ثم يتكرر النداء إلى ( بني آدم ) في هذه الوقفة كذلك ؛ قبل أن يتابع السياق الرحلة المديدة ؛ في الطريق المرسوم :
( يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ، وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ، إنه لا يحب المسرفين . قل : من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ؟ قل : هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا ، خالصة يوم القيامة . كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون . قل : إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ؛ والإثم والبغي بغير الحق ، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً ، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) . .
إنه التوكيد بعد التوكيد على الحقائق الأساسية للعقيدة ، في مواجهة ما عليه المشركون العرب في الجاهلية ؛ وذلك في سياق النداء إلى بني آدم كافة ، وفي مواجهة قصة البشرية الكبرى . .
وأظهر هذه الحقائق هو الربط بين ما يحرمونه من الطيبات التي أخرجها الله لعباده دون إذن منه ولا شرع ؛ وبين الشرك الذي هو الوصف المباشر لمن يزاول هذا التحريم ، ويقول على الله ما لا يعلم ، ويزعم من ذلك ما يزعم .
إنه يناديهم أن يأخذوا زينتهم من اللباس الذي أنزله الله عليهم . وهو الرياش . عند كل عبادة ؛ ومنها الطواف الذي يزاولونه عرايا ، ويحرمون اللباس الذي لم يحرمه الله ، بل أنعم به على العباد . فأولى أن يعبدوه بطاعته فيما أنزل لهم ، لا بخلعه ولا بالفحش الذي يزاولونه :
( يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ) . .
ويناديهم كذلك ليتمتعوا بالطيبات من الطعام والشراب دون إسراف :
( وكلوا واشربوا ولا تسرفوا . إنه لا يحب المسرفين ) .
وقد ورد أنه كان هناك تحريم في الطعام كالتحريم في الثياب . وكان هذا من مبتدعات قريش كذلك !
في صحيح مسلم عن هشام عن عروة عن أبيه قال : " كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحمس ، والحمس قريش وما ولدت . كانوا يطوفون بالبيت عراة إلا أن تعطيهم الحمس ثياباً ، فيعطي الرجال الرجال ، والنساء النساء . وكانت الحمس لا يخرجون من المزدلفة ؛ وكان الناس يبلغون عرفات . ويقولون : نحن أهل الحرم ، فلا ينبغي لأحد من العرب أن يطوف إلا في ثيابنا ، ولا يأكل إذا دخل أرضنا إلا من طعامنا . فمن لم يكن له من العرب صديق بمكة يعيره ثوباً ، ولا يسارٌ يستأجره به كان بين أحد أمرين : إما أن يطوف بالبيت عرياناً وإما أن يطوف في ثيابه ، فإذا فرغ من طوافه ألقى ثوبه فلم يمسه أحد . وكان ذلك الثوب يسمى اللقى " . .
وجاء في تفسير القرطبي المسمى " أحكام القرآن " : " وقيل إن العرب في الجاهلية كانوا لا يأكلون دسماً في أيام حجهم ، ويكتفون باليسير من الطعام ، ويطوفون عراة . فقيل لهم : ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ، وكلوا واشربوا ، ولا تسرفوا ) أي لا تسرفوا في تحريم ما لم يحرم عليكم " . . والإسراف يكون بتجاوز الحد ، كما قد يكون بتحريم الحلال . كلاهما تجاوز للحد . هذا باعتبار ، وذاك باعتبار .
خذوا زينتكم : البسوا ثيابكم ؛ لستر عوراتكم .
يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين .
خلق الله الإنسان في هذه الحياة ، وخلق له وسائل الحياة ووسائل الزينة المباحة الحلال ، وأمره أن يأخذ نصيبه من الزينة ، وأن تكون الزينة في وجوه الخير والعبادة ، فالأعمال بالنيات ، وشتان بين من يتزين لإثارة الفتنة ، وإغواء الناس ، ومن يتزين متجها إلى بيوت العبادة والطاعة .
والآية دعوة إلهية إلى أن نهتم بالصلاة وأماكن العبادة ، وأن الزينة الحسنة ، والسمت الجميل ، عند الاتجاه إلى المساجد ، وبذلك يألف الناس المساجد والمجامع والمحافل ، ويتم التعارف والتآلف والتودد .
وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن إهمال حسن المظهر وإهمال الشعر والثوب ، ونهى عن أكل البصل والثوم قبيل الاجتماعات ، وكل ما يجعل الإنسان مزعجا للآخرين .
كان أحد الصحابة مهملا في لباسه وشعره ؛ فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ألك زوجة تهتم بك ؟ قال : نعم . قال : اذهب إلى زوجتك ؛ لتأخذ لك من شعرك ، ولتنظف لك ثوبك ؛ فإنك سيد في قومك ، وما أراه لا يليق بك .
وهكذا علم النبي أصحابه النظافة والسمت الحسن ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ( تزينوا وتنظفوا واستاكوا فإن بني إسرائيل ما كانوا يفعلون ذلك فزنت نساؤهم ) ( 40 ) .
كما حث الإسلام على العناية بالمسجد ونظافته وحسن رعايته ، حتى يؤدي دوره الروحي التثقيفي القيادي ، قال تعالى : في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال * رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة . . .
وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ( من أكل ثوما أو بصلا ؛ فليعتزلنا ) ( 41 ) .
لقد بني الدين على النظافة ، ولذلك شرع الله الوضوء والاغتسال وطهارة الثوب والبدن والمكان ، وقال سبحانه : فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ( التوبة : 108 ) .
