سورة النمل مكية وآياته ثلاث وتسعون
هذه السورة مكية نزلت بعد الشعراء ؛ وهي تمضي على نسقها في الأداء : مقدمة وتعقيب يتمثل فيهما موضوع السورة الذي تعالجه ؛ وقصص بين المقدمة والتعقيب يعين على تصوير هذا الموضوع ، ويؤكده ، ويبرز فيه مواقف معينة للموازنة بين موقف المشركين في مكة ومواقف الغابرين قبلهم من شتى الأمم ، للعبرة والتدبر في سنن الله وسنن الدعوات .
وموضوع السورة الرئيسي - كسائر السور المكية - هو العقيدة : الإيمان بالله ، وعبادته وحده ، والإيمان بالآخرة ، وما فيها من ثواب وعقاب . والإيمان بالوحي وأن الغيب كله لله ، لا يعلمه سواه . والإيمان بأن الله هو الخالق الرازق واهب النعم ؛ وتوجيه القلب إلى شكر أنعم الله على البشر . والإيمان بأن الحول والقوة كلها لله ، وأن لا حول ولا قوة إلا بالله .
ويأتي القصص لتثبيت هذه المعاني ؛ وتصوير عاقبة المكذبين بها ، وعاقبة المؤمنين .
تأتي حلقة من قصة موسى - عليه السلام - تلي مقدمة السورة . حلقة رؤيته النار وذهابه إليها ، وندائه من الملأ الأعلى ، وتكليفه الرسالة إلى فرعون وملئه . ثم يعجل السياق بخبر تكذيبهم بآيات الله وهم على يقين من صدقها وعاقبة التكذيب مع اليقين . . ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ) . وكذلك شأن المشركين في مكة كان مع آيات القرآن المبين .
وتليها إشارة إلى نعمة الله على دواد وسليمان - عليهما السلام - ثم قصة سليمان مع النملة ، ومع الهدهد ، ومع ملكة سبأ وقومها . وفيها تظهر نعمة الله على داود وسليمان وقيامهما بشكر هذه النعمة . وهي نعمة العلم والملك والنبوة مع تسخير الجن والطير لسليمان . وفيها تظهر كذلك أصول العقيدة التي يدعو إليها كل رسول . ويبرز بصفة خاصة استقبال ملكة سبأ وقومها لكتاب سليمان - وهو عبد من عباد الله - واستقبال قريش لكتاب الله . هؤلاء يكذبون ويجحدون . وأولئك يؤمنون ويسلمون . والله هو الذي وهب سليمان ما وهب ، وسخر له ما سخر . وهو الذي يملك كل شيء ، وهو الذي يعلم كل شيء . وما ملك سليمان وما علمه إلا قطرة من ذلك الفيض الذي لا يغيض .
وتليها قصة صالح مع قومه ثمود . ويبرز فيها تآمر المفسدين منهم عليه وعلى أهله ، وتبييتهم قتله ؛ ثم مكر الله بالقوم ، ونجاة صالح والمؤمنين معه ، وتدمير ثمود مع المتآمرين : ( فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ) . . وقد كانت قريش تتآمر على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وتبيت له ، كما بيتت ثمود لصالح وللمؤمنين .
ويختم القصص بقصة لوط مع قومه . وهمهم بإخراجه من قريتهم هو والمؤمنون معه ، بحجة أنهم أناس يتطهرون ! وما كان من عاقبتهم بعد إذ هاجر لوط من بينهم ، وتركهم للدمار : ( وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين ) . . ولقد همت قريش بإخراج الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] وتآمرت في ذلك قبل هجرته من بين ظهرانيهم بقليل .
