في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَرَفَعۡنَا فَوۡقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَٰقِهِمۡ وَقُلۡنَا لَهُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُلۡنَا لَهُمۡ لَا تَعۡدُواْ فِي ٱلسَّبۡتِ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا} (154)

148

( ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم . وقلنا لهم : ادخلوا الباب سجدا . وقلنا لهم : لا تعدوا في السبت . وأخذنا منهم ميثاقا غليظًا )

ولكن اليهود الذين لا تستشعر قلوبهم الإيمان أبوا الاستسلام لما في الألواح . . وهنا جاءهم القهر المادي الذي يناسب طبيعتهم الغليظة . إذ نظروا فرأوا الصخرة معلقة فوق رؤوسهم ؛ تهددهم بالوقوع عليهم ؛ إذا هم لم يستسلموا ولم يتعهدوا بأخذ ما أعطاهم الله من العهد ؛ وما كتب عليهم من التكاليف في الألواح . . عندئذ فقط استسلموا ؛ وأخذوا العهد ؛ وأعطوا الميثاق . . ميثاقا غليظا . . مؤكدا وثيقا . . يذكره - بهذه الصفة - ليتناسق المشهد مع غلظ الصخر المرفوع فوقهم ، وغلظ القلب الذي في صدورهم ، ثم يعطي - إلى جانب التناسق معنى الجسامة والوثاقة والمتانة على طريقة القرآن الكريم في التعبير بالتصوير ، وبالتخييل الحسي والتجسيم .

وكان في هذا الميثاق : أن يدخلوا بيت المقدس سجدا . وأن يعظموا السبت الذي طلبوا أن يكون لهم عيدا .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَرَفَعۡنَا فَوۡقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَٰقِهِمۡ وَقُلۡنَا لَهُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُلۡنَا لَهُمۡ لَا تَعۡدُواْ فِي ٱلسَّبۡتِ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا} (154)

المفردات :

الطور : الجبل المعروف .

بميثاقهم : بعهدهم .

ادخلوا الباب : المراد به باب المدينة التي أمروا بدخولها .

سجدا : خاضعين .

لا تعدوا في السبت : لا تظلموا فيه أنفسكم ، بصيد الحيتان التي حرم عليكم صيدها فيه .

ميثاقا غليظا : عهدا وثيقا مؤكدا .

التفسير :

154- وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا .

تشير الآية إلى جانب من عناد اليهود وقسوة قلوبهم ، فقد جاءهم موسى بألواح التوراة ، فاستثقلوا العمل بما جاء فيها من التكاليف ، ولم يأخذوها بعزم وقوة ، بل بتثاقل وتراخ وعدم اقتناع ، لأن قلوبهم لا تزال مشدودة إلى عبادة العجل ، فلذا رفع الله فوقهم الجبل تهديدا لهم ، ليقبلوا العمل بالتوراة ، ويأخذوها بقوة وعزم ويعطوا الميثاق والعهد على ذلك .

قال تعالى : وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( الأعراف : 171 ) .

وهكذا كان شأن اليهود : عصيان لما يؤمرون به وعقاب أو تهديدا بعقاب من الله ، حتى يستقيموا على الجادة .

والمعنى : ورفعنا فوقهم الطور بسبب ميثاقهم ليعطوه ويتعهدوا بالعمل بالتوراة .

قال ابن كثير : ( وذلك أنهم حين امتنعوا عن الالتزام بأحكام التوراة وظهر منهم إباء عما جاء به موسى- عليه السلام- رفع الله على رءوسهم جبلا ثم ألزموا فالتزموا ، وسجدوا ، وجعلوا ينظرون إلى ما فوق رءوسهم خشية أن يسقط عليهم ) . وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا . أي : وقلنا لهم على لسان أنبيائهم : ادخلوا باب القرية التي أمرناكم بدخولها ساجدين لله ، أي : ادخلوها متواضعين خاضعين لله ، شاكرين فضله وكرمه ، ولكنهم خالفوا ما امرهم الله به مخالفة تامة .

