ولأن الانفعالات والحركات موصولة بالعقيدة في السياق ، فإنه يعقب على ذلك برجع الأمر كله لله الذي يعلم النوايا ، ويعلم ما وراء الأقوال والأفعال :
( ربكم أعلم بما في نفوسكم ، إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا ) .
وجاء هذا النص قبل أن يمضي في بقية التكاليف والواجبات والآداب ليرجع إليه كل قول وكل فعل ؛ وليفتح باب التوبة والرحمة لمن يخطيء أو يقصر ، ثم يرجع فيتوب من الخطأ والتقصير
وما دام القلب صالحا ، فإن باب المغفرة مفتوح . والأوابون هم الذين كلما أخطأوا عادوا إلى ربهم مستغفرين .
{ ربكم أعلم ما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفور 25 }
الأواب : الذي ديدنه الرجوع إلى الله والالتجاء إليه ، قال سعيد بن جبير : هو الرجل تكون منه البادرة إلى أبيه لا يريد بذلك إلا الخير .
25- { ربكم أعلم بما في نفوسكم . . . }
أي : بما في ضمائركم من الإخلاص وعدمه في كل الطاعات .
{ إن تكونوا صالحين } قاصدين الصلاح والبر إلى الوالدين دون العقوق ثم بدرت منكم بادرة في حقهما فأنبتم إلى الله واستغفرتم منها .
{ فإنه كان للأوابين غفورا } . أي : الثوابين الرجاعين إليه تعالى بالندم عما فرط منهم فإنه يغفر لهم ما اكتسبوا .
وفي هذا وعد لمن أضمر البر بهم ووعيد لمن تهاون بحقوقهم وعمل على عقوقهم .
والآية كأنها ترد على تساؤل في النفس فإذا قال قائل : كيف يكون بحقهما وقد تبدر بوادر .
فأجابت الآية بأن الأمر كله لله الذي يعلم النوايا ويعلم ما وراء الأقوال والأفعال .
فإذا كان الابن بارا ثم بدرت بادرة أو هفا هفوة بدون قصد الإساءة وأعقب ذلك بالدم والاستغفار ؛ فإن الله يغفر له ذنبه . يجوز- كما قال الزمخشري- أن يكون هذا عاما لكل من فرطت منه جناية ثم تاب منها ، ويندرج تحته الجاني على أبويه التائب من جنايته ؛ لأن الآية وردت في أعقاب الوصية بالوالدين .
وردت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ووصايا السلف الصالح تؤكد حق الوالدين وتأمر الأبناء برعايتهما والإحسان إليهما وتحمّل أخطائهما والبر بهما والتلطف في القول معهما ، فهذا نوع من رد الجميل ومن مقابلة الحسنة بمثلها .
( أ ) قال صلى الله عليه وسلم :
( عفوا ؛ تعف نساؤكم ، وبروا آباءكم تبركم أبناؤكم ){[366]} .
( بر أمك وأباك وأختك وأخاك ، ثم أدناك فأدناك ){[367]} .
وروى الإمام أحمد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
( رغم أنف رجل ؛ ذكرت عنده فلم يصل علي ، ورغم أنف ؛ رجل دخل عليه شهر رمضان فاسلخ فلمن يغفر له ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة ){[368]} .
( ب ) وقد أمر الدين بإكرام الوالدين في حياتهما وبعد وفاتهما وذلك بزيارة قبرهما والتصدق عليهما وصلة الرحم من أقاربهما وتنفيذ وصيتهما وفعل كل خير عنهما كالحج والصدقة وأداء دين عليها إلى غير ذلك من الأمور الخيرة وأفعال البر والمعروف .
سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، هل بقى على من بر أبوي شيء بعد موتهما أبرهما به . قال : ( نعم خصال أربع : الصلاة عليهما ، والاستغفار لهما ، وإنفاذ عهدهما ، وإكرام صديقهما ، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما ){[369]} .