فإذا انتهى القصص بدأ التعقيب بقوله : ( قل : الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى . آلله خير أما يشركون ? ) . . ثم أخذ يطوف معهم في مشاهد الكون ، وفي أغوار النفس . يريهم يد الصانع المدبر الخالق الرازق ، الذي يعلم الغيب وحده ، وهم إليه راجعون . ثم عرض عليهم أحد أشراط الساعة وبعض مشاهد القيامة ، وما ينتظر المكذبين بالساعة في ذلك اليوم العظيم .
ويختم السورة بإيقاع يناسب موضوعها وجوها : ( إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء ، وأمرت أن أكون من المسلمين . وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل : إنما أنا من المنذرين . وقل : الحمد لله . سيريكم آياته فتعرفونها ، وما ربك بغافل عما تعملون ) . .
والتركيز في هذه السورة على العلم . علم الله المطلق بالظاهر والباطن ، وعلمه بالغيب خاصة . وآياته الكونية التي يكشفها للناس . والعلم الذي وهبه لداود وسليمان . وتعليم سليمان منطق الطير وتنويهه بهذا التعليم . . ومن ثم يجيء في مقدمة السورة : ( وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم ) . ويجيء في التعقيب ( قل : لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون . بل ادارك علمهم في الآخرة ) . . ( وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون . وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين )ويجيء في الختام : ( سيريكم آياته فتعرفونها ) . . ويجيء في قصة سليمان : ( ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا : الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين ) . . وفي قول سليمان : ( يا أيها الناس علمنا منطق الطير ) . . وفي قول الهدهد : ( ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون ) . وعندما يريد سليمان استحضار عرش الملكة ، لا يقدر على إحضاره في غمضة عين عفريت من الجن ، إنما يقدر على هذه : ( الذي عنده علم من الكتاب ) .
وهكذا تبرز صفة العلم في جو السورة تظللها بشتى الظلال في سياقها كله من المطلع إلى الختام . ويمضي سياق السورة كله في هذا الظل ، حسب تتابعه الذي أسلفنا . فنأخذ في استعراضها تفصيلا .
( طا . سين ) . . الأحرف المقطعة للتنبيه على المادة الأولية التي تتألف منها السورة والقرآن كله . وهي متاحة لجميع الناطقين بالعربية . وهم يعجزون أن يؤلفوا منها كتابا كهذا القرآن ، بعد التحدي والإفحام . .
( تلك آيات القرآن وكتاب مبين ) . .
والكتاب هو نفسه القرآن . وذكره بهذه الصفة هنا يبدو لنا أنه للموازنة الخفية بين استقبال المشركين للكتاب المنزل عليهم من عند الله ؛ واستقبال ملكة سبأ وقومها للكتاب الذي أرسله إليهم سليمان . وهو عبد من عباد الله .
سورة النمل مكية ، وآياتها 93 آية ، نزلت بعد سورة الشعراء .
وسميت بسورة النمل لاشتمالها على مناظرة النمل مع سليمان في قوله تعالى : { حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون } [ النمل : 18 } .
هذه السورة مجاورة لسورة الشعراء وهي تمضي على نسقها في الأداء : مقدمة وتعقيب يتمثل فيهما موضوع السورة الذي تعالجه ، وقصص بين المقدمة والتعقيب يعين على تصوير هذا الموضوع ، ويؤكده . ويبرز فيه مواقف معينة للموازنة بين موقف المشركين في مكة ومواقف الغابرين قبلهم من شتى الأمم ، للعبرة والتدبر في سنن الله وسنن الدعوات .
موضوع سورة النمل الرئيسي-كسائر السور المكية- هو العقيدة : الإيمان بالله ، وعبادته وحده ، والإيمان بالآخرة ، وما فيها من ثواب وعقاب ، والإيمان بالوحي ، وأن الغيب كله لله لا يعلمه سواه والإيمان بأن الله هو الخالق الرازق واهب النعم ، وتوجيه القلب إلى شكر أنعم الله على البشر ، والإيمان بأن الحول والقوة كلها لله ، وأن لا حول ولا قوة إلا بالله .
