وبينما هؤلاء كذلك إذا الذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات عدن . للإقامة . تجري من تحتهم الأنهار بالري وبهجة المنظر واعتدال النسيم . وهم هنالك للارتفاق حقا ( متكئين فيها على الأرائك ) وهم رافلون في ألوان من الحرير . من سندس ناعم خفيف ومن إستبرق مخمل كثيف . تزيد عليها أساور من ذهب للزينة والمتاع : ( نعم الثواب وحسنت مرتفقا ) !
ومن شاء فليختر . ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر . ومن شاء فليجالس فقراء المؤمنين ، وجبابهم تفوح منها رائحة العرق أو فلينفر . فمن لم ترضه رائحة العرق من تلك الجباب ، التي تضم القلوب الزكية بذكر الله ، فليرتفق في سرادق النار ، وليهنأ بدردي الزيت أو القيح يغاث به من النار . .
جنات عدن : جنات إقامة واستقرار ، يقال : عدن بالمكان ؛ إذا قام به واستقر ؛ ومنه المعدن ؛ لاستقرار الجواهر فيه .
أساور : واحدها : سوار وهو ما يحيط بالمعصم .
سندس : رقيق الديباج واحده : سندسة ، وهو فارسي معرب .
إستبرق : ما غلظ منه وهو رومي معرب .
الأرائك : واحدها : أريكة- سرير عليه حجلة ( ناموسية ) .
أما ثوابهم في الدنيا فهو القوة والتفوق ، وأما ثوابهم في الآخرة فهو الجنة ونعيمها ، وقد بين القرآن ألوان نعم العاملين في الجنة فقال :
31- { أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار . . . }
أي : هم في جنات إقامة ، تجري من تحت غرفهم ومنازلهم أنهار الجنة .
{ يحلون فيها من أساور من ذهب . . . }
أي : يحلون في الجنة بأساور الذهب ، وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما : عن أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء )34 .
وتفيد آيات القرآن الأخرى : أن المؤمن يتمتع بثلاثة أساور ، واحدة : من فضة ، والثانية : من لؤلؤ ، والثالثة : من ذهب .
قال تعالى : { وحلوا أساور من فضة . . . } ( الإنسان : 21 ) .
وقال تعالى : { ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير } . ( الحج : 23 ) .
وفي الآية التي نفسرها : { يحلون فيها من أساور من ذهب . . . }
{ ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق } .
أي : ويلبسون رقيق الحرير وهو السندس ، وغليظه مما نسج من سلوك الذهب ، وهذا لباس المترفين في الدنيا ، ومنتهى ما يكون لأهل النعيم .
واختير اللون الأخضر ؛ لأنه أرفق بالأبصار ، ومن ثم جعله الله لون النبات والأشجار ، وجعل لون السماء الزرقة ؛ لأنه نافع لأبصار الحيوان أيضا .
وقد قالوا : ثلاثة يذهبن الحزن : الماء ، والخضرة ، والوجه الحسن !
{ متكئين فيها على الأرائك . . . }
أي : يتكئون فيها على سرر مزدانة بالستور ، وفي هذا دليل على منتهى الراحة والنعيم ، كما يكون ذلك في الدنيا .
أي : نعمة الجنة لهم جزاء وفاقا على جميل أعمالهم ، وحسنت منزلا ومقيلا .
ونحو الآية قوله تعالى : { أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما . خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما } . ( الفرقان : 76 ، 75 ) .