( ج ) وقد وصى الدين بالأم وكرر الوصية بها وجعل برها مقدما على بر الأب ، قال تعالى : { ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير } . ( لقمان : 14 ) وروى الشيخان : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل : من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال : أمك . قال : ثم من ؟ قال : أمك . قال ثم من ؟ قال : أمك قال : ثم من ؟ قال : أبوك{[370]} .
وصى الدين الأب أن يرع ولده وأن يقوم على تربيته وتهذيبه ؛ فالولد أمانة وقد أمرنا بحفظ الأمانة ورعايتها .
قال تعالى : { وأْمر أهلك بالصلوات واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى } ( طه : 132 ) .
وقال سبحانه : { قوا أنفسكم وأهليكم نارا } ( التحريم : 6 ) .
وقال صلى الله عليه وسلم : ( اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم حتى في التمرة والكلمة الطيبة ){[371]} .
وقيل : ولدك ريحانتك تشمها سبعا وخادمك سبعا ، ثم هو عدوك أو شريك .
وقال صلى الله عليه وسلم : ( الغلام يعق عنه يوم السابع ويسمى ، ويماط عند الأذى فإذا بلغ ست عشرة سنة زوجه أبوه ثم أخذ بيده وقال : أدبتك وعلمتك وأنكحتك أعوذ بك من فتنتك في الدنيا وعذابك في الآخرة ){[372]} .
ورأى الأقرع بن حابس النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقبل ولده الحسن فقال : إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحدا منهم . فقال عليه السلام : ( إن من لا يَرحم لا يُرحم ){[373]} .
وقال يزيد بن معاوية : أرسل أبي إلي الأحنف بن قيس فلما وصل إليه قال له : يا أبا بحر ، ما تقول في الولد ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، ثمار قلوبنا ، وعماد ظهورنا ونحن لهم أرض ذليلة ، وسماء ظليلة ، وبهم نصول على كل جليلة فإن طلبوا فأعطهم ، وإن غضبوا فأرضهم ؛ يمنحوك ودهم ، ويحبوك جهدهم ولا تكن عليهم ثقلا ثقيلا فيملوا حياتك ويودوا وفاتك ويكرهوا قربك{[374]} .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
قال تعالى: {ربكم أعلم بما في نفوسكم}، يقول: هو أعلم بما في نفوسكم منكم من البر للوالدين عند كبرهما، فذلك قوله تعالى: {إن تكونوا صالحين}، يعني: محتسبين مما تعالجون منهما أو لا تحتسبون،
{فإنه كان للأوابين غفورا}، يعني: المتراجعين من الذنوب إلى طاعة الوالدين غفورا...
ابن جرير: حدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني مالك، عن يحيى ابن سعيد، عن سعيد بن المسيب {فإنه كان للأوابين غفورا} قال: هو العبد يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره رَبّكُمْ أيها الناس أعْلَمُ منكم بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ من تعظيمكم أمر آبائكم وأمهاتكم وتكرمتهم، والبرّ بهم، وما فيها من اعتقاد الاستخفاف بحقوقهم، والعقوق لهم، وغير ذلك من ضمائر صدوركم، لا يخفى عليه شيء من ذلك، وهو مجازيكم على حَسَن ذلك وسيّئه، فاحذروا أن تُضمروا لهم سوءا، وتعقِدوا لهم عقوقا. وقوله:"إنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ" يقول: إن أنتم أصلحتم نياتكم فيهم، وأطعتم الله فيما أمركم به من البرّ بهم، والقيام بحقوقهم عليكم، بعد هفوة كانت منكم، أو زلة في واجب لهم عليكم مع القيام بما ألزمكم في غير ذلك من فرائضه، فإنه كان للأوّابين بعد الزّلة، والتائبين بعد الهَفْوة غفورا لهم...
واختلف أهل التأويل، في تأويل قوله: "فإنّهُ كانَ للأَوّابِينَ غَفُورا"؛
وقال آخرون: هم المطيعون المحسنون... وأهل الصلاة...
