تعيها : تحفظها أذن من شأنها أن تحفظ ما سمعته .
لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية .
جعلنا الطوفان الذي أصاب المنطقة كلها بالغرق ، وأغرق جميع الكافرين المكذبين ، وجعلنا السفينة التي تجري على سطح الماء وتسير فوق أمواج كالجبال ، تحركها مشيئة الله ، وتوقفها إرادته في تكريم المؤمنين ، جعلها ذلك تذكرة لكل مؤمن ، بل لكل من يتأتّى منه التذكر والنظر ، ولتحرص على عبرتها وتعيها أذن تعي الكلام ، وتحفظه وتستفيد منه .
قال تعالى : إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا . ( الإسراء : 36 ) .
روى ابن أبي حاتم ، عن علي بن أبي طالب قال : لم تنزل قطرة من ماء إلا بكيل على يدي ملك ، فلما كان يوم نوح أذن للماء دون الخزّان ، فطغى الماء على الخزّان ، فخرج ، فذلك قوله تعالى : إنا لما طغا الماء . . . أي : زاد على الحدّ بإذن الله . حملناكم في الجارية . ولم ينزل شيء من الريح إلا بكيل على يدي ملك ، إلا يوم عاد فإنه أذن لها دون الخزّان ، فخرجت ، فذلك قوله تعالى : بريح صرصر عاتية .
ولهذا قال تعالى ممتنا على الناس : حملناكم في الجارية . وهي السفينة الجارية على وجه الماء .
أي : وأبقينا لكم من جنسها ما تركبون على تيار الماء في البحارiv .
كما قال : وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون . ( الزخرف : 12 ) .
وقال تعالى : وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون* وخلقنا لهم من مثله ما يركبون . ( يس : 41 ، 42 ) .
{ لِنَجْعَلَهَا } أي : الجارية والمراد جنسها ، { لَكُمْ تَذْكِرَةً } تذكركم أول سفينة صنعت وما قصتها وكيف نجى الله عليها من آمن به واتبع رسوله وأهلك أهل الأرض كلهم فإن جنس الشيء مذكر بأصله .
وقوله : { وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ } أي : تعقلها أولو الألباب ويعرفون المقصود منها ووجه الآية بها .
وهذا بخلاف أهل الإعراض والغفلة وأهل البلادة وعدم الفطنة فإنهم ليس لهم انتفاع بآيات الله لعدم وعيهم عن الله ، وفكرهم بآيات الله{[1211]}
{ لنجعلها } أي لنجعل تلك الفعلة التي فعلنا ، من إغراق قوم نوح ونجاة من حملنا معه ، { لكم تذكرةً } عبرة وعظة ، { وتعيها } قرأ القواس عن ابن كثير وسليم عن حمزة ، باختلاس العين ، وقرأ الآخرون بكسرها أي تحفظها ، { أذن واعية } أي : حافظة لما جاء من عند الله . قال قتادة : أذن سمعت وعقلت ما سمعت . قال الفراء : لتحفظها كل أذن فتكون عبرة وموعظة لمن يأتي بعد .
ثم حكى - سبحانه - ما جرى لقوم نوح - عليه السلام - وبين جانبا من مننه ونعمه على المخاطبين ، فقال : { إِنَّا لَمَّا طَغَا المآء حَمَلْنَاكُمْ فِي الجارية .
لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ }
وقوله : { طَغَا } من الطغيان وهو مجاوزة الحد فى كل شئ ، والجارية صفة لموصوف محذوف .
أى : اذكروا - أيها الناس - لتعتبروا وتتعظوا ، ما جرى للكافرين من قوم نوح - عليه السلام - فإنهم حين أصروا على كفرهم ، أغرقناهم بالطوفان ، وحين علا الماء واشتد فى ارتفاعه اشتداداً خارقاً للعادة . . حملنا آباءكم الذين آمنوا بنوح - عليه السلام - فى السفينة الجارية ، التى صنعها نوح بأمرنا . وحفظناهم - بفضلنا ورحمتنا - فى تلك السفينة إلى أن انتهى الطوفان .
وقد فعلنا ذلك { لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً } أى : لنجعل لكم هذه النعمة وهى إنجاؤكم وإنجاء آبائكم من الغرق - عبرة وعظة وتذكيرا بنعم الله - تعالى - عليكم .
وهذه النعمة والمنة { وَتَعِيَهَآ } وتحفظها { أُذُنٌ وَاعِيَة } أى : أذن من شأنها أن تحفظ ما يجب حفظه ، وتعى ما يجب وعيه .
فقوله : { وَاعِيَة } من الوعى بمعنى الحفظ للشئ فى القلب . يقال : وعى فلان الشئ يعيه إذا حفظه أكمل حفظ .
وقال - سبحانه - { حَمَلْنَاكُمْ فِي الجارية } مع أن الحمل كان للآباء الذين آمنوا بنوح - عليه السلام - لأن فى نجاة الآباء ، نجاة للأبناء ، ولأنه لو هلك الآباء لما وجد الأبناء .
قال صاحب الكشاف قوله : { حَمَلْنَاكُمْ } أى : حملنا آباءكم ، فى الجارية ، أى : فى السفينة الجارية ، لأنهم إذا كانوا من نسل المحمولين الناجين ، كان حمل آبائهم منة عليهم ، وكأنهم هم المحمولون ، لأن نجاتهم سبب ولادتهم .
{ لِنَجْعَلَهَا } الضمير للفعلة : وهى نجاة المؤمنين وإغراق الكفرة { تَذْكِرَةً } عبرة وعظة . { وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ } من شأنها أن تعى وتحفظ ما يجب حفظه ووعيه ، ولا تضيعه بترك العمل .
فإن قلت : لم قيل : أذن واعية على التوحيد والتنكير ؟ قلت : للإِيذان بأن الوعاة فيهم قلة ، ولتوبيخ الناس بقلة من يعى منهم ، وللدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت وعقلت عن الله ، فهى السواد الأعظم عند الله ، وأن ما سواها لا يبالى بهم ، وإن ملأوا الخافقين . .
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ذكرت الناس بأهوال يوم القيامة بأبلغ أسلوب ، وبينت ما حل بالمكذبين بطريقة تبعث الخوف والوجل فى القلوب .
قوله : { لنجعلها لكم تذكرة } أي لنجعل تلك الفعلة وهي إغراق قوم نوح وإنجاء المؤمنين ، موعظة لكم وعبرة لكي تتفكروا وتتعظوا وقيل : لنجعل ما بقي من سفينة نوح عظة لكم وعبرة . فقد بقي منها بعض الآثار من الألواح والأخشاب كيما تعتبروا بما حل بالظالمين السابقين من عقاب الله وشديد انتقامه .
قوله : { وتعيها أذن واعية } أي تحفظ الموعظة وتسمعها أذن حافظة عقلت عن الله ما سمعت . والواعية ، الحافظة . وعى الحديث يعيه وعيا أي حفظه . وعيت كذا أي حفظته في نفسي وأوعى الزاد والمتاع ، جعله في الوعاء{[4615]} .