في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قَالَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا يَـٰٓأَبَتِ ٱسۡتَـٔۡجِرۡهُۖ إِنَّ خَيۡرَ مَنِ ٱسۡتَـٔۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡأَمِينُ} (26)

ثم نسمع في المشهد صوت الأنوثة المستقيمة السليمة :

( قالت إحداهما ؛ يا أبت استأجره . إن خير من استأجرت القوي الأمين ) .

إنها وأختها تعانيان من رعي الغنم ، ومن مزاحمة الرجال على الماء ، ومن الاحتكاك الذي لا بد منه للمرأة التي تزاول أعمال الرجال . وهي تتأذى وأختها من هذا كله ؛ وتريد أن تكون امرأة تأوي إلى بيت ؛ امرأة عفيفة مستورة لا تحتك بالرجال الغرباء في المرعى والمسقى . والمرأة العفيفة الروح النظيفة القلب ، السليمة الفطرة ، لا تستريح لمزاحمة الرجال ، ولا للتبذل الناشئ من هذه المزاحمة .

وها هو ذا شاب غريب طريد وهو في الوقت ذاته قوي أمين . رأت من قوته ما يهابه الرعاء فيفسحون له الطريق ويسقي لهما . وهو غريب . والغريب ضعيف مهما اشتد . ورأت من أمانته ما يجعله عف اللسان والنظر حين توجهت لدعوته . فهي تشير على أبيها باستئجاره ليكفيها وأختها مؤنة العمل والاحتكاك والتبذل . وهو قوي على العمل ، أمين على المال . فالأمين على العرض هكذا أمين على ما سواه . وهي لا تتلعثم في هذه الإشارة ولا تضطرب ، ولا تخشى سوء الظن والتهمة . فهي بريئة النفس ، نظيفة الحس ؛ ومن ثم لا تخشى شيئا ، ولا تتمتم ولا تجمجم وهي تعرض اقتراحها على أبيها .

ولا حاجة لكل ما رواه المفسرون من دلائل قوة موسى . كرفع الحجر الذي يغطي البئر وكان لا يرفعه - فيما قالوا - إلا عشرون أو أربعون أو أكثر أو أقل . فالبئر لم يكن مغطى ، إنما كان الرعاء يسقون فنحاهم وسقى للمرأتين ، أو سقى لهما مع الرعاء .

ولا حاجة كذلك لما رووه عن دلائل أمانته من قوله للفتاة : امشي خلفي ودليني على الطريق خوف أن يراها . أو أنه قال لها هذا بعد أن مشى خلفها فرفع الهواء ثوبها عن كعبها . . فهذا كله تكلف لا داعي له ، ودفع لريبة لا وجود لها . وموسى - عليه السلام - عفيف النظر نظيف الحس ، وهي كذلك ، والعفة والأمانة لا تحتاجان لكل هذا التكلف عند لقاء رجل وامرأة . فالعفة تنضح في التصرف العادي البسيط بلا تكلف ولا اصطناع !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قَالَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا يَـٰٓأَبَتِ ٱسۡتَـٔۡجِرۡهُۖ إِنَّ خَيۡرَ مَنِ ٱسۡتَـٔۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡأَمِينُ} (26)

-{ قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين } .

أرسل الشيخ إحدى ابنتيه لدعوة موسى إلى الضيافة ، فلما حضر وقصّ عليه قصته ، طمأنه وهدأه ورحب به ، فقالت إحداهما [ والراجح أنها هي التي ذهبت إلى موسى لدعوته ] : { يا أبت استأجره } على رعي الغنم ، فإنه يجمع أفضل الخصال ، وهي : القوة والأمانة .

فالقوة : تعين الإنسان على أداء العمل كاملا ، وتشمل الخبرة والمعرفة .

والأمانة : تشمل المحافظة والعفة والاستقامة وعدم الخيانة ، وهي شروط لازمة لمن يقوم بالعمل ، أو يلي شؤون الدولة ، بيد أنه في بعض الأعمال كالحرب نقدم القوة ، وفي بعض الأعمال كالاقتصاد والمالية وسياسة المال نقدم الأمانة .

ومن كلام عمر رضي الله عنه : إلى الله أشكو قوة الفاجر وعجز الثقة .