وقال آخرون: بل هم الذين يصلون بين المغرب والعشاء...
وقال آخرون: هم الذين يصلّون الضّحَى...
وقال آخرون: بل هو الراجع من ذنبه، التائب منه... عن سعيد بن جبير في هذه الآية "فإنّهُ كانَ للأَوّابِينَ غَفُورا "قال: الراجعين إلى الخير...
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: الأوّاب: هو التائب من الذنب، الراجع من معصية الله إلى طاعته، ومما يكرهه إلى ما يرضاه، لأن الأوّاب إنما هو فعّال، من قول القائل: آب فلان من كذا إما من سفره إلى منزله، أو من حال إلى حال...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
ومعنى "بما في نفوسكم "أي بما تضمرونه وتخفونه عن غيركم، فالله أعلم به منكم، وفي ذلك غاية التهديد...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ} بما في ضمائركم من قصد البر إلى الوالدين واعتقاد ما يجب لهما من التوقير...
{إِن تَكُونُواْ صالحين} قاصدين الصلاح والبر، ثم فرطت منكم -في حال الغضب، وعند حرج الصدر وما لا يخلو منه البشر، أو لحمية الإسلام- هنة تؤدّي إلى أذاهما، ثم أنبتم إلى الله واستغفرتم منها، فإن الله غفور {لِلأَوَّابِينَ} للتوّابين... ويجوز أن يكون هذا عامّاً لكل من فرطت منه جناية ثم تاب منها، ويندرج تحته الجاني على أبويه التائب من جنايته، لوروده على أثره...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
وقوله {ربكم أعلم بما في نفوسكم} أي من اعتقاد الرحمة بهما والحنو عليهما أو من غير ذلك، ويجعلون ظاهر برهما رياء، ثم وعد في آخر الآية بالغفران مع شرط الصلاح والأوبة بعد الأوبة إلى طاعة الله... وقال ابن جبير: أراد بقوله غفوراً للأوابين الزلة والفلتة تكون من الرجل إلى أحد أبويه، وهو لم يصر عليها بقلبه ولا علمها الله من نفسه...
قال تعالى: {ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين} والمعنى أنا قد أمرناكم في هذه الآية بإخلاص العبادة لله تعالى وبالإحسان بالوالدين، ولا يخفى على الله ما تضمرونه في أنفسكم من الإخلاص في الطاعة وعدم الإخلاص فيها، فاعلموا أن الله تعالى مطلع على ما في نفوسكم بل هو أعلم بتلك الأحوال منكم بها، لأن علوم البشر قد يختلط بها السهو والنسيان وعدم الإحاطة بالكل، فأما علم الله فمنزه عن كل هذه الأحوال، وإذا كان الأمر كذلك كان عالما بكل ما في قلوبكم والمقصود منه التحذير عن ترك الإخلاص...
ثم قال تعالى: {إن تكونوا صالحين} أي إن كنتم برآء عن جهات الفساد في أحوال قلوبكم كنتم أوابين، أي رجاعين إلى الله منقطعين إليه في كل الأعمال وسنة الله وحكمه في الأوابين أنه غفور لهم يكفر عنهم سيآتهم... ولفظ الأواب على وزن فعال، وهو يفيد المداومة والكثرة...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما كان ذلك عسراً جداً حذر من التهاون به بقوله تعالى: {ربكم} أي المحسن إليكم في الحقيقة، فإنه هو الذي عطف عليكم من يربيكم وهو الذي أعانهم على ذلك {أعلم} أي منكم {بما في نفوسكم} من قصد البر بهما وغيره، فلا يظهر أحدكم غير ما يبطن، فإن ذلك لا ينفعه ولا ينجيه إلا أن يحمل نفسه على ما يكون سبباً لرحمتهما {إن تكونوا} أي كوناً هو جبلة لكم {صالحين} أي متقين أو محسنين في نفس الأمر؛ والصلاح: استقامة الفعل على ما يدعو إليه الدليل، وأشار إلى أنه لا يكون ذلك إلا بمعالجة النفس وترجيعها كرة بعد فرة بقوله تعالى: {فإنه كان للأوابين} أي الرجاعين إلى الخير مرة إثر مرة بعد جماع أنفسهم عنه {غفوراً} أي بالغ الستر، تنبيهاً لمن وقع منه تقصير، فرجع عنه على أنه مغفور...
