في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَقُرۡءَانٗا فَرَقۡنَٰهُ لِتَقۡرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكۡثٖ وَنَزَّلۡنَٰهُ تَنزِيلٗا} (106)

73

ومن ثم فقد جاء هذا القرآن مفرقا وفق الحاجات الواقعية لتلك الأمة ، ووفق الملابسات التي صاحبت فترة التربية الأولى . والتربية تتم في الزمن الطويل ، وبالتجربة العملية في الزمن الطويل . جاء ليكون منهجا عمليا يتحقق جزءا جزءا في مرحلة الإعداد ، لا فقها نظريا ولا فكرة تجريدية تعرض للقراءة والاستمتاع الذهني !

وتلك حكمة نزوله متفرقا ، لا كتابا كاملا منذ اللحظة الأولى .

ولقد تلقاه الجيل الأول من المسلمين على هذا المعنى . تلقوه توجيها يطبق في واقع الحياة كلما جاءهم منه أمر أو نهى ، وكلما تلقوا منه أدبا أو فريضة . ولم يأخذوه متعة عقلية أو نفسية كما كانوا يأخذون الشعر والأدب ؛ ولا تسلية وتلهية كما كانوا يأخذون القصص والأساطير فتكيفوا به في حياتهم اليومية . تكيفوا به في مشاعرهم وضمائرهم ، وفي سلوكهم ونشاطهم . وفي بيوتهم ومعاشهم . فكان منهج حياتهم الذي طرحوا كل ما عداه مما ورثوه ، ومما عرفوه ، ومما مارسوه قبل أن يأتيهم هذا القرآن .

قال ابن مسعود - رضي الله عنه - كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن .

ولقد أنزل الله هذا القرآن قائما على الحق : ( وبالحق أنزلناه ) فنزل ليقر الحق في الأرض ويثبته : ( وبالحق نزل ) . . فالحق مادته والحق غايته . ومن الحق قوامه ، وبالحق اهتمامه . . الحق الأصيل الثابت في ناموس الوجود ، والذي خلق الله السماوات والأرض قائمين به ، متلبسا بهما ، والقرآن مرتبط بناموس الوجود كله ، يشير إليه ويدل عليه وهو طرف منه . فالحق سداه ولحمته ، والحق مادته وغايته . والرسول مبشر ومنذر بهذا الحق الذي جاء به .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَقُرۡءَانٗا فَرَقۡنَٰهُ لِتَقۡرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكۡثٖ وَنَزَّلۡنَٰهُ تَنزِيلٗا} (106)

105

المفردات :

فرقناه : نزلناه مفرقا على حسب الحوادث . وقيل : فرقنا فيه الحق من الباطل .

على مكث : أي : على مهل . وقرئ على مكث بفتح الميم ، وكلاهما بمعنى التؤدة والتأني .

التفسير :

106- { وقرآنا فرقناه لتقرأه على النّاس على مكث ونزّلناه تنزيلا . . . }

{ وقرآنا{[514]} فرقناه } أي : جعلنا نزوله مفرقا منجما ، وقرئ : فرقناه بالتشديد{[515]} .

قال ابن عباس : لم ينزل في يومين أو ثلاثة بل كان بين أوله وآخره عشرون سنة{[516]} .

{ لتقرأه على الناس على مكث } أي : على مهل وتؤدة وتثبت ، فإنه أيسر للحفظ وأعون على الفهم .

{ ونزّلناه تنزيلا } أي : على حسب المصالح والحوادث ، فقد كان القرآن كتاب الحياة يعالج أخطاءها ، ويقوم عوجها ، ويجيب على أسئلة السائلين ، ويرد على شبه المخالفين ، وإذا تتبعنا أسباب نزول القرآن ؛ ظهرت الحكمة واضحة ، في تفريق القرآن ونزوله نجوما ؛ لأن النفوس إذا وقعت في مشكلة ؛ تشوفت إلى آيات تحلها ، وتأخير الآيات إلى وقت الحاجة ؛ يجعل النفوس تتعلق بها وتتذكر قصتها كلما قرأتها .

فمشروعية التيمم ، وحد اللعان ، وحد القذف ، وحد الزنا ، وتحريم الخمر ، وتحريم التخلف عن الجهاد ، وتحريم التبني ، وكثير من الأحكام المشابهة ، كانت قضايا ومشاكل في المجتمع تحتاج إلى حل وبيان فكانت آيات القرآن تنزل إثر كل مشكلة توضح حكمها ، وتبين حلها .

ففي كتب الصحاح : أن المسلمين تأخروا في بعض الغزوات ؛ ليبحثوا عن عقد للسيدة عائشة ، ولم يكن معهم ماء ؛ فنزلت آية التيمم .

وأن رجلا اتهم زوجته بالزنا ؛ فنزلت آية اللعان .

واتهم بعض الناس السيدة عائشة بالزنا مع صفوان ابن المعطل ؛ فنزل حد القذف .

وسكر بعض المسلمين وأساء للآخرين ؛ فنزل تحريم الخمر .

وتخلف ثلاثة من المسلمين عن غزوة تبوك ؛ فنزلت سورة التوبة تفضح المنافقين وتلوم المتخلفين .

وكان التبني معروفا في الجاهلية وصدر الإسلام ، ثم حرم القرآن التبني وأمر الله رسوله أن يتزوج مطلقة ابنه المتبني ، ليشرع بنفسه للناس إبطال هذه العادة .

وهكذا نجد أن نزول القرآن مفرقا في عشرين سنة كان فرصة مناسبة ؛ ليشرع الأحكام ، ويبين الحدود ، ويوضح الحلال والحرام ، وكان الصحابة يتسابقون إلى العمل بالآيات قبل أن يحفظوها ، فطبقوا القرآن سلوكا وهديا ، وتعبدا وعملا ، مع عنايتهم به قراءة وحفظا .

أخرج البيهقي في الشعب عن عمر رضي الله عنه أنه قال : تعلموا القرآن خمس آيات ، خمس آيات ، فإن جبريل عليه السلام كان ينزل خمسا خمسا ، وكذلك أخرج ابن عساكر عن أبي سعيد الخدري ، والمراد : أن الغالب كذلك ؛ فقد صح أنه نزل بأكثر من ذلك وبأقل منه .


[514]:- قرآنا منصوب بفعل محذوف يفسره فرقناه.
[515]:- قال الطبري: اختلف القراء في قراءة ذلك فقرأته عامة قراء الأمصار: فرقناه بتخفيف الراء من فرقناه بمعنى: أحكمناه وفصلناه وبيناه، وذكر عن ابن عباس: أنه كان يقرؤه بتشديد الراء فرقناه بمعنى: نزلناه شيئا بعد شيء، آية بعد آية، وقصة بعد قصة، وأولى القراءتين بالصواب القراءة الأولى.
[516]:- تفسير النيسابوري 15/101.