يأتي القصص في سورة النمل لتثبيت أهداف السورة وتصوير عاقبة المكذبين ، وعاقبة المؤمنين .
تأتي حلقة من قصة موسى –عليه السلام- تلى مقدمة السورة ، حلقة رؤيته للنار ، وذهابه إليها ، وندائه من الملأ الأعلى ، وتكليفه بالرسالة إلى فرعون وملئه ، ثم يعجل السياق بخبر تكذيبهم بآيات الله وهم على يقين من صدقها ، وعاقبة التكذيب مع اليقين : { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين } [ النمل : 14 ] .
واستغرقت هذه الحلقة من قصة موسى الآيات من 7- 14 .
استغرقت الآيات من 15-44 في الحديث عن داود وسليمان وبلقيس وبدأته بالإشارة إلى نعمة الله على داود وسليمان ، ثم ذكرت قصة سليمان مع النملة ، ومع الهدهد ، ومع ملكة سبأ وقومها وفيها تظهر نعمة الله على داود وسليمان وقيامهما بشكر هذه النعمة ، وهي نعمة العلم والملك والنبوة مع تسخير الجن والطير لسليمان ، وفيها تظهر كذلك أصول العقيدة التي يدعو إليها كل رسول .
تبدأ قصة بلقيس بتفقد سليمان للطير وبحثه عن الهدهد فلم يجده ، ثم جاء الهدهد بعد ذلك ، وكان هدهدا عجيبا صاحب إدراك وإيمان ، وبراعة في عرض الأخبار ، فقد أخبر سليمان أنه رأى ملكة ولها رعية كبيرة في بلاد سبأ ورآهم في نعمة وغنى ولكنهم يسجدون للشمس من دون الله ، فكتب له سليمان رسالة ليلقيها إليهم وفيها : { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمان الرحيم*ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين } [ النمل : 30 ، 31 ] .
فلما ألقاها على الملكة جمعت قومها لتستشيرهم فيها ، فذكروا لها أنهم أولو قوة وبأس شديد وفوضوا أمر ذلك إليها ، فذكرت لهم أن عاقبة الحرب إفساد الديار ، وأنها ترى مسالمة سليمان بإرسال هدية إليه ، فلما جاءته الهدية لم يقبلها ، وهددهم بأن يرسل إليهم جنودا لا قبل لهم بها فلم تجد الملكة مفرا من أن تذعن له وتسافر إلى مقر ملكه ، فجمع قومه وأخبرهم بأنه يريد أن يحصل على عرشها قبل حضورها ، فأخبره عفريت من الجن أنه يمكنه أن يأتيه به قبل أن يقوم من مجلسه ، وأخبره عالم من علماء قومه أنه يمكنه أن يأتيه به قبل مرور طرفة عين ، فشكر سليمان ربه أن جعل في ملكه مثل هذا الرجل المؤمن المتصل بالله سبحانه .
وأمر سليمان قومه أن يغيروا شيئا من شكل العرش ليختبر ذكاءها ، فانتهت الملكة إلى جواب ذكي أريب : { قالت كأنه هو . . } [ النمل : 42 ] .
فهي لا تنفى ولا تثبت ودلت على فراسة وبديهة في مواجهة المفاجأة العجيبة ، ثم تعرضت بلقيس لمفاجأة أخرى ، في قصر من البلور أقيمت أرضيته فوق الماء ، وظهر كأنه لجة فلما قيل لها : ادخلي الصرح ، حسبت أنها ستخوض في لجة الماء وكشفت عن ساقيها ، فلما تمت المفاجأة كشف لها سليمان عن سرها وقال : إنه صرح مملس من زجاج .
ووقفت الملكة متعجبة مندهشة أمام هذه العجائب التي تعجز البشر ، وتدل على أن سليمان مسخرة له قوى أكبر من طاقة البشر ، فرجعت إلى الله وناجته معترفة بظلمها لنفسها فيما سلف من عبادة غيره ، معلنة إسلامها مع سليمان –لا لسليمان- ولكن لله رب العالمين . { قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين } [ النمل : 44 ] .
