اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{وَرَفَعۡنَا فَوۡقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَٰقِهِمۡ وَقُلۡنَا لَهُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُلۡنَا لَهُمۡ لَا تَعۡدُواْ فِي ٱلسَّبۡتِ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا} (154)

قوله : { وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ } [ في " فوقهم " : وجهان : أظهرهما أنه متعلق ب " رَفَعْنا " ، وأجاز أبو البقاء{[10245]} وجهاً ثانياً وهو أن يكونَ متعلقاً بمحذوفٍ لأنه حالٌ من الطور . و " بميثاقهم " متعلقٌ أيضاً بالرفع ، والباءُ للسببية ، قالوا : وفي الكلامِ حذفُ مضافٍ تقديرُه : بنقض ميثاقهم ] .

[ و ] قال بَعْضُ المفَسِّرين{[10246]} : إنهم امْتَنَعُوا من قُبُول شَرِيعَة التَّوْرَاةِ ، ورفع الله الجَبَل فَوْقَهُم حَتَّى قَبِلُوا ، والمعنَى : ورفَعْنَا فَوْقَهُم الطُّورَ ؛ لأجْلِ أن يُعْطُوا المِيثَاقَ بقُبُول الدِّين .

وقال الزمخشريُّ : " بِمِيثَاقِهِمْ : بسبب ميثاقهم ؛ ليخافوا فلا ينقضُوه " وظاهر هذه العبارة : أنه لا يُحْتَاجُ إلى حذْفِ مضاف ، بَلْ أقول : لا يجُوزُ تقدير هذا المضافِ ؛ لأنه يقتضي أنهم نقضوا الميثاق ، فرَفَعَ اللَّهُ الطُّورَ عليهم ؛ عقوبةً على فعلِهِمُ النقضَ ، والقصةُ تقتضي أنَّهم هَمُّوا بنقضِ الميثاق ، فرفعَ اللَّهُ عليهم الطُور ، فخافُوا فلم يَنْقُضُوهُ ، [ وإن كانوا قد نَقَضُوه ] بعد ذلك ، وقد صَرَّحَ أبو البقاء{[10247]} بأنهم نقضوا الميثاقَ ، وأنه تعالى رفع الطُّور عقوبةً لهم فقال : " تقديرُه : بنَقْضِ ميثاقِهِمْ ، والمعنى : ورَفَعْنَا فوقَهُمُ الطُّور ؛ تخْويفاً لَهُمْ بسبب نقْضِهِم الميثاق " ، وفيه ذلك النظرُ المتقدِّم ، ولقائلٍ أن يقول : لمَّا هَمُّوا بنقْضه وقاربوه ، صحَّ أن يقال : رَفَعْنَا الطُّورَ فوقهم ؛ لنقضهم الميثاق ، أي : لمقاربتهم نقضَهُ ، لأنَّ ما قارب الشيء أعْطِيَ حكمَه ؛ فتصِحُّ عبارةُ مَنْ قدَّر مضافاً ؛ كأبي البقاء وغيره .

وقال بَعْضُ المُفَسِّرين{[10248]} : إنَّهُم أعْطوا المِيثَاقَ على أنهم إن هَمُّوا بالرُّجُوع عن الدِّينِ ، فاللَّهُ - تعالى - يُعَذِّبهم بأيِّ أنْواعِ العذابِ ، أراد : فَلَمَّا هَمُّوا بَتَرْكِ الدِّينِ ، أظَلَّ اللَّهُ الطُّورَ عَلَيْهِم . والميثاق مصدر مضاف لمفعوله ، وقد تقدَّم في البقرة الكلام على قوله { ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً } ، و " سُجَّداً " حالٌ من فاعل " ادْخُلُوا " .

