ليستفزونك : أي : ليزعجونك بمعاداتهم .
لا يلبثون خلافك : أي : لا يبقون بعدك .
76- { وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا } .
أي : ولقد حاول كفار مكة أن يزعجوك ويستخفوك بعداوتهم ومكرهم ، فعندما عجز المشركون عن استدراج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هذه الفتنة حاولوا استفزازه ؛ ليخرجوه من أرض مكة- ولكن الله أوحى إليه : أن يخرج مهاجرا ؛ لما سبق في علمه من عدم إهلاك قريش بالإبادة .
ولو أخرجوا الرسول صلى الله عليه وسلم عنوة وقسرا ؛ لحل بهم الهلاك { وإذا لا يلبسون خلافك إلا قليل } .
قال الطبري : ولو أخرجوك منها لم يلبثوا بعدك فيها إلا قليلا حتى أهلكهم بعذاب عاجل{[444]} .
قال الطبري : واختلف أهل التأويل في الذين كادوا أن يستفزوا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليخرجوه من الأرض ، وفي الأرض التي أرادوا أن يخرجوه منها فقال بعضهم : الذين كادوا أن يستفزوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك اليهود ، والأرض التي أرادوا أن يخرجوه منها : المدينة{[445]} .
وروى عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر
إلى المدينة حسدته اليهود وكرهوا قربه منهم ، وقالوا : يا أبا القاسم ، إن الأنبياء بعثوا بالشام وهي بلاد مقدسة ، وكانت مهاجر إبراهيم فلم خرجت إلى الشام لآمنا بك واتبعناك ، وقد علمنا أنه لا يمنعك من الخروج إلا خوف الروم فإن كنت رسول الله علمنا أنه لا يمنعك من الخروج إلا خوف الروم فإن كنت رسول الله فالله مانعك منهم ، فعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أميال من المدينة أو بذي الحليفة ؛ حتى يجتمع إليه أصحابه ويراه الناس عازما على الخروج إلى الشام ؛ لحرصه على دخول الناس في دين الله فنزلت الآية فرجع ، وعلى هذا القول تكون هذه الآية مدنية{[446]} .
وقال قتادة ومجاهد : بل كان القوم الذين فعلوا ذلك قريشا ، والأرض أرض مكة{[447]} .
ونحن نرجح أن الآية مكية ، ونرى أن الرواية التي أوردها النيسابوري عن ابن عباس تثير في النفس بعض التساؤل ؟
فكيف يعسكر الرسول صلى الله عليه وسلم على أميال من المدينة عازما على الخروج إلى الشام ؟
وهل بلغت به السذاجة أن يترك قاعدة الإسلام في المدينة ويذهب مختارا إلى الشام من أجل كيد اليهود وحيلهم ؟
ونحن لا ننكر قدرة اليهود على الدس والخداع .
ولا نستبعد أن يميل النبي صلى الله عليه وسلم إلى حديثهم برهة أو لحظة ، ثم لا يلبث أن ينكشف أمامه الأمر .
أما أن يصل الأمر إلى حد الخروج من المدينة والعزم على السفر إلى الشام فهذا ما نستبعده ؛ لما عرف واشتهر من صدق فراسة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وبعد نظره ورجاحة عقله وسلامة تفكيره .
وقد رجح الطبري- شيخ المفسرين- أن الآية مكية لا مدنية فبعد أن روى الطبري عدة روايات منها ما يفيد أن الآية مكية ، ومنها ما يفيد أن الآية مدنية عقّب على هذه الروايات بقوله :
وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول قتادة ومجاهد ( أي : بأن الآية مكية ) وذلك أن قوله { وإن كادوا ليستفزونك من الأرض } في سياق خبر الله عز وجل عن قريش وذكره إياهم ولم يجر لليهود قبل ذلك ذكر فيوجه قوله : وإن كادوا إلى أنه خبر عنهم ، فهو بأن يكون خبرا عمن جرى له ذكر أولى من غيره{[448]} .
ثم إن تاريخ الدعوة الإسلامية ، ونصوص القرآن الكريم تفيد : أن المسلمين كانوا مستضعفين في مكة ، معرضين للعذاب والمصادرة .
وهذا الوضع يغري الرسول صلى الله عليه وسلم بالخروج والمهاجرة ، أما وضعهم في المدينة فقد كان مستقرا نسبيا ؛ إذ آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار ووضع أساس الدولة الجديدة ، وقاد غزوات ناجحة ، وعقد معاهدات لحسن الجوار مع جيرانه من اليهود .
