في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلۡفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةِ مُرۡدِفِينَ} (9)

ثم يمضي السياق في استحضار جو المعركة وملابساتها ومواقفها ، حيث يتجلى كيف كانت حالهم ، وكيف دبر الله لهم ، وكيف كان النصر كله وليد تدبير الله أصلاً . . . والتعبير القرآني الفريد يعيد تمثيل الموقف بمشاهده وحوادثه وانفعالاته وخفقاته ، ليعيشوه مرة أخرى ، ولكن في ضوء التوجيه القرآني ، فيروا أبعاده الحقيقية التي تتجاوز بدراً ، والجزيرة العربية ، والأرض كلها ؛ وتمتد عبر السماوات وتتناول الملأ الأعلى ؛ كما أنها تتجاوز يوم بدر ، وتاريخ الجزيرة العربية ، وتاريخ البشرية في الأرض ، وتمتد وراء الحياة الدنيا ، حيث الحساب الختامي في الآخرة والجزاء الأوفى ، وحيث تشعر العصبة المسلمة بقيمتها في ميزان الله ، وقيمة أقدارها وأعمالها وحركتها بهذا الدين ومقامها الأعلى : ( إذ تستغيثون ربكم ، فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين . وما جعله الله إلا بشرى ، ولتطمئن به قلوبكم ، وما النصر إلا من عند الله ، إن الله عزيز حكيم . إذ يغشيكم النعاس أمنة منه ، وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ، ويذهب عنكم رجز الشيطان ، وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام . إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا ، سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب ، فاضربوافوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان . ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ، ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب . ذلكم فذوقوه ، وأن للكافرين عذاب النار ) . .

إنها المعركة كلها تدار بأمر الله ومشيئته ، وتدبيره وقدره ؛ وتسير بجند الله وتوجيهه . . وهي شاخصة بحركاتها وخطراتها من خلال العبارة القرآنية المصورة المتحركة المحيية للمشهد الذي كان ، كأنه يكون الآن !

فأما قصة الاستغاثة فقد روى الإمام أحمد - بإسناده - عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : لما كان يوم بدر نظر النبي [ ص ] إلى أصحابه وهم ثلاث مائة ونيف ، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة . فاستقبل النبي [ ص ] القبلة ، وعليه رداؤه وإزاره ، ثم قال : " اللهم أنجز لي ما وعدتني . اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبداً " قال : فما زال يستغيث ربه ويدعوه ، حتى سقط رداؤه عن منكبيه ، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فردّاه ، ثم التزمه من ورائه ، ثم قال : يا نبي الله ، كفاك مناشدتك ربك ، فإنه سينجز لك ما وعدك ، فأنزل الله عز وجل : ( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ) . .

وتروى روايات كثيرة مفصلة عن الملائكة في يوم بدر : عددهم . وطريقة مشاركتهم في المعركة . وما كانوا يقولونه للمؤمنين مثبتين وما كانوا يقولونه للمشركين مخذلين . . . ونحن - على طريقتنا في الظلال - نكتفي في مثل هذا الشأن من عوالم الغيب بما يرد في النصوص المستيقنة من قرآن أو سنة . والنصوص القرآنية هنا فيها الكفاية : ( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أنِّي ممدكم بألف من الملائكة مردفين ) . . فهذا عددهم . . ( إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا ، سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ) . . فهذا عملهم . . ولا حاجة إلى التفصيل وراء هذا فإن فيه الكفاية . . وبحسبنا أن نعلم أن الله لم يترك العصبة المسلمة وحدها في ذلك اليوم ، وهي قلة والأعداء كثرة . وأن أمر هذه العصبة وأمر هذا الدين قد شارك فيه الملأ الأعلى مشاركة فعلية على النحو الذي يصفه الله - سبحانه - في كلماته . .

قال البخاري : باب شهود الملائكة بدراً : حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا جرير ، عن يحيى بن سعيد ، عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي ، عن أبيه - وكان أبوه من أهل بدر - قال : جاء جبريل إلى النبي [ ص ] فقال : ما تعدون أهل بدر فيكم ? قال : " من أفضل المسلمين " - أو كلمة نحوها - قال : " وكذلك من شهد بدراً من الملائكة " . . . [ انفرد بإخراجه البخاري ] . . .

( إذ تستغيثون ربكم ، فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ) .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلۡفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةِ مُرۡدِفِينَ} (9)

{ إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين( 9 ) وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم( 10 ) } :

المفردات :

تستغيثون : تطلبون الغوث والنصر على عدوكم ، والغوث : التخليص من الشدة .

فاستجاب : فأجاب دعاءكم .

مردفين : متبعين بعضهم بعضا ، مأخوذ من أردفه إذا أركبه وراءه .

التفسير :

9 – { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين } .

أي : اذكروا وقت استغاثتكم لربكم ، حين رأيتم أنه لا بد من قتال النفير .

قال أبو مسعود في تفسيره :

وذلك أنهم لما علموا أنه لا بد من القتال ، جعلوا يدعون الله تعالى قائلين : أي رب ، انصرنا على عدوك يا غياث المستغيثين أغثنا ؛ وعن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى المشركين وهم ألف ، وإلى أصحابه وهم ثلاثمائة وبضعة عشر ، فاستقبل القبلة ومد يديه يدعو : " اللهم ، انجز لي ما وعدتني ، اللهم ، إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض " . فما زال كذلك حتى سقط رداؤه ، فأخذ أبو بكر رضي الله عنه فألقاه على منكبيه والتزمه من ورائه ، وقال : يا نبي الله ، كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدكx .

إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين . .

اذكروا أيها المؤمنون – وقت أن كنتم – وأنتم على أبواب بدر تستغيثون ربكم وتطلبون منه الغوث والنصر على عدوكم ، الذي جاء بخيله ورجله ، فأجاب الله دعائكم واستغاثتكم ، وأخبر نبيكم – صلى الله عليه وسلم – بأني ممدكم بألف من الملائكة ، مردفين أي : متتابعين ، بعضهم إثر بعض ، أو إن الله تعالى جعلهم خلف المسلمين لتقويتهم وتثبيتهم .

وقد وردت استغاثة الرسول صلى الله عليه وسلم بالله يوم بدر في صحيح البخاري ومسلم وفي كتب السنن والسير .

جاء في تفسير المنار عن ابن اسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلانها وفخرها ، تجادل وتكذب رسولك ، اللهم فنصرك الذي وعدتني " .

كما روى سعيد بن منصور من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال : لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وتكاثرهم ، وإلى المسلمين فاستقلهم فركع ركعتين وقام أبو بكر عن يمينه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في صلاته : " اللهم لا تودّع مني ، اللهم لا تخذلني ، اللهم لا تترني – أي : لا تقطعني عن أهلي وأنصاري ، أو لا تنقصني شيئا من عطائك – اللهم أنشدك ما وعدتني " xi .

سؤال وجواب

إن قيل : أن هذه النصوص يؤخذ منها أن هذه الاستغاثة كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلماذا أسندها القرآن إلى المؤمنين ؟ فالجواب : أن المؤمنين كانوا يؤمنون على دعائه صلى الله عليه وسلم ، ويتأسون به في الدعاء فنسبت الاستغاثة إلى الجميع .

وإن قيل : إن الله تعالى ذكر هنا أنه أمدهم بألف من الملائكة وذكر في سورة آل عمران أنه أمدهم بأكثر من ذلك فكيف الجمع بينهما ؟

أجيب بالآتي :

1 – جاء في تفسير أبي السعود :

وقرئ بآلاف ليوافق ما في سورة آل عمران ، ووجه التوفيق بينه وبين المشهور : أن المراد بالألف الذين كانوا على المقدمة أو الساقة أو وجوههم وأعيانهم ، أو من قاتل منهم ، واختلف في مقاتلتهم وقد روى أخبار تدل على وقوعهاxii .

2 – جاء في سورة آل عمران في الآيات 123 – 125 .

أن الله أمد المؤمنين بثلاث آلاف ثم صار المدد بخمسة آلاف من الملائكة .

قال تعالى : { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون * إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين * بلى أن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين } .

و لا منافاة بين ما ورد في سورة الأنفال وما ورد في سورة آل عمران ، فقد كان المدد أولا بألف مردفين ، أي : يتبعهم ويردفهم ملائكة آخرون .

وقد بينت سورة آل عمران أن العدد كان بثلاثة آلاف ، ثم رفع إلى خمسة آلاف .

وذهب بعض المفسرين إلى أن المدد المذكور في سورة آل عمران كان متعلقا بغزوة أحد ، فلا إشكال بين ما ورد في السورتين .

قال الحافظ ابن كثر في التفسير : " واختلف المفسرون في هذا الموعد : هل كان يوم بدر أو يوم أحد على قولين : "

أحدهما : أن قوله تعالى : { إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة } . متعلق بقوله : { ولقد نصركم الله ببدر } . ( آل عمران : 123 ) .

وهذا قول الحسن والشعبي والربيع بن أنس وغيرهم .

فإن قيل فكيف الجمع بين هذه الآيات- التي في سورة آل عمران ، وبين قوله في سورة الأنفال : { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين }

فالجواب أن التنصيص على الألف هنا ، لا ينافي الثلاثة الآلاف فما فوقها لقوله تعالى : { مردفين } بمعنى : يردفهم غيرهم ويتبعهم ألوف أخر مثلهم ، قال الربيع بن أنس ، أمد الله المسلمين بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف ، ثم صاروا خمسة آلاف .

والقول الثاني : يرى أصحابه أن هذا الوعد وهو قوله تعالى : { إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة } . متعلق بقوله – قبل ذلك : { وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم } . ( آل عمران : 121 ) .

وذلك يوم أحد وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك وغيرهم .

لكن قالوا : لم يتم الإمداد بالخمسة الآلاف ؛ لأن المسلمين يومئذ فروا ، وزاد عكرمة : ولا بالثلاثة الآلاف ، لقوله : { بلى أن تصبروا وتتقوا } فلم يصبروا بل فروا فلم يمدوا بملك واحد .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلۡفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةِ مُرۡدِفِينَ} (9)

{ إذ تستغيثون ربكم } { إذ } بدل من { إذ يعدكم } ، وقيل : يتعلق بقوله : { ليحق الحق } أو بفعل مضمر واستغاثتهم دعاؤهم بالغوث والنصر .

{ ممدكم } أي : مكثركم .

{ مردفين } من قولك ردفه إذا تبعه ، وأردفته إياه إذا أتبعته إياه والمعنى : يتبع بعضهم بعضا ، فمن قرأه بفتح الدال فهو اسم مفعول ، ومن قرأه بالكسر فهو اسم فاعل ، وصح معنى القراءتين لأن الملائكة المنزلين يتبع بعضهم بعضا فمنهم تابعون ومتبوعون .