قوله : " لاَ تَعْدُوا " قرأ الجمهور : " تَعْدُوا " بسكون العين ، وتخفيف الدال مِنْ عَدَا يَعْدُو ، كَغَزَا يَغْزُو ، والأصل : " تَعْدُوُوا " بواوين : الأولى لام الكلمة والثانية ضمير الفاعلين ، فاستثقلتِ الضمة على لام الكلمة ، فحُذِفَتْ ، فالتقى بِحَذْفِها ساكنان ، فحُذِفَ الأوَّل ، وهو الواو الأولى ، وبقيتْ واو الفاعلين ، فوزنه : تَفْعُوا ومعناه : لا تعْتَدُوا ولا تَظْلِمُوا باصْطِيَاد الحِيتانِ فيه .

قال الوَاحِدِي{[10249]} : يُقال : عَدَا عليه أشَدَّ العَدَاءِ [ والعَدْو ]{[10250]} والعُدْوَان ، أي : ظَلَمَه ، وجَاوَز الحَدَّ ؛ ومنه قوله : { فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ } [ الأنعام : 108 ] وقيل : { لاَ تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ } من العَدْوِ بمعْنَى الحُضْرِ ، والمُرَادُ به النَّهْي عن العَمَل والكَسْبِ يَوْم السَّبْتِ ؛ كأنه قِيل : اسْكُنُوا{[10251]} عَنِ العَمَلِ في هَذَا اليَوْم واقْعُدوا في مَنَازِلِكُم [ فأنا الرَزَّاق ] . وقرأ نافع{[10252]} بفتح العين وتشديد الدال ، إلا أن الرواة اختلفوا عن قالون عن نافع : فرَوَوْا عنه تارةً بسكون العين سكوناً محضاً ، وتارةً إخفاء فتحة العين ، فأما قراءة نافع ، فأصلها : تَعْتَدُوا ، ويدلُّ على ذلك إجماعُهُمْ على : { اعْتَدَوْاْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ } [ البقرة : 65 ] كونه من الاعتداء ، وهو افتعالٌ من العدوان ، فأُريد إدغامُ تاء الافتعال في الدالِ ، فنُقِلتْ حركتُها إلى العين ، وقُلبت دالاً وأدغمت . وهذه قراءةٌ واضحةٌ ، وأما ما يُروَى عن قالون من السكُون المحْضِ ، فشيءٌ لا يراه النحْويُّون ؛ لأنه جَمْعٌ بين ساكنينِ على غير حَدِّهما ، وأمَّا الاختلاسُ فهو قريب للإتيان بحركة ما ، وإن كانت خفيَّةً ، إلا أنَّ الفتحة ضعيفةٌ في نَفْسِهَا ، فلا ينبغي أن تُخْفَى لِتُزادَ ضعفاً ؛ ولذلك لم يُجز القراءُ رَوْمَهَا وقْفاً لضعفِها ، وقرأ{[10253]} الأعمش : " تَعْتَدُوا " بالأصل الذي أدغَمُه نافع .

ثم قال { وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً } قال القفال{[10254]} : المِيثَاقُ الغَلِيظُ : هو العَهْدُ المؤكَّدُ غَايَة التَّوْكِيدِ .


[10245]:ينظر: الإملاء 1/200.
[10246]:ينظر: تفسير الرازي 11/76.
[10247]:ينظر: الإملاء 1/200.
[10248]:ينظر: تفسير الرازي 11/76.
[10249]:ينظر: تفسير الرازي 11/76.
[10250]:سقط في ب.
[10251]:في ب: اسكتوا.
[10252]:ينظر: السبعة 240، والحجة 3/190، وحجة القراءات 218، والعنوان 86، وإعراب القراءات 1/139، وشرح الطيبة 4/221، 222، وشرح شعلة 346، وإتحاف 1/524.
[10253]:وقرأ بها الحسن كما في المحرر الوجيز 2/132، وقرأ بها الأخفش كما في البحر 3/403، وينظر: الدر المصون 2/455.
[10254]:ينظر: تفسير الرازي 11/77.