وفي أعقاب قصة بلقيس نجد الآيات [ 45-53 ] تتحدث عن نبي الله صالح ومكر قومه في حقه ، ونجد الآيات [ 54-59 ] تتحدث عن نبي الله لوط وارتكاب قومه لفاحشة اللواط بالرجال . ومحاولة لوط تقديم النصيحة لهم دون جدوى ، بل هددوه بالطرد والنفي فأنجاه الله وأمطر على قومه حجارة من السماء . فأهلكتهم فبئس مطر الهالكين الخاطئين .
في ختام سورة النمل نجد آيات قوية تتحدث عن قدرة الله ومظاهر العظمة والقدرة في هذا الوجود .
لقد استعرضت السورة في بدايتها حلقات من قصص موسى وداود وسليمان وصالح ولوط استغرقت الآيات [ 7-59 ] .
أما الآيات الأخيرة في السورة من [ 60 -93 ] فإنها تجول جولة هادفة في تثبيت العقيدة ، جولة في مشاهد الكون وأغوار النفس وأطواء الغيب ، وفي أشراط الساعة ، ومشاهد القيامة ، وأهوال الحشر ، التي يفزع لها من في السماوات والأرض إلا من شاء الله .
في هذه الجولة الأخيرة يستعرض القرآن أمام الناس مشاهدات في صفحة الكون وفي أطواء النفس لا يملكون تعليلها بغير التسليم بوجود الخالق الواحد المدبر القدير .
ويتوالى عرض هذه المشاهدات في إيقاعات مؤثرة ، تأخذ عليهم أقطار النفس وأقطار المشاعر ، وهو يسألهم أسئلة متلاحقة : من خلق السماوات والأرض ؟ من أنزل من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ؟ من جعل الأرض قرارا ، وجعل خلالها أنهارا ، وجعل لها رواسي ، وجعل بين البحرين حاجزا ؟ من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ؟ من يجعلكم خلفاء الأرض ؟ من يهديكم في ظلمات البر والبحر ؟ من يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ؟ من يبدأ الخلق ثم يعيده ؟ من يرزقكم من السماء والأرض ؟ وفي كل مرة يقرعهم : أإله مع الله ؟ وهم لا يملكون أن يدّعوا هذه الدعوى ، لا يملكون أن يقولوا : أن إلها مع الله يفعل من هذا كله شيئا ، وهم مع هذا يعبدون أربابا من دون الله !
وعقب هذه الإيقاعات القوية التي تقتحم القلوب-لأنها إيقاعات كونية تملأ صفحة الوجود من حولهم ، أو إيقاعات وجدانية يحسونها في قلوبهم- يستعرض تكذيبهم بالآخرة وتخبطهم في أمرها ، ويعقب عليه بتوجيه قلوبهم إلى مصارع الغابرين الذين كانوا مثلهم يكذبون ويتخبطون .
ويخلص من هذا إلى عرض مشهد الحشر وما فيه من هول ومن فزع ، ويرجع بهم في ومضة خاطفة إلى الأرض ، ثم يردهم إلى مشهد الحشر وكأنما يهز قلوبهم هزا ويرجها رجا .
وتختم السورة بحمد الله الذي يستحق الحمد وحده ، وتكلهم إلى الله يريهم آياته ، ويطلع على أعمالهم ما ظهر منها وما بطن : { وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون } [ النمل : 93 ]
{ طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين( 1 ) هدى وبشرى للمؤمنين( 2 ) الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون( 3 ) إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون( 4 ) أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون( 5 ) وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم( 6 ) } .
طس : حروف مقطعة للتنبيه ، مثل : ألا ، ويا التي للنداء وينطق بأسمائها فيقال : [ طا-سين ] .