واختلف في هذا الباب الذي أمروا بدخوله سجدا ، فقيل : هو باب بيت المقدس . روى ابن المنذر وغيره عن قتادة : كنا نتحدث أنه باب من أبواب بيت المقدس .

وقيل : باب إيلياء .

وقيل : باب أريحاء .

وقد أمروا أن يسألوه تعالى أن يحط عنهم ذنوبهم فيقولوا حطة .

قال تعالى في الآيتين 58-59 من سورة البقرة :

وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ، فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ .

ولكن بني إسرائيل لما دخلوا منتصرين ، تنكروا لما أمرهم الله به من الخضوع والخشوع لله سبحانه . بل سخروا بالخشوع والاستغفار واستبدلوا بهما عملا ماجنا ، وقولا هازئا .

روى البخاري في تفسير سورة البقرة عن أبي هريرة أن النبي صلى قال :

" قبل لبني إسرائيل : ادخلوا الباب سجدا وقولوا : حطة ؛ دخلوا يزحفون على أستاههم ، وقالوا : حنطة ؛ حبة في شعرة " {[147]}

وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ . أي : وقلنا لهم كذلك لا تعتدوا في السبت ولا تتجاوزوا الحدود التي أمركم الله بالتزامها في يوم السبت ، والتي منها ألا تصطادوا في هذا اليوم ، ولكنهم خالفوا أمر الله وتحايلوا على استحلال محارمه .

وقد تحدث القرآن عن عدوان اليهود في السبت في كثير من آيات القرآن الكريم قال تعالى :

وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ، فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ . ( البقرة : 65-66 ) .

وقال سبحانه : واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ( الأعراف : 163 ) .

وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا . أي : وأخذنا منهم عهدا مؤكدا كل التأكيد وموثقا كل التوثيق ، بأن يعملوا بما أمرهم الله به ، ويتركوا ما نهاهم عنه .

ويجوز أن يكون المراد بالميثاق الغليظ هنا ، هو ما أخذه الله منهم بعد رفع الجبل فوقهم كأنه ظلة . تهديدا لهم ؛ فقد أعطوا موسى عليه السلام عهدا بالعمل بالتوراة ، ولكنهم نقضوا عهودهم . كما تجده في الآية الآتية .


[147]:قيل لنبي إسرائيل ادخلوا الباب سجدا: رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء (3403) وفي التفسير (4641،4479) ومسلم في التفسير (3015) والترمذي في التفسير (9996) وأحمد (27449) من حديث أبي هريرة.
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَرَفَعۡنَا فَوۡقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَٰقِهِمۡ وَقُلۡنَا لَهُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُلۡنَا لَهُمۡ لَا تَعۡدُواْ فِي ٱلسَّبۡتِ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا} (154)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ورفعنا فوقهم الطور}: الجبل فوق رءوسهم، رفعه جبريل، عليه السلام، وكانوا في أصل الجبل، فرفع الطور فوق رءوسهم، {بميثاقهم}، لأن يقروا بما في التوراة، {وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا}: باب حطة، {وقلنا لهم لا تعدوا في السبت}: لا تعدوا في أخذ الحيتان يوم السبت،

{وأخذنا منهم ميثاقا غليظا}: شديدا، والميثاق إقرارهم بما عهد الله عز وجل في التوراة.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

"وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطّورَ" يعني: الجبل، وذلك لما أمتنعوا من العمل بما فِي التوراة، وقبول ما جاءهم به موسى فيها. "بِمِيثاقِهِمْ": بما أعطوا الله الميثاق والعهد: لنعملنّ بما في التوراة. "وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجّدا": باب حطة، حين أُمروا أن يدخلوا منه سجودا، فدخلوا يزحفون على أستاههم. "وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السّبْتِ": لا تتجاوزوا في يوم السبت ما أبيح لكم إلى ما لم يبح لكم... أمر القوم أن لا يأكلوا الحيتان يوم السبت ولا يعرضوا لها، وأحلّ لهم ما وراء ذلك.

"وأخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقا غَلِيظا": عهدا مؤكدا شديدا، بأنهم يعملون بما أمرهم الله به وينتهون عما نهاهم الله عنه مما ذكره في هذه الآية ومما في التوراة...

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

{وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُوا فِي السَّبْتِ} قرأ ورش عن نافع {تَعَدوا} بفتح العين وتشديد الدال، من الاعتداء، وقرأ الباقون بالتخفيف من عَدَوت. وعدوهم فيه تجاوزهم حقوقه، فيكون تعديهم فيه -على تأويل القراءة الثانية- ترك واجباته.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما بيَّن هذا من عظمته أتبعه أمراً آخر أعظم منه فقال: {ورفعنا} أي بعظمتنا؛ ولما كان قد ملأ جهة الفوق بأن وارى جميع أبدانهم ولم يسلم أحد منهم من ذلك؛ نزع الجار فقال: {فوقهم الطور} أي الجبل العظيم، ثم ذكر سبب رفعه فقال: {بميثاقهم} أي حتى التزموه وأذعنوا له وقبلوه.

ولما ذكر الميثاق على هذا الوجه العجيب أتبعه ما نقضوا فيه على سهولته دليلاً على سوء طباعهم فقال: {وقلنا لهم} أي بما تكرر لهم من رؤية عظمتنا {ادخلوا الباب} أي الذي لبيت المقدس {سجداً} أي فنقضوا ذلك العهد الوثيق وبدلوا {وقلنا لهم} أي على لسان موسى عليه الصلاة والسلام في كثير من التوراة {لا تعدوا} أي لا تتجاوزوا ما حددناه لكم {في السبت} أي لا تعملوا فيه عملاً من الأعمال -تسمية للشيء باسم سببه سمي عدواً لأن العالم للشيء يكون لشدة إقباله عليه كأنه يعدو {وأخذنا منهم} أي في جميع ذلك {ميثاقاً غليظاً} وإنما جزمت بأن المراد بهذا- والله تعالى أعلم -على لسان موسى عليه الصلاة والسلام، لأنه تعالى كرر التأكيد عليهم في التوراة في حفظ السبت، وأوصاهم به، وعهد إليهم فيه ما قل أن عهده في شيء من الفروع غيره...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم} أي بسبب ميثاقهم ليأخذوا ما أنزل إليهم بقوة ويعملوا به مخلصين. وقد تقدم هذا أيضا في الجزء الأول في تفسير قوله تعالى: {وإذا أخذنا ميثاقهم ورفعنا فوقكم الطور} [البقرة: 63] ومنه أن الظاهر أن هذا كان آية من الآيات الكونية لكنه ليس نصا قاطعا فيه بدليل آية الأعراف فراجعه.

{وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا} أي ادخلوا باب القرية أي المدينة خاضعين لله أو مطامني الرؤوس مائلي الأعناق ذلة وانكسارا لعظمة الله كما يقال سجد البعير إذا طأمن رأسه لراكبه، وتقول العرب شجرة ساجدة للرياح إذا كانت مائلة، والسفينة تسجد للرياح أي تطيعها، ذكر ذلك كله في الأساس. قيل تلك القرية بيت القدس وقبل أريحا وقيل غير ذلك وتقدم في الجزء الأول أن المختار السكوت عن تعيينها كما سكت الكتاب العزيز.

{وقلنا لهم لا تعدوا في السبت} أي لا تتجاوزا حدود الله فيه بالعمل الدنيوي-وقد بين لنا تعالى في سورة البقرة أن بعضهم اعتدى في السبت، وجاء سورة الأعراف بيان اعتدائهم في السبت بصيد السمك وأن بعضهم انكروا على المعتدين وبعضهم سكتوا، فهم قد خالفوا في السبت وخالفوا في دخول الباب سجدا فلا تستغرب بعد هذا مشاغبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم ومعاندتهم.

