وفي جو هذا المشهد العجيب يتوجه إليهم بالأسئلة التهكمية . فما يجدر بالمشرك بالله في مثل هذا الجو إلا التهكم ، وما يستحق إلا السخرية والاستهزاء :
( قل : من رب السماوات والأرض ? قل : الله . قل : أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ? قل : هل يستوي الأعمى والبصير ? أم هل تستوي الظلمات والنور ? أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم ? قل : الله خالق كل شيء ، وهو الواحد القهار ) . .
سلهم - وكل من في السماوات والأرض مأخوذ بقدرة الله وإرادته - رضي أم كره - : ( من رب السماوات والأرض ? ) . . وهو سؤال لا ليجيبوا عنه ، فقد أجاب السياق من قبل . إنما ليسمعوا الجواب ملفوظا وقد رأوه مشهودا : قل : الله . . ثم سلهم : ( أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ? ) . . سلهم للاستنكار فهم بالفعل قد اتخذوا أولئك الأولياء . سلهم والقضية واضحة ، والفرق بين الحق والباطل واضح : وضوح الفارق بين الأعمى والبصير ، وبين الظلمات والنور . وفي ذكر الأعمى والبصير إشارة إليهم وإلى المؤمنين ؛ فالعمى وحده هو الذي يصدهم عن رؤية الحق الواضح الجاهر الذي يحس بأثره كل من في السماوات والأرض . وفي ذكر الظلمات والنور إشارة إلى حالهم وحال المؤمنين ، فالظلمات التي تحجب الرؤية هي التي تلفهم وتكفهم عن الإدراك للحق المبين .
أم ترى هؤلاء الشركاء الذين اتخذوهم من دون الله ، خلقوا مخلوقات كالتي خلقها الله . فتشابهت على القوم هذه المخلوقات وتلك ، فلم يدروا أيها من خلق الله وأيها من خلق الشركاء ? فهم معذورون إذن إن كان الأمر كذلك ، في اتخاذ الشركاء ، فلهم من صفات الله تلك القدرة على الخلق ، التي بها يستحق المعبود العبادة ؛ وبدونها لا تقوم شبهة في عدم استحقاقه !
وهو التهكم المر على القوم يرون كل شيء من خلق الله ، ويرون هذه الآلهة المدعاة لم تخلق شيئا ، وما هي بخالقة شيئا ، إنما هي مخلوقة . وبعد هذا كله يعبدونها ويدينون لها في غير شبهة . وذلك أسخف وأحط ما تصل العقول إلى دركه من التفكير . .
والتعقيب على هذا التهكم اللاذع ، حيث لا معارضة ولا جدال ، بعد هذا السؤال :
( قل : الله خالق كل شيء . وهو الواحد القهار ) . .
فهي الوحدانية في الخلق ، وهي الوحدانية في القهر - أقصى درجات السلطان - وهكذا تحاط قضية الشركاء في مطلعها بسجود من في السماوات والأرض وظلالهم طوعا وكرها لله ؛ وفي ختامها بالقهر الذي يخضع له كل شيء في الأرض أو في السماء . . وقد سبقته من قبل بروق ورعود وصواعق وتسبيح وتحميد عن خوف أو طمع . . فأين القلب الذي يصمد لهذا الهول ، إلا أن يكون أعمى مطموسا يعيش في الظلمات ، حتى يأخذه الهلاك ? !
وقبل أن نغادر هذا الوادي نشير إلى التقابلات الملحوظة في طريقة الأداء . بين ( خوفا وطمعا ) وبين البرق الخاطف والسحاب الثقال - و( الثقال ) هنا ، بعد إشارتها إلى الماء ، تشارك في صفة التقابل مع البرق الخفيف الخاطف - وبين تسبيح الرعد بحمده وتسبيح الملائكة من خيفته . وبين دعوة الحق ودعوة الجهد الضائع . وبين السماوات والأرض ، وسجود من فيهن طوعا وكرها . وبين الشخوص والظلال . وبين الغدو والآصال . وبين الأعمى والبصير . وبين الظلمات والنور . وبين الخالق القاهر والشركاء الذين لا يخلقون شيئا ، ولا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا . . . وهكذا يمضي السياق على نهجه في دقة ملحوظة ولألاء باهر وتنسيق عجيب .
{ قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار16 } .
16 { قل من رب السماوات والأرض قل الله . . . } .
بعد أن بين سبحانه أن كل من في السماوات والأرض ، خاضع لقدرته ، منقاد لإرادته بالغدو والآصال ، اتجه في هذه الآية إلى مناقشة المشركين عن طريق السؤال والجواب .
والمعنى : قل لهم يا محمد : من رب هذه الأجرام العظيمة التي ترونها ، فيبهركم ما فيها من دقة وكمال وجمال ؟ ! ، فإذا تأخروا في الجواب ؛ عنادا أو مكابرة ؛ فقل لهم : الذي خلقها وأنشأها وسواها على أتم وضع هو الله ، وهذا جواب يتفق عليه السائل والمجيب ، بدليل قوله تعالى : { ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله }( الزخرف : 87 ) .
{ قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا } .
أي : إذا علمتم أن خالق هذا الكون البديع هو الله ؛ فلم اتخذتم لأنفسكم من دون الله معبودات هي جمادات ، لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا ؟ ! فكيف تنفع غيرها أو تضر ؟ ! .
وإذا لم يكن لها القدرة على شيء من ذلك فعبادتها محض السفه ، الذي لا يرضاه لنفسه رشيد .
{ قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور } .
أي : توجه بالسؤال إليهم يا محمد ، وقل لهم : هل يستوي الأعمى الذي لا يبصر ، والبصير الذي يرى ويهدي الأعمى إلى سواء الطريق ؟ ! .
لا شك أنهما غير مستويين ؛ فكذلك المؤمن الذي يبصر الحق فيتبعه ، ويعرف الهدى فيسلكه ، لا يستوي هو والكافر ، الذي أعرض عن الحق .
{ أم هل تستوي الظلمات والنور } .
أي : هل يستوي ظلام الكفر ونور الإيمان .
{ أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم } .
ترى أن الآية تلاحق المشركين بهذه الأسئلة فلا يجدون مناصا من الإذعان ؛ وكأنها تأخذ بتلابيبهم في أسلوب تبكيتي تهكمي ، فتقول : هل خلقت هذه الأصنام مخلوقات كما خلق الله ، فتشابه الخلق على المشركين ، فلم يستطيعوا التمييز بين خلق الله وخلق آلهتهم ؟ ! فيكون لهم بعض العذر في عباده هذه الأصنام ، ولكن الأمر ليس كذلك ؛ لأنهم جعلوا لله شركاء عاجزين لا يقدرون على شيء ، ثم بين فذلكة لما تقدم ، ونتيجة لما سبق من الأدلة والأمثال التي ضربت لها فقال :
{ قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار } .
أي : قل لهم أيها الرسول الكريم : الله تعالى هو الخالق لكل شيء في هذا الكون ، وهو سبحانه الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، { القهار } . لكل ما سواه ، والغالب لكل من غالبه .
{ قل لله } جواب عن السؤال المتقدم ، وهو من رب السماوات والأرض ، وإنما جاء الجواب والسؤال من جهة واحدة ، لأنه أمر واضح لا يمكن جحده ولا المخالفة فيه ، ولذلك أقام به الحجة على المشركين بقوله : { أفاتخذتم من دونه أولياء } .
{ قل هل يستوي الأعمى والبصير } الأعمى تمثيل للكافر والبصير تمثيل للمؤمن . { الظلمات } الكفر .
{ والنور } الإيمان وذلك كله على وجه التشبيه والتمثيل .
{ أم جعلوا لله شركاء ، خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم } { أم } هنا بمعنى بل والهمزة ، و{ خلقوا } صفة لشركاء ، والمعنى أن الله وقفهم هل خلق شركاؤهم خلقا كخلق الله فحملهم ذلك واشتباهه بما خلق الله على أن جعلوا إلها غير الله ، ثم أبطل ذلك بقوله : { قل الله خالق كل شيء } فحصل الرد عليهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.