مبين : موضح للأحكام والأخلاق والعظات .
1-{ طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين }
اسمان لحرفين من حروف المعجم ، هما الطاء والسين ، وقد مضى الكلام بشأن مثلهما ، في أول سور البقرة ، وآل عمران ، ويونس ، وهود ، وغيرها . ومن كلام العلماء أنهما حرفان للتنبيه ، كالجرس الذي يقرع فيتنبه التلاميذ لدخول المدرسة ، وهذه الأحرف فاجأت العرب بأمر لهم يألفوه فتنبهوا ، فلما تنبهوا قال القرآن الكريم .
{ تلك آيات القرآن وكتاب مبين }
أي : هذه الآيات المنزلة عليك يا محمد هي آيات القرآن المعجز في بيانه الساطع في برهانه .
وآيات كتاب واضح مبين لمن تفكر فيه وتدبر ، أبان الله فيه الأحكام ، وهدى به الأنام .
وقد لاحظ العلماء المهتمون بالإحصاء ، أن كل سورة بدئت بمثل هذه الفواتح ، تغلب فيها الحروف التي بدئت بها ، على سائر الحروف التي تكونت منها كلمات السورة ، وبما أن محمدا صلى الله عليه وسلم أمي لا يقرأ ولا يكتب ، فذلك شاهد على أن القرآن ليس من تأليفه ، كما زعم أعداء الحق ، بل هو من عند الله العزيز الحكيم .
1- سورة النمل ، من السور المكية : وهي السورة السابعة والعشرون في ترتيب المصحف ، وكان نزولها بعد سورة الشعراء .
قال القرطبي : سورة النمل ، مكية كلها في قول الجميع( {[1]} ) .
2- وسميت بسورة النمل ، لقوله –تعالى- : [ حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة ] .
قال الآلوسي : " وتسمى أيضاً –كما في الدر المنثور- سورة سليمان ، وعدد آياتها خمس وتسعون آية –عند الحجازيين- ، وأربع وتسعون –عند البصريين- وثلاث وتسعون –عند الكوفيين- " ( {[2]} ) .
3- وقد افتتحت سورة النمل بالثناء على القرآن الكريم ، وعلى المؤمنين الذي يحافظون على فرائض الله –تعالى- ، ويوقنون بالآخرة وما فيها من ثواب أو عقاب . . .
أما الذين لا يؤمنون بالآخرة ، فقد أنذرتهم بسوء المصير [ أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون ] .
4- ثم تحدثت السورة بعد ذلك عن جانب من قصة موسى –عليه السلام- فذكرت لنا ما قاله موسى لأهله عند ما آنس من جانب الطور ناراً ، وما قاله الله –تعالى- له عندما جاءها ، وما أمره –سبحانه- به ، في قوله –تعالى- : [ وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مديراً ولم يعقب . يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون ] .
5- ثم تحدثت السورة بعد ذلك عما منحه الله –تعالى- لداود وسليمان –عليهما السلام- من علم واسع ، ومن عطاء كبير ، وحكت ما قالته نملة عندما رأت سليمان وجنوده ، كما حكت ما دار بين سليمان –عليه السلام- وبين الهدهد ، وما دار بينه –عليه السلام- وبين ملكة سبأ من كتب ومحاورات انتهت بإسلام ملكة سبأ ، حيث قالت : [ رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ] .
ثم ساقت السورة جانباً من قصة صالح –عليه السلام- مع قومه ، فتحدثت عن الرهط التسعة الذين كانوا يفسدون في الأرض ولا يصلحون ، والذين بيتوا السوء لنبيهم صالح وللمؤمنين معه ، فكانت نتيجة مكر هؤلاء المفسدين الخسار والهلاك . كما قال –تعالى- [ ومكروا مكراً ومكرنا مكراً وهم لا يشعرون . فانظر كيف كان عاقبة مكرهم ، أنا دمرناهم وقومهم أجمعين . فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا . . ] .