{وأخذنا منهم ميثاقا غليظا} أي عهدا مؤكدا ليأخذن التوراة بقوة وجد وليعملن بها وليقيمن حدود الله فيها ولا يعتدونها. وقد أخذ الله على بني إسرائيل عدة مواثيق والظاهر أن المراد بهذا الميثاق الغليظ ما ذكرناه من العمل بالتوراة كلهم بقوة واجتهاد. وما يتبع ذلك من البشارة بعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ولكن اليهود الذين لا تستشعر قلوبهم الإيمان أبوا الاستسلام لما في الألواح.. وهنا جاءهم القهر المادي الذي يناسب طبيعتهم الغليظة. إذ نظروا فرأوا الصخرة معلقة فوق رؤوسهم؛ تهددهم بالوقوع عليهم؛ إذا هم لم يستسلموا ولم يتعهدوا بأخذ ما أعطاهم الله من العهد؛ وما كتب عليهم من التكاليف في الألواح.. عندئذ فقط استسلموا؛ وأخذوا العهد؛ وأعطوا الميثاق.. ميثاقا غليظا.. مؤكدا وثيقا.. يذكره -بهذه الصفة- ليتناسق المشهد مع غلظ الصخر المرفوع فوقهم، وغلظ القلب الذي في صدورهم، ثم يعطي -إلى جانب التناسق معنى الجسامة والوثاقة والمتانة على طريقة القرآن الكريم في التعبير بالتصوير، وبالتخييل الحسي والتجسيم.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

{ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم} هؤلاء اليهود في ماضيهم، لا يتجهون إلى الحق اتجاه المؤمن المذعن، ولكن يحملون عليه حمل الملجأ، فلا تنتظروا أيها المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم ورسالته أنهم يستجيبون له، لأن ذلك لم يكن من طبعهم فهم في ماضيهم لم ينفذوا التوراة ولم يذعنوا ويأخذوا على أنفسهم ميثاقا بتنفيذ أحكامها إلا بعد أن هددوا تهديدا حسيا بأن العذاب واقع بهم لا محالة حسا ونظرا، فقد رفع الله تعالى فوقهم الطور، ليقدموا عهدا بالطاعة. فمعنى قوله تعالى: {ورفعنا فوقهم الطور} أي بسبب الميثاق الذي يحملون عليه حملا، وهو ميثاقهم الذي كان يجب تقديمه طوعا واختيارا فالميثاق أخذ بعد الرفع، وإلى هذا يومئ قوله تعالى في آية أخرى: {وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون (171)} (الأعراف).

فالميثاق هو أحكام التوراة، وحملهم على الخضوع المطلق لله تعالى، وطاعته فيما يأمرهم به من غير تمرد ولا عصيان، وقد صرح سبحانه بأنه أمرهم بما فيه خضوع تعبدي، لكن يتعودوا الطاعة، فذكر سبحانه وتعالى أمرين هما:

{وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا تعدوا في السبت} ادخلوا باب المدينة مطأطئي رؤوسكم بهيئة الساجدين أمارة الخضوع حسا، وهو دليل على الخضوع معنى بالإذعان لأوامر الله تعالى، وفي الآية تصريح بالطاعة المطلقة الذي يتضمنه الأمر بالدخول سجدا مطأطئي الرؤوس فقد قال تعالى في سورة البقرة: {وإذا قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة... (58)} (البقرة).

ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا، وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة أي خاضعين قد ذهب عنا الكبرياء.

والمدينة أو القرية قيل هي بيت المقدس وقيل غيرها وقد أبهمها الله، ولم يوجد من السنة الصحيحة ما يبينها، فلنترك أمرها، ولا ينقص ذلك الهدف من سياق هذه القصة، وهي أنهم أمروا بالطاعة المطلقة.

والأمر الثاني الذي أمروا ذكره الله تعالى بقوله {وقلنا لهم لا تعدوا في السبت} أي لا تتجاوزوا الحدود التي أمركم بالتزامها يوم السبت، وهي ألا تصطادوا الحيتان في ذلك اليوم، وتكرر قوله تعالى {وقلنا} لبيان تأكيد الأمر ونسبته إليه سبحانه وتعالى: وقد اختبرهم سبحانه وتعالى اختبارا، فقد كانت الحيتان تأتيهم يوم السبت واضحا، وتختفي في غيره، كما قال تعالى: {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون (163)} (الأعراف).

