في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَأَذَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوۡمَ ٱلۡحَجِّ ٱلۡأَكۡبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيٓءٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ وَرَسُولُهُۥۚ فَإِن تُبۡتُمۡ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (3)

1

بعد ذلك يبين الموعد الذي تعلن فيه هذه البراءة وتبلغ إلى المشركين لينذروا بها وبالموعد المضروب فيها :

{ وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر : أن الله بريء من المشركين ورسوله . فإن تبتم فهو خير لكم ، وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله ، وبشر الذين كفروا بعذاب أليم } . .

ويوم الحج الأكبر اختلفت الروايات في تحديده : أهو يوم عرفة أم يوم النحر . والأصح أنه يوم النحر : والأذان البلاغ ؛ وقد وقع للناس في الموسم ؛ وأعلنت براءة الله ورسوله من المشركين كافة - من ناحية المبدأ - وجاء الاستثناء في الإبقاء على العهد إلى مدته في الآية التالية . . والحكمة واضحة في تقرير المبدأ العام ابتداء في صورة الشمول ؛ لأنه هو الذي يمثل طبيعة العلاقات النهائية . أما الاستثناء فهو خاص بحالات تنتهي بانتهاء الأجل المضروب . وهذا الفهم هو الذي توحي به النظرة الواسعة لطبيعة العلاقات الحتمية بين المعسكر الذي يجعل الناس عبيداً لله وحده ، والمعسكرات التي تجعل الناس عبيداً للشركاء ، كما أسلفنا في التقديم للسورة والتقديم لهذا المقطع منها كذلك .

ومع إعلان البراءة المطلقة يجيء الترغيب في الهداية والترهيب من الضلالة :

{ فإن تبتم فهو خير لكم ، وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله ، وبشر الذين كفروا بعذاب أليم } . .

وهذا الترهيب وذلك الترغيب في آية البراءة ؛ يشيران إلى طبيعة المنهج الإسلامي . إنه منهج هداية قبل كل شيء . فهو يتيح للمشركين هذه المهلة لا لمجرد أنه لا يحب أن يباغتهم ويفتك بهم متى قدر - كما كان الشأن في العلاقات الدولية ولا يزال ! - ولكنه كذلك يمهلهم هذه المهلة للتروي والتدبر ، واختيار الطريق الأقوم ؛ ويرغبهم في التوبة عن الشرك والرجوع إلى الله ، ويرهبهم من التولي ، وييئسهم من جدواه ، وينذرهم بالعذاب الأليم في الآخرة فوق الخزي في الدنيا . ويوقع في قلوبهم الزلزلة التي ترجها رجاً لعل الركام الذي ران على الفطرة أن ينفض عنها ، فتسمع وتستجيب !

ثم . . هو طمأنة للصف المسلم ، ولكل ما في قلوب بعضه من مخاوف ومن تردد وتهيب ؛ ومن تحرج وتوقع .

فالأمر قد صار فيه من الله قضاء . والمصير قد تقرر من قبل الابتداء !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَأَذَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوۡمَ ٱلۡحَجِّ ٱلۡأَكۡبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيٓءٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ وَرَسُولُهُۥۚ فَإِن تُبۡتُمۡ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (3)

المفردات :

وأذان : الأذان : الإعلام بأمر مهم ، وشاع إطلاق الأذان على النداء للصلاة .

يوم الحج الأكبر : المراد به : يوم عيد النحر وقيل : يوم عرفة .

وبشر الذين كفروا بعذاب أليم : أي : وأنذرهم بعذابه فإن التبشير كما يستعمل كثيرا في الإخبار بما يسر ، يستعمل قليلا في الإخبار بما يسوء ، لغرض الإهانة والتحقير .

التفسير :

3 – { وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ . . . }

أي : وإعلان وإيذان من الله ورسوله إلى الناس عامة ، يوم الحج الأكبر – وهو يوم عيد النحر – حيث تجتمع الخلائق في أكبر تجمع لهم ، بأن الله ورسوله قد برئا من عهود المشركين ، وأن هذه العهود قد نبذت إليهم ، بسبب إصرارهم على شركهم ونقضهم لمواثيقهم ، وأسند سبحانه الأذان إلى الله ورسوله ، كما سندت البراءة إليهما ؛ إعلاء لشأن ذلك ، وتأكيد لأمره ولا تكرار بين ما جاء في هذه الآية ، وما جاء في الآية الأولى ؛ فإن الأولى فيها إخبار بثبوت البراءة من الناكثين لعهدهم ، وأما هذه ففيها إعلام جميع الناس بذلك .

