } أي قبل بناء مسجد الضرار الذي هُدم وحُرق وأصبح موضع قمامة تلقى فيه الجِيَفْ والقمائم .
وقوله تعالى { وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى } هذا قولهم لما حرق عليهم المسجد وهدم وانفضح أمرهم حلفوا ما أرادُوا إلا الحالة التي هي حسنى لا سوء فيها إذ قالوا بنيناه لأجل ذي العلة ولليلة المطيرة ، وقوله تعالى { والله يشهد إنهم لكاذبون } تفنيد لقولهم وتقرير لكذبهم .
1- بيان أكبر مؤامرة ضد الإِسلام قام بها المنافقون بإرشاد الفاسق أبي عامر الراهب .
2- بيان أن تنازع الشرف هو سبب البلاء كل البلاء فابن أُبَيّ حاربَ الإِسلام لأنه كان يُؤمِّلُ في السُّلطة على أهل المدينة فحُرِمَها بالإِسلام . وأبو عامر الراهب ترهَّب لأجل الشرف على أهل المدينة والسلطان الروحي فلذا لما فقدها حارب من كان سبب حرمانه وهو الرسول صلى الله عليه وسلم حتى قال له مواجهة : ما قاتلك قوم إلا قاتلتك معهم . بل ذهب إلى الروم يؤلِّبهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم واليهود ما حاربوا الإِسلام إلا من أجل المحافظة على أملهم في مملكة إسرائيل .
- لا يصح الاِغترار بأقوال أهل النفاق فإنها كذب كلها .
- أيما مسجد بُني للإِضرار والتفرقة بين المسلمين إلا ويجب هدمه وتحرم الصلاة فيه .
قوله تعالى : { والذين اتخذوا } ، قرأ : أهل المدينة والشام { الذين } بلا واو ، وكذلك هو في مصاحفهم ، وقرأ الآخرون : { والذين } بالواو .
قوله تعالى : { مسجدا ضرارا } ، نزلت هذه الآية في جماعة من المنافقين ، بنوا مسجدا يضارون به مسجد قباء ، وكانوا اثني عشر رجلا من أهل النفاق : وديعة بن ثابت ، وجذام بن خالد ، ومن داره أخرج هذا المسجد ، وثعلبة بن حاطب ، وجارية بن عامر ، وابناه مجمع وزيد ، ومعتب بن قشير ، وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف ، وأبو حبيبة بن الأزعر ، ونبتل بن الحارث ، وبجاد ابن عثمان ، ورجل يقال له : بحزج ، بنوا هذا المسجد ضرارا ، يعني : مضارة للمؤمنين ، { وكفراً } ، بالله ورسوله ، { وتفريقاً بين المؤمنين } ، لأنهم كانوا جميعا يصلون في مسجد قباء ، فبنوا مسجد الضرار ، ليصلي فيه بعضهم ، فيؤدي ذلك إلى الاختلاف وافتراق الكلمة ، وكان يصلي بهم مجمع بن جارية . فلما فرغوا من بنائه أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا : يا رسول إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة ، والليلة المطيرة والليلة الشاتية ، وإنا نحب أن تأتينا وتصلي بنا فيه وتدعو لنا بالبركة ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني على جناح سفر ، ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه " .
قوله تعالى : { وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل } ، أي : انتظارا وإعدادا لمن حارب الله ورسوله . يقال : أرصدت له : إذا أعددت له . وهو أبو عامر الراهب وكان أبو عامر هذا رجلا منهم ، وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة ، وكان قد ترهب في الجاهلية وتنصر ولبس المسوح ، " فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قال له أبو عامر : ما هذا الذي جئت به ؟ قال : جئت بالحنيفية دين إبراهيم ، قال أبو عامر : فإنا عليها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنك لست عليها ، قال : بلى ولكنك أدخلت في الحنيفية ما ليس منها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما فعلت ولكني جئت بها بيضاء نقية ، فقال أبو عامر : أمات الله الكاذب منا طريدا وحيدا غريبا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم آمين . وسماه أبا عامر الفاسق " . فلما كان يوم أحد قال أبو عامر لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم ، فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين ، فلما انهزمت هوازن يئس وخرج هاربا إلى الشام فأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة ومن سلاح ، وابنوا لي مسجدا فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآت بجند من الروم ، فأخرج محمدا وأصحابه ، فبنوا مسجد الضرار إلى جنب مسجد قباء ، فذلك قوله تعالى : { وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله } ، وهو أبو عامر الفاسق ، ليصلي فيه إذا رجع من الشام . قوله : { من قبل } يرجع إلى أبي عامر يعنى حارب الله ورسوله من قبل أي : من قبل بناء مسجد الضرار . { وليحلفن إن أردنا } ، ما أردنا ببنائه ، { إلا الحسنى } ، إلا الفعلة الحسنى وهو الرفق بالمسلمين والتوسعة على أهل الضعف والعجز عن المسير إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم . { والله يشهد إنهم لكاذبون } ، في قيلهم وحلفهم . روي أنه لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك ونزل بذي أوان موضع قريب من المدينة أتوه فسألوه إتيان مسجدهم فدعا بقميصه ليلبسه ويأتيهم ، فنزل عليه القرآن وأخبره الله تعالى خبر مسجد الضرار وما هموا به ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم ، ومعن بن عدي ، وعامر بن السكن ، ووحشياً قاتل حمزة ، وقال لهم : انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه واحرقوه ، فخرجوا سريعا حتى أتو بني سالم بن عوف ، وهم رهط مالك بن الدخشم ، فقال مالك : انظروني حتى أخرج إليكم بنار من أهلي ، فدخل أهله فأخذ سعفاً من النخل فأشعل فيه نارا ، ثم خرجوا يشتدون ، حتى دخلوا المسجد وفيه أهله ، فحرقوه وهدموه ، وتفرق عنه أهله ، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ ذلك كناسة تلقى فيه الجيف والنتن والقمامة . ومات أبو عامر الراهب بالشام وحيدا فريدا غريبا . وروي أن بني عمرو بن عوف ، الذين بنوا مسجد قباء ، أتوا عمر بن الخطاب في خلافته ليأذن لمجمع بن حارثة فيؤمهم في مسجدهم ، فقال : لا ، ولا نعمة عين ، أليس بإمام مسجد الضرار ؟ فقال له مجمع : يا أمير المؤمنين : لا تعجل علي ، فوالله لقد صليت فيه وإني لا أعلم ما أضمروا عليه ، ولو علمت ما صليت معهم فيه ، كنت غلاما قارئاً للقرآن ، وكانوا شيوخا لا يقرؤون القرآن فصليت ولا أحسب إلا أنهم يتقربون إلى الله تعالى ، ولم أعلم ما في أنفسهم ، فعذره عمر وصدقه وأمره بالصلاة في مسجد قباء . قال عطاء : لما فتح على عمر الأمصار أمر المسلمين أن يبنوا المساجد ، وأمرهم أن لا يبنوا في مدينتهم مسجدين يضار أحدهما صاحبه .