أحيانا يكون الفاجر قويا شجاعا ، ويكون الثقة الأمين ضعيفا أو مترددا ، فإذا اجتمعا في شخص كان أهلا لولاية العمل المناسب له ، وفي السياسة الشرعية نجد أن من صفات الحاكم العادل الحكم بالعدل ، والشورى ، واختيار الأمناء الثقات ، لأنه لا يستطيع أن يتولى جميع شؤون الدولة بنفسه ، فلا بد له من مساعدين ، فينبغي أن يتوخى فيهم الكفاءة ، وتكون بالقوة والأمانة ، فلا يولّي شخصا لقرابته ، أو لمصلحة تعود على الحاكم .

وفي الحديث النبوي الشريف : ( من ولّى رجلا شيئا من أمر المسلمين ، وهو يعلم أن في المسلمين من هو أكفأ منه ، فقد خان الله ورسوله وجماعة المسلمين )viii .

غيرة محمودة

روى أن شعيبا قال لابنته : وما أعلمك بقوته وأمانته ؟ فقالت : رفع الصخرة من على البئر ولا يطيق حملها إلا عشرة رجال ، وإني لما جئت معه تقدمت أمامه ، فقال لي : كوني من ورائي ودُلّيني على الطريق ، ولما أتيته خفض بصره فلم ينظر إليّ ، فرغب شعيب في مصاهرته وتزويجه بإحدى ابنتيه .

روى ابن كثير ، والزمخشري ، عن ابن مسعود ، قال : أفرس الناس ثلاثة : بنت شعيب حين قالت :

{ إن خير من استأجرت القوي الأمين } وصاحب يوسف حين قال : { أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا } [ يوسف : 21 ] وأبو بكر في عمر ، أي : في اختياره وترشيحه ليكون خليفة بعده .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{قَالَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا يَـٰٓأَبَتِ ٱسۡتَـٔۡجِرۡهُۖ إِنَّ خَيۡرَ مَنِ ٱسۡتَـٔۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡأَمِينُ} (26)

{ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا } أي : إحدى ابنتيه { يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ } أي : اجعله أجيرا عندك ، يرعى الغنم ويسقيها ، { إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ } أي : إن موسى أولى من استؤجر ، فإنه جمع القوة والأمانة ، وخير أجير استؤجر ، من جمعهما ، أي : القوة والقدرة على ما استؤجر عليه ، والأمانة فيه بعدم الخيانة ، وهذان الوصفان ، ينبغي اعتبارهما في كل من يتولى للإنسان عملا ، بإجارة أو غيرها .

فإن الخلل لا يكون إلا بفقدهما أو فقد إحداهما ، وأما باجتماعهما ، فإن العمل يتم ويكمل ، وإنما قالت ذلك ، لأنها شاهدت من قوة موسى عند السقي لهما ونشاطه ، ما عرفت به قوته ، وشاهدت من أمانته وديانته ، وأنه رحمهما في حالة لا يرجى نفعهما ، وإنما قصده [ بذلك ] وجه اللّه تعالى .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قَالَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا يَـٰٓأَبَتِ ٱسۡتَـٔۡجِرۡهُۖ إِنَّ خَيۡرَ مَنِ ٱسۡتَـٔۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡأَمِينُ} (26)

ولما اقتضى هذا القول أنه آواه إليه ، علمت انتباه مضمونه ، وكانتا قد رأتا من كفايته وديانته ما يرغب في عشرته ، فتشوفت النفس إلى حالهما حينئذ ، فقال مستأنفاً لذلك : { قالت إحداهما } أي المرأتين . قيل : وهي التي دعته إلى أبيها مشيرة بالنداء بأداة البعد إلى استصغارها لنفسها وجلالة أبيها : { يا أبت استأجره } ليكفينا ما يهمنا ؛ ثم عللت قولها فقالت مؤكدة إظهاراً لرغبتها في الخير واغتباطها به : { إن خير من استأجرت } لشيء من الأشياء { القوي } وهو هذا لما رأيناه من قوته في السقي { الأمين* } لما تفرسنا فيه من حيائه ، وعفته في نظره ومقاله وفعاله ، وسائر أحواله ؛ قال أبو حيان : وقولها قول حكيم جامع ، لأنه إذا اجتمعت الأمانة والكفاية في القائم بأمر فقد تم المقصود .