وهذه الآية دعوة لبني آدم أن يتزينوا بزينة الله عند التوجه إلى المساجد .
وهذه الآية دعوة لبني آدم . هو خطاب لجميع العالم ، وإن كان المقصود بها من كان يطوف من العرب بالبيت عريانا ، فإنه عام في كل مسجد للصلاة ؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
وقال ابن عباس : كان بعض العرب يطوفون بالبيت عراة ، الرجال بالنهار ، والنساء بالليل ، يقولون : لا نطوف في ثياب عصينا الله فيها ، فأنزل الله تعالى :
يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ( 42 ) .
وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين .
وفي هذه الفقرة أساس سلامة الجسم والنفس ، ودعوة إلى أن يأخذ الناس حظهم من طيبات الحياة ، وأن يذوقوا نعم الله التي وضعها بين أيديهم ، ولكن في غير إسراف بل في قصد واعتدال .
روى أن بني عامر كانوا أيام حجهم لا يأكلون الطعام إلا قوتا ، ولا يأكلون دسما يعظمون بذلك حجهم ، فهم المسلمون بمثله فنزلت ( 43 )
ولا تسرفوا . بتحريم الحلال ، أو بالتعدي إلى الحرام ، أو بالإفراط في الطعام والشره عليه .
قال البخاري : قال ابن عباس : ( كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان : سرف ومخيلة ( 44 ) .
وجاء في تفسير فتح القدير للشوكاني :
( نهاهم عن الإسراف ، فلا زهد في ترك مطعم ولا مشرب ، وتاركه بالمرة قاتل لنفسه وهو من أهل النار ) .
والمقلل منه على وجه يضعف به بدنه ، ويعجز عن القيام بما يجب عليه القيام به من طاعة ، أو سعى على نفسه ، وعلى من يعول ، مخالف لما أمر الله به وأرشد إليه ، والمسرف في إنفاقه على وجه لا يفعله إلا أهل السفه والتبذير ، مخالف لما شرعه الله لعباده ، واقع في النهي القرآني . . . ) اه .
إنه لا يحب المسرفين . أي : لا يرتضي فعلهم .
قال ابن كثير : قال بعض السلف : جمع الله الطب في نصف آية في قوله تعالى : وكلوا واشربوا ولا تسرفوا .
وكان الإمام الحسن بن علي إذا قام إلى الصلاة لبس أحسن ثيابه ، فقيل له : يا ابن بنت رسول الله ؛ لم تلبس أجمل ثيابك ؟ فقال : إن الله جميل يحب الجمال ، فأنا أتجمل لربي ؛ لأنه هو القائل : خذوا زينتكم عند كل مسجد ( 45 ) .
{ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ( 31 ) }
يا بني آدم كونوا عند أداء كل صلاة على حالة من الزينة المشروعة من ثياب ساترة لعوراتكم ونظافة وطهارة ونحو ذلك ، وكلوا واشربوا من طيبات ما رزقكم الله ، ولا تتجاوزوا حدود الاعتدال في ذلك . إن الله لا يحب المتجاوزين المسرفين في الطعام والشراب وغير ذلك .
ثم وجه القرآن بعد ذلك نداء ثالثا إلى بنى آدم أمرهم فيه بالتمتع بالحلال ، وبزينة الله التي أخرجها لعباده بدون إسراف أو تبذير فقال - تعالى - : { يابني ءَادَمَ . .
المعنى : عليكم يا بنى آدم أن تتجملوا بما يستر عورتكم ، وأن تتحلوا بلباس زينتكم كلما صليتم أو طفتم ، واحذروا أن تطوفوا بالبيت الحرام وأنتم عرايا .
قال القرطبى : " يا بنى آدم هو خطاب لجميع العالم ، وإن كان المقصود بها من كان يطوف من العرب بالبيت عريانا ، فإنه عام في كل مسجد للصلاة ، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب " .
وقال ابن عباس : " كان بعض العرب يطوفون بالبيت عراة ، الرجال بالنهار ، والنساء بالليل . يقولون : لا نطوف في ثياب عصينا الله فيها " . فأنزل الله - تعالى - : { يابني ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ } .
ثم أمرهم - سبحانه - أن يتمتعوا بالطيبات بدون إسراف أو تقتير فقال : { وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تسرفوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين } .
أى : كلوا من المآكل الطيبة ، واشربوا المشارب الحلال ولا تسرفوا لا في زينتكم ولا في مأكلكم أو مشربكم . لأنه - سبحانه - يكره المسرفين .
قال الإمام ابن كثير : " قال بعض السلف : جمع الله الطب في نصف آية في قوله : { وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تسرفوا } " وقال البخارى : قال ابن عباس : " كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان : سرف ومخيلة " .
وقد كان السلف الصالح يقفون بين يدى الله في عبادتهم وهم في أكمل زينة ، فهذا - مثلا - الإمام الحسن بن على ، كان إذا قام إلى الصلاة لبس أحسن ثيابه فقيل له ؛ يابن بنت رسول الله لم تلبس أجمل ثيابك . فقال : إن الله جميل يحب الجمال ، فأنا أتجمل لربى ، لأنه هو القائل : { خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ } .
وقال الكلبى : " كانت بنو عامر لا يأكلون في أيام حجهم إلا قوتا ولا يأكلون لحما ولا دسما يعظمون بذلك حجهم ، فهم المسلمون أن يفعلوا كفعلهم فأنزل - تعالى - : { وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تسرفوا } .