{وأخذنا منهم ميثاقا غليظا} أخذ الله سبحانه وتعالى عهدا موثقا كامل التوثيق شديدا في قوته وفي موضوعه وأضاف سبحانه وتعالى الأخذ إلى ذاته العلية تقوية له، وتأكيدا فإن ذا الجلال والإكرام العليم الخبير هو الذي أخذه، وهو الذي يتولى أمرهم إن نكثوا في أيمانهم وأنه سيأخذهم أخذ عزيز مقتدر.

وغلظ الميثاق كما أشرنا في قوة توثيقه، فقد أخذه بعد أن رفع الجبل عليهم كأنه ظلة، وأمرهم بالطاعة المطلقة، وشدته في موضوعه، فقد كلفهم تكليفات شديدة، لإفراطهم في الفساد، فكان السبيل لفطم نفوسهم عن الشهوات وتربيتها، على الضبط والعمل الصالح أن ينص على تحريم أمور كثيرة ذلك أن النفس التقية تمتنع من ذاتها كثيرا من غير أوامر أو تكليف. أما النفوس المنحرفة فتحتاج إلى النص على تحريم الكثير مما يفعلونه من غير أن ينالهم تهذيب شخصي من الضمير والوجدان وقد أشار سبحانه إلى ذلك بقوله تعالى: {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون (146)} (الأنعام).

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

لكن اليهود بسبب ما انطوت عليه سريرتهم من شرّ لم يستيقظوا من غفلتهم، ولم يخرجوا من ضلالتهم، ولم يتخلوا عن صلفهم وغرورهم، فرفع الله جبل الطور لينزله على رؤوسهم، حتى أخذ منهم العهد والميثاق وأمرهم أن يدخلوا خاضعين خاشعين من باب بيت المقدس دليلا على توبتهم وندمهم، وأكّد عليهم أن يكفوا عن أي عمل في أيّام السبت، وأن لا يسلكوا سبيل العدوان، وأن لا يأكلوا السمك الذي حرم صيده عليهم في ذلك اليوم، وفوق كل ذلك أخذ الله منهم ميثاقاً غليظاً مؤكّداً، ولكنّهم لم يثبتوا مطلقاً وفاءهم لأي من هذه المواثيق والعهود يقول القرآن الكريم في هذا المجال: (ورفعنا فوقهم الطّور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجداً وقلنا لهم لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً).

فهل يصح أن تكون هذه المجموعة مع ما تمتلكه من سوابق سيئة وتاريخ أسود صادقة مع النّبي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما طلبته منه وإِن كان هؤلاء صادقين، لماذا إِذن لم يلتزموا بما نزل عليهم صريحاً في كتابهم السماوي وحول العلامات الخاصّة بخاتم النّبيين؟ ولماذا أصروا على تجاهل كل ما أتى به النّبي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) من براهين وأدلة واضحة بيّنة؟

وهنا تجدر الإِشارة إِلى أمرين، وهما:

أوّلا: لو اعترض معترض فقال: إن تلك الأعمال كانت خاصّة باليهود السابقين، فما صلتها باليهود في زمن النّبي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)؟

فنقول: إنّ اليهود في زمن النّبي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يبدوا اعتراضاً واستنكاراً ـ أبداً ـ لأعمال أسلافهم السابقين، بل كانوا يظهرون الرضى عن تلك الأعمال.

أمّا الأمر الثّاني: فيخصّ مسألة نزول التوراة دفعة واحدة، حيث قلنا في سبب نزول الآيتين الأخيرتين: «إِنّ اليهود كانوا يزعمون نزول هذا الكتاب السماوي دفعة واحدة، في حين أنّ هذا الأمر لا يعتبر من الأُمور المؤكّدة، ولعل الشيء الذي أدى إِلى حصول هذا الوهم هو الوصايا العشرة التي نزلت في الألواح دفعة واحدة على النّبي موسى (عليه السلام)، بينما لا يوجد لدينا دليل على نزول بقية أحكام التوراة دفعة واحدة.