يدعو إبراهيم دعوته هذه لما شهده وعلمه من كثرة من ضلوا بهذه الأصنام من الناس في جيله وفي الأجيال التي قبله ؛ ومن فتنوا بها ومن افتتنوا وهم خلق كثير :
( رب إنهن أضللن كثيرا من الناس ) . .
ثم يتابع الدعاء . . فأما من تبع طريقي فلم يفتتن بها فهو مني ، ينتسب إلى ويلتقي معي في الآصرة الكبرى ، آصرة العقيدة :
وأما من عصاني منهم فأفوض أمره إليك :
( ومن عصاني فإنك غفور رحيم ) . .
وفي هذا تبدو سمة إبراهيم العطوف الرحيم الأواه الحليم ؛ فهو لا يطلب الهلاك لمن يعصيه من نسله ويحيد عن طريقه ، ولا يستعجل لهم العذاب ؛ بل لا يذكر العذاب ، إنما يكلهم إلى غفران الله ورحمته . ويلقي على الجو ظلال المغفرة والرحمة ؛ وتحت هذا الظل يتوارى ظل المعصية ؛ فلا يكشف عنه إبراهيم الرحيم الحليم !
{ رب إنهن أضللن كثيرا من الناس . . . } .
أي : يا رب ، إن الأصنام أضلت كثيرا من الناس ، أي : كانت سببا في إضلال كثير من الناس ؛ بسبب الفتنة وإغراء الكبار للصغار ، فنسبة الإضلال للأصنام مجازية ؛ لأن الأصنام أحجار لا تعقل ، لكن وضعها وإغراء سدنتها بعبادتها ؛ أضلت الناس ، كما تقول : فتنته الدنيا وأضلته ، وهو إنما فتن وضل بسببها ، ثم أدرك إبراهيم بفطرته ، أن بنيه سوف ينقسمون بعده ، إلى موحدين ومشركين ؛ ولذلك أظهر لربه أنه لا يستحق الانتساب إليه ، إلا من اتبعه على ملة التوحيد ، فقال :
{ فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم } .
أي : فمن تبعني على ملة التوحيد ، وشايعني في ديني وعقيدتي ؛ فإنه يصير بهذا الإتباع من أهل ديني ، وهو دين الإسلام ، ومن عصاني ولم يقبل الدخول في الدين الحق ؛ فإني أفوض أمره إليك ، وأنت أهل للمغفرة والتوبة ؛ لمن عدل عن الشرك قبل موته .
قال مقاتل وابن حيان : المعنى : ومن عصاني فيما دون الشرك ؛ فإنك غفور رحيم .
{ 36 } { رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ }
أي : ضلوا بسببها ، { فَمَنْ تَبِعَنِي } على ما جئت به من التوحيد والإخلاص لله رب العالمين { فَإِنَّهُ مِنِّي } لتمام الموافقة ومن أحب قوما وتبعهم التحق بهم .
{ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } وهذا من شفقة الخليل عليه الصلاة والسلام حيث دعا للعاصين بالمغفرة والرحمة من الله والله تبارك وتعالى أرحم منه بعباده لا يعذب إلا من تمرد عليه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.