قال الزمخشري :

فإن قلت : أي فرق بين معنى الجملة الأولى والثانية .

قالت : في تلك إخبار بثبوت البراءة ، وهذه إخبار بوجوب الإعلام بما ثبت . ا ه .

وذهب بعض العلماء إلى أن يوم الحج الأكبر هو يوم عرفة وقيل : جميع أيام الحج ، ورجح الإمام ابن جرير الطبري وغيره ، أن يوم الحج الكبر هو يوم النحر ، " ويوم عرفة مقدمة ليوم النحر بين يديه ؛ فإن فيه يكون الوقوف والتضرع ، ثم يوم النحر تكون الوفادة والزيارة . . . ويكون فيه ذبح القرابين وحلق الرءوس ، ورمي الجمار ، ومعظم أفعال الحج " 6 .

" وقد ثبت في الصحيحين أن أبا بكر وعليا أذنا بذلك يوم النحر لا يوم عرفه ، وفي سنن أبي داود بأصح إسناد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يوم الحج الأكبر يوم النحر " ، وكذا قال أبو هريرة وجماعة من الصحابة " 7 .

وقد ساق ابن كثير طائفة من الأحاديث الشريفة تفيد : أن عليا كان ينادي بأربع :

1 – لا يطوف بالبيت عريان .

2 – لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة .

3 – لا يحج بعد عامنا هذا مشرك .

4 – من كان له عهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فعهده إلى مدته .

{ فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله } .

أي : فإن رجعتم خلال هذه المهلة عما أنتم فيه من الشرك وسائر المعاصي ، فرجوعكم هذا أنفع لكم في دنياكم وأخراكم . . .

أي : وإن أعرضتم عن الإيمان ، وأبيتم إلا الإقامة على باطلكم . { فاعلموا أنكم غير معجزي الله } . أي : فأيقنوا أنكم لا مهرب لكم من عقاب الله ، ولا إفلات لكم من أخذه وبطشه ؛ لأنكم أينما كنتم فأنتم في قبضته ، وتحت قدرته .

{ وبشر الذين كفروا بعذاب أليم } ، أي : وبشر أيها الرسول من أنكر رسالتك ، ولم يؤمن بالله وملائكته ، بعذاب مؤلم شديد الألم في الآخرة ، والتعبير بالتبشير عن الإنذار ؛ لغرض التهكم والسخرية ، بمن يتولى ويعرض عن الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم ، مع وضوح الحق في جانبه .

/خ4

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَأَذَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوۡمَ ٱلۡحَجِّ ٱلۡأَكۡبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيٓءٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ وَرَسُولُهُۥۚ فَإِن تُبۡتُمۡ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (3)

هذا ما وعد اللّه به المؤمنين ، من نصر دينه وإعلاء كلمته ، وخذلان أعدائهم من المشركين الذين أخرجوا الرسول ومن معه من مكة ، من بيت اللّه الحرام ، وأجلوهم ، مما لهم التسلط عليه من أرض الحجاز .

نصر اللّه رسوله والمؤمنين حتى افتتح مكة ، وأذل المشركين ، وصار للمؤمنين الحكم والغلبة على تلك الديار .

فأمر النبي{[361]}  مؤذنه أن يؤذن يوم الحج الأكبر ، وهو يوم النحر ، وقت اجتماع الناس مسلمهم وكافرهم ، من جميع جزيرة العرب ، أن يؤذن بأن اللّه بريء ورسوله من المشركين ، فليس لهم عنده عهد وميثاق ، فأينما وجدوا قتلوا ، وقيل لهم : لا تقربوا المسجد الحرام بعد عامكم هذا ، وكان ذلك سنة تسع من الهجرة .

وحج بالناس أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه ، وأذن ببراءة -يوم النحر- ابن عم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه .

ثم رغب تعالى المشركين بالتوبة ، ورهبهم من الاستمرار على الشرك فقال : { فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ْ }

أي : فائتيه ، بل أنتم في قبضته ، قادر أن يسلط عليكم عباده المؤمنين . { وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ْ } أي : مؤلم مفظع في الدنيا بالقتل والأسر ، والجلاء ، وفي الآخرة ، بالنار ، وبئس القرار


[361]:- كذا في ب، وفي أ: الله.