بينما مضى فريق ثالث يقول للآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر : ما فائدة ما تزاولونه مع هؤلاء العصاة ، وهم لا يرجعون عما هم آخذون فيه ؟ وقد كتب الله عليهم الهلاك والعذاب ؟
( وإذ قالت أمة منهم : لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً ؟ ) .
فلم تعد هناك جدوى من الوعظ لهم ، ولم تعد هناك جدوى لتحذيرهم . بعدما كتب الله عليهم الهلاك أو العذاب الشديد ؛ بما اقترفوه من انتهاك لحرمات الله .
( قالوا : معذرة إلى ربكم ، ولعلهم يتقون ) . .
فهو واجب لله نؤديه : واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والتخويف من انتهاك الحرمات ، لنبلغإلى الله عذرنا ، ويعلم أن قد أدينا واجبنا . ثم لعل النصح يؤثر في تلك القلوب العاصية فيثير فيها وجدان التقوى .
وهكذا انقسم سكان الحاضرة إلى ثلاث فرق . . أو ثلاث أمم . . فالأمة في التعريف الإسلامي هي مجموعة الناس التي تدين بعقيدة واحدة وتصور واحد وتدين لقيادة واحدة ، وليست كما هي في المفهوم الجاهلي القديم أو الحديث ، مجموعة الناس التي تسكن في إقليم واحد من الأرض وتحكمها دولة واحدة ! فهذا مفهوم لا يعرفه الإسلام ، إنما هي من مصطلحات الجاهلية القديمة أو الحديثة !
وقد انقسم سكان القرية الواحدة إلى ثلاث أمم : أمة عاصية محتالة . وأمة تقف في وجه المعصية والاحتيال وقفة إيجابية بالإنكار والتوجيه والنصيحة . وأمة تدع المنكر وأهله ، وتقف موقف الإنكار السلبي ولا تدفعه بعمل إيجابي . . وهي طرائق متعددة من التصور والحركة ، تجعل الفرق الثلاث أمماً ثلاثاً !
{ وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 164 ) فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كانوا يَفْسُقُونَ ( 165 ) فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ( 166 ) }
معذرة إلى ربكم : قال الأزهري : المعذرة بمعنى : الاعتذار ، وعدي بإلى متضمنة معنى : الإنهاء والإبلاغ .
{ 164 - وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا . . . . } الآية .
قال المفسرون : افترق أهل القرية ثلاث فرق ، فرقة صادت وأكلت ، وفرقة نهت وزجرت ، وفرقت أمسكت عن الصيد . اه ،
لقد امتحن الله أهل هذه القرية ، بظهور السمك كثيرا سمينا يوم السبت واختفائه أو قلته في الأيام الأخرى ، ثم وسوس الشيطان لجماعة منهم ، فاصطادوا السمك بالحيلة ، حيث تركوه يتقدم عند مد الماء ، وعملوا أحواضا لمنعه من العودة إلى البحر عند جزر الماء .
وعندئذ تصدى لهم العلماء المخلصون بالنصح والتحذير ، فقالت فئة ثالثة وقفت على الحياد واعتزلت الفريقين :
{ لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا } .
أي : أن الله قد قضى بإهلاكهم في الدنيا ؛ لتمردهم وعصيانهم ، وادخر لهم عذابا شديدا في الآخرة ؛ جزاء مخالفتهم لأمر الله وعدوانهم في السبت ؛ فهو يوم عبادة وتفرغ فاحتالوا على صيد السمك ، واستحقوا الهلاك أو العذاب .
{ قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون } .
أجاب الواعظون للمعترضين على الوعظ والتنبيه : أنا نعظهم لنبرئ أنفسنا من السكوت على المنكر ، ونعتذر إلى ربنا بأننا أدينا واجبنا في الإنكار عليهم ، ونحن لا نيأس من صلاحهم وعودتهم إلى الحق ، ولعلهم بهذا الإنذار يتقون ما هم فيه ويتركونه ، ويرجعون إلى الله تائبين ، فإذا تابوا تاب الله عليهم ورحمهم .
{ وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما } للآية : افترقت بنو إسرائيل ثلاث فرق : فرقة عصت يوم السبت بالصيد وفرقة نهت عن ذلك واعتزلت القوم وفرقة سكتت واعتزلت ، فلم تنه ولم تعص ، وأن هذه الفرقة لما رأت مهاجرة الناهية : وطغيان العاصية قالوا للفرقة الناهية : لم تعظون قوما يريد الله أن يهلكهم أو يعذبهم ، فقالت الناهية : تنهاهم معذرة إلى الله ولعلهم يتقون ، فهلكت الفرقة العاصية ، ونجت الناهية ، واختلف في الثالثة هل هلكت لسكوتها أو نجت لاعتزالها وتركها العصيان .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.