7- وبعد أن ساقت السورة جانباً من قصة لوط –عليه السلام- مع قومه . أتبعت ذلك بالحديث عن وحدانية الله –تعالى- وقدرته ، فذكرت ألواناً من الأدلة على ذلك ، وقد قال –سبحانه- في أعقاب كل دليل [ أإله مع الله ] ، وكرر ذلك خمس مرات ، في خمس آيات .
8- وبعد هذا الحديث المتنوع عن مظاهر وحدانية الله وقدرته –سبحانه- ، أخذت السورة الكريمة في تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وفي تثبيت فؤاده ، وفي بيان أن هذا القرآن هداية ورحمة .
قال –تعالى- : [ إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون . وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين . إن ربك يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم . فتوكل على الله إنك على الحق المبين ] .
9- ثم ختم –سبحانه- السورة الكريمة بالحديث عن علامات الساعة وأهوالها ، وعن عاقبة المؤمنين ، وعاقبة الكافرين ، وعن المنهج الذي اتبعه الرسول صلى الله عليه وسلم وأمر غيره باتباعه ، فقال –تعالى- : [ إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها ، وله كل شيء ، وأمرت أن أكون من المسلمين . وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ، ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين . وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها ، وما ربك بغافل عما تعملون ] .
1- وبعد : فهذا عرض مجمل لسورة النمل . ومنه نرى أن السورة الكريمة زاخرة بالحديث عن أدلة وحدانية الله –تعالى- وقدرته ، ومن مظاهر فضله –تعالى- على عباده . وعن علمه –سبحانه- المحيط بكل شيء ، وعن آياته الكونية التي يكشف منها للناس ما يشاء كشفه وبيانه .
كما نرى أن السورة الكريمة قد اشتملت على جانب كبير منها ، خصوصاً قصص بعض أنبياء بني إسرائيل ، فقد حدثتنا عن جانب من قصة موسى ، وداود ، وسليمان . ثم بينت أن على بني إسرائيل المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم أن يعودوا إلى القرآن ، ليعرفوا منه الأمر الحق في كل ما اختلفوا فيه ، قال –تعالى- : [ إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون ] .
كما نراها تجمع في توجيهاتها وإرشاداتها بين الترغيب والترهيب ، وبين التذكير بنعم الله التي تشاهدها في هذا الكون ، وبين التحذير من أهوال يوم القيامة ، وتختم بهذه الآية الجامعة : [ وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها ، وما ربك بغافل عما تعملون ] .
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .
سورة النمل : من السور التى افتتحت ببعض الحروف المقطعة ، وهو قوله - تعالى - { طس } .
وقد ذكرنا آراء العلماء فى هذه الحروف المقطعة بشىء من التفصيل عند تفسيرنا لسور : البقرة ، وآل عمران ، والأعراف ، ويونس ، وهود ، ويوسف . . . إلخ .
وقلنا ما خلاصته : لعل أقرب الأقوال إلى الصواب ، أن هذه الحروف المقطعة قد رودت فى افتتاح بعض السور ، على سبيل الإيقاظ والتنبيه ، للذين تحداهم القرآن .
فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك الكافرين الذين زعموا أن هذا القرآن ليس من عنده - تعالى - : هاكم القرآن ترونه مؤلفاً من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم ، ومنظوماً من حروف هى من جنس الحروف الهجائية ، التى تنظمون منها حروفكم ، فإن كنتم فى شك فى أنه من عند الله - تعالى - فهاتوامثله ، أو هاتوا عشر سور من مثله ، أو هاتوا سورة واحدة من مثله .
فعجزوا وانقلبوا خاسرين ، وثبت أن هذا القرآن من عند الله - عز وجل - .
