في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ} (125)

112

ذلك بيان المشتبهات في العلاقة بين التوحيد الذي جاء بها إبراهيم من قبل ، وكملت في الدين الأخير ، والعقائد المنحرفة التي يتمسك بها المشركون واليهود . وهو بعض ما جاء هذا الكتاب لتبيانه . فليأخذ الرسول [ ص ] في طريقه يدعو إلى سبيل ربه دعوة التوحيد بالحكمة والموعظة الحسنة ، ويجادل المخالفين في العقيدة بالتي هي أحسن . فإذا اعتدوا عليه وعلى المسلمين عاقبهم بمثل ما اعتدوا . إلا أن يغفروا ويصبر مع المقدرة على العقاب بالمثل ؛ مطمئنا إلى أن العاقبة للمتقين المحسنين . فلا يحزن على من لا يهتدون ، ولا يضيق صدره بمكرهم به وبالمؤمنين :

( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ، وجادلهم بالتي هي أحسن ، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ، وهو أعلم بالمهتدين . وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين . واصبر وما صبرك إلا بالله . ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون . إن الله مع الذين اتقوا ، والذين هم محسنون ) .

على هذه الأسس يرسي القرآن الكريم قواعد الدعوة ومبادئها ، ويعين وسائلها وطرائقها ، ويرسم المنهج للرسول الكريم ، وللدعاة من بعده بدينه القويم فلننظر في دستور الدعوة الذي شرعه الله في هذا القرآن .

إن الدعوة دعوة إلى سبيل الله . لا لشخص الداعي ولا لقومه . فليس للداعي من دعوته إلا أنه يؤدي واجبه لله ، لا فضل له يتحدث به ، لا على الدعوة ولا على من يهتدون به ، وأجره بعد ذلك على الله .

والدعوة بالحكمة ، والنظر في أحوال المخاطبين وظروفهم ، والقدر الذي يبينه لهم في كل مرة حتى لا يثقل عليهم ولا يشق بالتكاليف قبل استعداد النفوس لها ، والطريقة التي يخاطبهم بها ، والتنويع في هذه الطريقة حسب مقتضياتها . فلا تستبد به الحماسة والاندفاع والغيرة فيتجاوز الحكمة في هذا كله وفي سواه .

وبالموعظة الحسنة التي تدخل إلى القلوب برفق ، وتتعمق المشاعر بلطف ، لا بالزجر والتأنيب في غير موجب ، ولا يفضح الأخطاء التي قد تقع عن جهل أو حسن نية . فإن الرفق في الموعظة كثيرا ما يهدي القلوب الشاردة ، ويؤلف القلوب النافرة ، ويأتي بخير من الزجر والتأنيب والتوبيخ .

وبالجدل بالتي هي أحسن . بلا تحامل على المخالف ولا ترذيل له وتقبيح . حتى يطمئن إلى الداعي ويشعر أن ليس هدفه هو الغلبة في الجدل ، ولكن الإقناع والوصول إلى الحق . فالنفس البشرية لها كبرياؤها وعنادها ، وهي لا تنزل عن الرأي الذي تدافع عنه إلا بالرفق ، حتى لا تشعر بالهزيمة . وسرعان ما تختلط على النفس قيمة الرأي وقيمتها هي عند الناس ، فتعتبر التنازل عن الرأي تنازلا عن هيبتها واحترامها وكيانها ، والجدل بالحسنى هو الذي يطامن من هذه الكبرياء الحساسة ، ويشعر المجادل أن ذاته مصونة ، وقيمته كريمة ، وأن الداعي لا يقصد إلا كشف الحقيقة في ذاتها ، والاهتداء إليها . في سبيل الله ، لا في سبيل ذاته ونصرة رأيه وهزيمة الرأي الآخر !

ولكي يطامن الداعية من حماسته واندفاعه يشير النص القرآني إلى أن الله هو الأعلم بمن ضل عن سبيله وهو الأعلم بالمهتدين . فلا ضرورة للجاجة في الجدل إنما هو البيان والأمر بعد ذلك لله .

هذا هو منهج الدعوة ودستورها ما دام الأمر في دائرة الدعوة باللسان والجدل بالحجة .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ} (125)

120

المفردات :

بالحكمة : المقالة المحكمة المصحوبة بالدليل الموضح للحق ، المزيل للشبهة ، أو حسن التأني للأمور ، واختيار اللفظ المناسب ، والبيان المناسب .

الموعظة الحسنة : الأدلة الظنية المقنعة للعامة ، وكل ما يناسب الناس ، ويحببهم في الدين والهدى والطاعة .

جادلهم : الجدال : الحوار والمناظرة ؛ لإقناع المعاند ، وينبغي أن يكون بالأسلوب الأمثل الهادئ الرزين .

التفسير :

{ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن . . . } .

تأتي هذه الآية وما بعدها في أعقاب سورة النحل المكية ، تتحدث عن أسلوب الدعوة إلى الله تعالى وتتحدث عن أسلوب في الحياة ، يهتم بالصبر والاحتمال والإيمان بالله ، والثقة بما عنده .

إن الدعاة مطالبون بدراسة علمية عالية ، لفنون القول والخطاب ، والإحاطة بالمعلومات وطرق الجدال ، وبيان الحجة ، أحيانا نكتفي بالبيان المناسب ، والمعلومات المفيدة ، وأحيانا نحرك القلوب بالموعظة الحسنة ، والتذكير بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وأحيانا نناقش الناس بالحجة ، ونجادلهم بالمعروف وبالكلمة الطيبة ؛ لنبين الخطأ والصواب ، وهذا معنى قوله تعالى :

{ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن } .

{ الحكمة } . تشمل القول المحكم الصحيح ، الموضح للحق ، المزيل للباطل ، الواقع من النفس أجمل موقع .

{ والموعظة الحسنة } . بيان العبر والمواعظ التي جعلها الله في القرآن الكريم ، مثل : وصف السماء ، والأرض ، والجبال ، والبحار ، والأنهار ، والفضاء ، والهواء ، والليل ، والنهار ، والحياة ، والموت ، وغير ذلك مما يبين فضل الله على عباده ودعوتهم إلى طاعته وإتباع أمره واجتناب نهيه .

{ وجادلهم بالتي هي أحسن } .

أي : ناقش المخالفين بالهدوء والبيان ، بلا تحامل على المخالف ، ولا ترذيل له ، حتى يطمئن إلى الدعوة ، وينظر إلى الموضوع نظرة واقعية عميقة ، فالجدل بالتي هي أحسن ، هو الذي يفتح نفس المخاطب ، ويطمئنه إلى الهدى والرشاد .

{ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } .

إن الدعاة هداة لا قضاة ، وكذلك الأنبياء والرسل ، عليهم تبليغ الدعوة والنصح والنقاش الهادئ ، أما الهداية والدخول في الإسلام الحق ، فتلك مهمة الله الخالق البارئ الهادي .

قال تعالى : { ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء . . . }( البقرة : 272 ) .

وقال سبحانه : { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } ( القصص : 56 ) .

وقال سبحانه : { فذكر إنما أنت مذكر* لست عليهم بمصيطر } ( الغاشية : 22 ، 21 ) .

والمعنى : اسلك أيها الرسول سبل الدعوة وأساليبها المفيدة النافعة ، أما الهداية العملية ، وانتقال الناس من الضلالة إلى الهدى ، فذلك أمر بيد الله تعالى ؛ فهو أعلم بالضالين المعاندين ، وهو أعلم بالمهتدين الطائعين ، وسيجازي كل فريق بما يستحق .