تيسير التفسير لاطفيش 1332 هـ :
{رَبُّكُمْ أَعْلَمُ} منكم {بِمَا فِى نُفُوسِكُمْ} فقد تتوهمون أنكم بارون بالوالدين، وليس كذلك، بل قد قصرتم أو ملتم إلى كراهتهما، واستثقالهما، ولم تعالجوا أنفسكم عن ذلك، وما نفوسكم للبر إليهما أو الكراهة أو للعقوق، فيجازى كلا على حسبه... والآية وعد للموفي بحقهما، ووعيد وتهديد لمن قصر أو اضمر لهما ما يكرهان... {إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ} بارين بالوالدين، موفين في دين الله عز وجل، أو صالحين مطيعين لله عز وجل، في حق الوالدين وغيره، أو صالحين في قصد الخير لهما، والوفاء بالدين فلا يضركم ما صدر في بعض الأحيان مما يسوءهما لقصدكم الخير والتوبة... وهذا في عموم قوله تعالى: {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ} من الذنوب عمومًا...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
ولأن الانفعالات والحركات موصولة بالعقيدة في السياق، فإنه يعقب على ذلك برجع الأمر كله لله الذي يعلم النوايا، ويعلم ما وراء الأقوال والأفعال وما دام القلب صالحا، فإن باب المغفرة مفتوح. والأوابون هم الذين كلما أخطأوا عادوا إلى ربهم مستغفرين.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
والتقدير إن تكونوا صالحين أوابين إلى الله فإنه كان للصالحين محسناً وللأوابين غفوراً. وهذا يعم المخاطبين وغيرهم.. وهذا الأوْب يكون مطرداً، ويكون معرضاً للتقصير والتفريط، فيقتضي طلب الإقلاع عما يخرمه بالرجوع إلى الحالة المرضية، وكل ذلك أوْب وصاحبه آيِب، فصيغ له مثال المبالغة (أواب) لصلوحية المبالغة لقوة كيفية الوصف وقوة كميته. فالملازم للامتثال في سائر الأحوال المراقب لنفسه أواب لشدة محافظته على الأوبة إلى الله، والمغلوب بالتفريط يؤوب كلما راجع نفسه وذكر ربه، فهو أواب لكثرة رجوعه إلى أمر ربه، وكل من الصالحين...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
{ربكم أعلم بما في نفوسكم} وأفعل التفضيل ليس على بابه؛ لأنه لا مفاضلة بين علمه سبحانه وعلم غيره، فلا يعلم خفى النفوس إلا خالقها الرقيب على كل شيء، العالم بكل شيء، وإنما المراد من أفعل التفضيل أنه سبحانه عالم بالنفوس علما لا يصل إليه علم قط... وصدر الكلام بقوله: {ربكم} للدلالة على علمه الدقيق؛ لأنه هو الذي خلق وأبدع، وربى ونمى، {إن تكونوا صالحين} إن تكونوا في ذات أنفسكم صالحين بقلوبكم وأنفسكم، فإن الله كان للأوابين غفورا، والصالح هو المستقيم النفس، المملوءة نفسه بالإخلاص، والطاهر القلب، فالاستقامة هي الصلاح كله والاستقامة تقتضي النية المخلصة والنفس النيرة... وقد وصف الله تعالى ذاته الكريمة، فقال: {فإنه كان للأوابين غفورا} وقد أكد ذلك سبحانه بإن وبكان، وبصيغة المبالغة...