كل هذا يرجح أن القوم الذين هموا بإخراجه هم قريش وأن الأرض التي كاد أن يخرج منها هي مكة .
وفي سورة الأنفال ( وهي مدنية نزلت سنة 2 هجرية ) يقول القرآن : { واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون } . ( الأنفال : 26 ) .
وقد قال المفسرون : إن هذه الآية تشير إلى ضعف المسلمين وقلتهم في مكة ، وإلى عزتهم وقوتهم بالمدينة ، خصوصا بعد النصر المبين الذي أحرزوه في غزوة بدر الكبرى .
ثم ذكر - سبحانه - مكيدة أخرى من مكايد المشركين ، وهى محاولتهم إخراج النبى صلى الله عليه وسلم من بلده ، لكى يعكفوا على عبادة آلهتهم الباطلة دون أن ينهاهم عن ذلك أحد ، فقال - تعالى - : { وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا . . . } .
قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : قيل نزلت فى اليهود إذ أشاروا على النبى صلى الله عليه وسلم بسكنى الشام ، بلاد الأنبياء وترك سكنى المدينة وهذا القول ضعيف لأن هذه الآية مكية وسكنى المدينة كان بعد ذلك . . .
ثم قال : وقيل نزلت فى كفار قريش ، حين هموا بإخراج الرسول صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم ، فتوعدهم الله - تعالى - بهذه الآية : وأنهم لو أخرجوه لما لبثوا بعده بمكة إلا زمنًا يسيرا . . . .
وما ذهب إليه ابن كثير - رحمه الله - من أن الآية مكية ، هو الذى تسكن إليه النفس . فيكون المعنى : { وإن كادوا } أى : كفار مكة { لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ } أى : ليزعجونك ويحملونك على الخروج من الأرض التى على ترابها ولدت وفيها نشأت ، وهى أرض مكة .
وقوله : { وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً } بيان لسوء مصيرهم إذا ما أخرجوه صلى الله عليه وسلم من مكة .
أى : ولو أنهم استفزوك وأجبروك على الخروج إجباراً ، لما لبثوا { خلافك } أى : بعد خروجك إلا زمناً قليلاً ، ثم يصيبهم ما يصيبهم من الهلاك والنقم .
ومع أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد خرج من مكة مهاجراً بأمر ربه إلا أنه - سبحانه - قد مكن نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مشركى مكة فى غزوة بدر ، فقتلوا منهم سبعين ، وأسروا نحو ذلك ، وكانت المدة بين هجرته صلى الله عليه وسلم وبين غزوة بدر تقل عن سنتين .
وهكذا حقق الله - تعالى - وعده لنبيه صلى الله عليه وسلم وأنزل وعيده بأعدائه .
قوله : ( وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها ) نزلت هذه الآية في كفار قريش ؛ إذ هموا بإخراج رسول الله ( ص ) من بين أظهرهم فتوعدهم الله بهذه الآية . وهو أنهم لو أخرجوه من مكة لما لبثوا بعده فيها إلا يسيرا . وذلك الذي وقع ؛ فإنه لم يكن بعد هجرته من بين أظهرهم بعد اشتداد أذاهم له إلا سنة ونصف سنة حتى جمعهم الله وإياه ببدر على غير ميعاد فأمكنه الله منهم ونصره عليهم ، فقتل أشرافهم ، وكسر شوكتهم ، وأعادهم إلى مكة منتكسين مقهورين{[2723]} . و ( يستفزونك ) ، يعني يستخفونك ويخرجونك . وذلك من الاستفزاز وهو الإزعاج{[2724]} فقد همّ المشركون بإخراج النبي ( ص ) من مكة ولو أخرجوه لما أمهلوا . لكن الله أمره بالهجرة فخرج ؛ أي أن النبي ( ص ) ما خرج بسبب إخراج المشركين إياه ؛ بل خرج بأمر من الله .
قوله : ( وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا ) أي لو أخرجوك فسوف لا يمكثون بعد إخراجك إلا زمنا يسيرا . وقد كان ذلك ؛ فإنهم لم يلبثوا بعد خروج النبي ( ص ) من مكة إلا مدة يسيرة ؛ إذ أخرجهم الله ليلاقوا مصارعهم يوم بدر .