واسم الإشارة { تِلْكَ } يعود إلى الآيات القرآنية التى تضمنتها هذه السورة الكريمة . أو إلى جميع آيات القرآن التى نزلت قبل ذلك .
وهو - أى لفظ { تِلْكَ } - مبتدأ وخبره قوله - سبحانه - { آيَاتُ القرآن } ، أى : تلك الآيات الحكيمة التى أنزلناها إليك - أيها الرسول الكريم - هى آيات القرآن ، الذى أنزلناه إليك لتخرج الناس به من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان .
فإضافة الآيات إلى القرآن لتعظيم شأنها ، وسمو منزلتها .
وقوله - تعالى - : { وَكِتَابٍ مُّبِينٍ } معطوف على القرآن من باب عطف إحدى الصفتين على الأخرى ، كقولهم هذا فعل فلان السخى والجواد الكريم .
قال الآلوسى : " والمبين : وإما من أبان المتعدى ، أى : مظهر ما فى تضاعيفه من الحكم والأحكام وأحوال القرون الأولى . . . وإما من أبان اللازم ، بمعنى بان . أى : ظاهر الإعجاز . وهو على الاحتمالين ، صفة مادحة لكتاب ، مؤكدة لما أفاده التنوين من الفخامة . . " .
هذه السورة مكية كلها . وهي تتضمن فيضا من قصص الأولين وأخبارهم ، وأحداثهم ، في معاندتهم ومخاصمتهم لأنبيائهم بغير حق .
ويأتي في طليعة ذلك ، الإخبار عن كليم الله موسى عليه السلام ، إذ رجع إلى مصر مع أهله حتى إذا رأى في طريقه نارا أتاها ليأخذ جذوة يصطلي وزوجه بها ، فسمع صوتا قاصفا مخوفا يناديه { يا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيم } ثم آتاه الله جملة من المعجزات الكبيرة المثيرة لتكون له معاونا يزدجر به فرعون عسى أن يتذكر أو يخشى لكنه كفر وعتا عتوا كبيرا ، فأخذه الله وجنوده وأتباعه بالتغريق أخذ عزيز مقتدر .
وفي السورة إخبار عن نبي الله سليمان عليه السلام ؛ إذ أوتي بعضا من المعجزات الحسية العظيمة التي تنشر في النفس اليقين بصدق رسالته وأنه مبعوث من رب العالمين . فقد علمه الله منطق الطير . وكذا النمل الذي يدب على الأرض دبيبا صامتا لينا ، ويتخاطب أفراده فيما بينهم بما أودعهم الله أن يتخاطبوا به فيفهموه . وهي لغة لا يقف عليها أو يفهمها إلا من أوتي القدرة الخارقة على ذلك . وهذه معجزة ظاهرة من معجزات النبوة .
وكذلك قصة سيدنا سليمان مع ملكة سبأ التي جاءت إليه تتعرف شأنه وخبره وحقيقة أمره فوجدت عرشها منصوبا بين يديه فأثارها ذلك وراعها روعا ثم أسلمت مع سليمان لله رب العالمين
إلى غير ذلك من الأخبار والحكم والترهيب من يوم القيامة بأفزاعها وخطوبها وفظائعها . وذلك كله في أسلوب قرآني عجيب يثير الدهش ويستنفر الخيال أيما استنفار .
{ طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَاب مُّبِينٍ ( 1 ) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ( 2 ) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ( 3 ) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ( 4 ) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ ( 5 ) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ }
مضى الكلام عن الحروف المتقطعة في فواتح السور . وقوله : { تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ } أي هذه آيات القرآن التي أنزلها على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم . أو هذه السورة آيات القرآن { وَكِتَاب مُّبِينٍ } معطوف على القرآن . يعني : وآيات كتاب ظاهر لمن تدبره ووعاه وتفكر في معانيه وأحكامه ليستيقن أنه من عند الله . فهو لم يتقوله أنت ولا أحد سواك من البشر أو الجن .