وذكر أجرهم بقوله : { أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ }
أي : أولئك الموصوفون بالإيمان والعمل الصالح ، لهم الجنات العاليات التي قد كثرت أشجارها ، فأجنت من فيها ، وكثرت أنهارها ، فصارت تجري من تحت تلك الأشجار الأنيقة ، والمنازل الرفيعة ، وحليتهم فيها الذهب ، ولباسهم فيها الحرير الأخضر من السندس ، وهو الغليظ من الديباج ، والإستبرق ، وهو ما رق منه . متكئين فيها على الأرائك ، وهي السرر المزينة ، المجملة بالثياب الفاخرة فإنها لا تسمى أريكة حتى تكون كذلك ، وفي اتكائهم على الأرائك ، ما يدل على كمال الراحة ، وزوال النصب والتعب ، وكون الخدم يسعون عليهم بما يشتهون ، وتمام ذلك الخلود الدائم والإقامة الأبدية ، فهذه الدار الجليلة { نِعْمَ الثَّوَابُ } للعاملين { وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا } يرتفقون بها ، ويتمتعون بما فيها ، مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ، من الحبرة والسرور ، والفرح الدائم ، واللذات المتواترة ، والنعم المتوافرة ، وأي مرتفق أحسن من دار ، أدنى أهلها ، يسير في ملكه ونعيمه وقصوره وبساتينه ألفي سنة ، ولا يرى فوق ما هو فيه من النعيم ، قد أعطى جميع أمانيه ومطالبه ، وزيد من المطالب ، ما قصرت عنه الأماني ، ومع ذلك ، فنعيمهم على الدوام متزايد في أوصافه وحسنه ، فنسأل الله الكريم ، أن لا يحرمنا خير ما عنده من الإحسان ، بشر ما عندنا من التقصير والعصيان .
ودلت الآية الكريمة وما أشبهها ، على أن الحلية ، عامة للذكور والإناث ، كما ورد في الأحاديث الصحيحة لأنه أطلقها في قوله { يُحَلَّوْنَ } وكذلك الحرير ونحوه .
ثم ذكر الجزاء فقال : { أولئك لهم جنات عدن } أي : إقامة ، يقال : عدن فلان بالمكان إذا أقام به ، سميت عدناً لخلود المؤمنين فيها ، { تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب } ، قال سعيد بن جبير : يحلى كل واحد منهم ثلاث أساور ، واحد من ذهب ، وواحد من فضة ، وواحد من لؤلؤ ويواقيت ، { ويلبسون ثياباً خضراً من سندس } ، وهو ما رق من الديباج ، { وإستبرق } ، وهو ما غلظ منه ، ومعنى الغلظ في ثياب الجنة : إحكامه . وعن أبي عمران الجوني قال : السندس هو الديباج المنسوج بالذهب ، { متكئين فيها } في الجنان { على الأرائك } ، وهي السرر في الحجال ، واحدتها أريكة ، { نعم الثواب } أي : نعم الجزاء { وحسنت } الجنان { مرتفقاً } أي : مجلساً ومقراً .
( أولئك لهم جنات عدن ) وهو ما بيناه في الإعراب آنفا .
والمعنى : أن المؤمنين الصالحين ، جزاؤهم عند الله محفوظ غير مضيع ؛ فقد أعد الله لهم جنات عدن . والعدن بمعنى الإقامة ؛ فهي دار إقامة لا تفنى ولا تتبدد ولا تزول . ويجد فيها المؤمنون الصالحون من السعادة وحسن الجزاء ما لا يطرأ على قلب بشر ولا تتخيله الأذهان . وهم أيضا ( يحلون فيها من أساور من ذهب ) وهذا صنف من أصناف النعمة والسعادة التي يتلذذ فيها المؤمنون في الجنة ، وهي التحلية بأساور من ذهب . ولئن كان لباس الذهب والحرير في الدنيا محرما على الرجال ؛ فإنه يصير في الجنة متاحا للمؤمنين ليكون لهم أجمل حلية يتحلون بها . وهم كذلك يلبسون الثياب الخضر من السندس وهو الديباج الرقيق . وكذا الاستبرق وهو ما غلظ من الديباج . والديباج ، كلمة فارسية . وهو ضرب من الثياب سداه ولحمته حرير . {[2808]}
قوله : ( متكئين فيها على الأرائك ) ( الأرائك ) ، جمع أريكة ، وهي سرير منجّد مزين في قبو أو بيت ، فإذا لم يكن فيه سرير فهو حجلة{[2809]} ، والحجلة : ساتر كالقبة يزين بالثياب والستور للعروس{[2810]} . والمعنى : أن المؤمنين يتنغمون في الجنة باتكائهم على الأسرة ليجدوا وهم جلوس فوقها كامل الإحساس بالراحة والسعادة ( نعم الثواب وحسنت مرتفقا ) أي نعمت هذه الجنات التي أعدها الله للمؤمنين الصالحين وحسنت منزلا لهم ومقاما{[2811]} .