في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{سَلۡ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ كَمۡ ءَاتَيۡنَٰهُم مِّنۡ ءَايَةِۭ بَيِّنَةٖۗ وَمَن يُبَدِّلۡ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ} (211)

204

هنا يلتفت السياق لفتة أخرى . فيخاطب النبي [ ص ] يكلفه أن يسأل بني إسرائيل - وهم نموذج التلكؤ في الاستجابة كما وصفتهم هذه السورة من قبل - : كم آتاهم الله من آية بينة ثم لم يستجيبوا ! وكيف بدلوا نعمة الله ، نعمة الإيمان والسلم ، من بعد ما جاءتهم :

( سل بني إسرائيل : كم آتيناهم من آية بينة ، ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب ) . .

والعودة هنا إلى بني إسرائيل عودة طبيعية ، فهنا تحذير من موقف بنو إسرائيل فيه أصلاء ! موقف التلكؤ دون الاستجابة ؛ وموقف النشوز وعدم الدخول في السلم كافة ؛ وموقف التعنت وسؤال الخوارق ، ثم الاستمرار في العناد والجحود . . وهذه هي مزالق الطريق التي يحذر الله الجماعة المسلمة منها ، كي تنجو من عاقبة بني إسرائيل المنكودة .

( سل بني إسرائيل : كم آتيناهم من آية بينة ) . .

والسؤال هنا قد لا يكون مقصورا على حقيقته . إنما هو أسلوب من أساليب البيان ، للتذكير بكثرة الآيات التي آتاها الله بني إسرائيل ، والخوارق التي أجراها لهم . . إما بسؤال منهم وتعنت ، وإما ابتداء من عند الله لحكمة حاضرة . . ثم ما كان منهم - على الرغم من كثرة الخوارق - من تردد وتلكؤ وتعنت ونكوص عن السلم الذي يظلل كنف الإيمان .

ثم يجيء التعقيب عاما :

( ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب ) . .

ونعمة الله المشار إليها هنا هي نعمة السلم . أو نعمة الإيمان . فهما مترادفان . والتحذير من تبديلها يجد مصداقه أولا في حال بني إسرائيل ، وحرمانهم من السلم والطمأنينة والاستقرار ، منذ أن بدلوا نعمة الله ، وأبوا الطاعة الراضية ، والاستسلام لتوجيه الله . وكانوا دائما في موقف الشاك المتردد ، الذي يظل يطلب الدليل من الخارقة في كل خطوة وكل حركة ؛ ثم لا يؤمن بالمعجزة ، ولا يطمئن لنور الله وهداه ، والتهديد بشدة عقاب الله يجد مصداقه أولا في حال بني إسرائيل ، ويجد مصداقه أخيرا فيما ينتظر المبدلين للنعمة المتبطرين عليها في كل زمان .

وما بدلت البشرية هذه النعمة إلا أصابها العقاب الشديد في حياتها على الأرض قبل عقاب الآخرة . وها هي ذي البشرية المنكودة الطالع في أنحاء الأرض كلها تعاني العقاب الشديد ؛ وتجد الشقوة النكدة ؛ وتعاني القلق والحيرة ؛ ويأكل بعضها بعضا ؛ ويأكل الفرد منها نفسه وأعصابه ، ويطارها وتطارده بالأشباح المطلقة ، وبالخواء القاتل الذي يحاول المتحضرون أن يملأوه تارة بالمسكرات والمخدرات ، وتارة بالحركات الحائرة التي يخيل إليك معها أنهم هاربون تطاردهم الأشباح !

ونظرة إلى صورهم في الأوضاع العجيبة المتكلفة التي يظهرون بها : من مائلة برأسها ، إلى كاشفة عن صدرها ، إلى رافعة ذيلها ، إلى مبتدعة قبعة غريبة على هيئة حيوان ! إلى واضع رباط عنق رسم عليه تيتل أو فيل ! إلى لابس قميص تربعت عليه صورة أسد أو دب !

ونظرة إلى رقصاتهم المجنونة ، وأغانيهم المحمومة ، وأوضاعهم المتكلفة وأزيائهم الصارخة في بعض الحفلات والمناسبات ؛ ومحاولة لفت النظر بالشذوذ الصارخ ، أو ترضية المزاج بالتميز الفاضح . .

ونظرة إلى التنقل السريع المحموم بين الأهواء والأزواج والصداقات والأزياء بين فصل وفصل ، لا بل بين الصباح والمساء !

كل أولئك يكشف عن الحيرة القاتلة التي لا طمأنينة فيها ولا سلام . ويكشف عن حالة الملل الجاثم التي يفرون منها ، وعن حالة " الهروب " من أنفسهم الخاوية وأرواحهم الموحشة ، كالذي تطارده الجنة والأشباح .

وإن هو إلا عقاب الله ، لمن يحيد عن منهجه ، ولا يستمع لدعوته : ( يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ) . .

وإن الإيمان الواثق لنعمة الله على عباده ، لا يبدلها مبدل حتى يحيق به ذلك العقاب . . والعياذ بالله .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{سَلۡ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ كَمۡ ءَاتَيۡنَٰهُم مِّنۡ ءَايَةِۭ بَيِّنَةٖۗ وَمَن يُبَدِّلۡ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ} (211)

تبديل النعم

{ سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب( 211 ) }

والعودة هنا على بني إسرائيل عودة طبيعية ، فيها تحذير من بني إسرائيل في التلكؤ والنشوز ، والتعنت وسؤال الخوارق ، ثم الاستمرار في العناد والجحود وهذه هي مزالق الطريق التي يحذر الله الجماعة المسلمة منها كي تنجو من عاقبة بني إسرائيل المنكودة .

المعنى الإجمالي :

سل بني إسرائيل كم سقنا إليهم الأدلة القاطعة على صدق الرسول ، وفي ذلك نعمة هدايتهم إلى الله فكفروا بهذه الأدلة وعمدوا بتكذيبهم إلى تبديل الغرض منها ، فبعد أن وضعت للهداية ، أصبحت بالنسبة لكفر هؤلاء بها سببا في زيادة ضلالهم وإثمهم ، ومن يبدل نعم الله بهذه الصورة يحق عليه العذاب لأن الله شديد العقاب .

التفسير :

{ سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة }

سل فعل أمر من سأل وأصله اسأل فنقلت فتحة الهمزة إلى السين قبلها وصارت ساكنة فحذفت ، ولما فتحت السين لم يكن هناك حاجة إلى همزة الوصل فحذفت أيضا ، والمراد بهذا السؤال تقريعهم على جحودهم الحق بعد وضوح الآيات ، إجابتهم كما إذا أراد منا توبيخ أحد ، فيقول لمن حضره : سله كم أنعمت عليه ؟ .

قال الفخري الرازي :

اعلم أنه ليس المقصود : سل بني إسرائيل ليخبروك عن تلك الآيات فتعلمها ، وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عالما بتلك الأحوال ، بإعلام الله تعالى إياه ، بل المقصود منه المبالغة في الزجر عن الإعراض عن دلائل الله تعالى .

أي سل هؤلاء الحاضرين أنا لما آتينا أسلافهم آيات بينات فأنكروها ، لا جرم استوجبوا العقاب من الله تعالى وذلك تنبيه لهؤلاء الحاضرين ، على أنهم لو زلوا عن آيات الله ، لوقعوا كما وقع أولئك المتقدمون فيه ، والمقصود من ذكر هذه الحكاية أن يعتبروا بغيرهم . ( 145 ) .

ومن الآيات البينات والمعجزات الواضحات التي أظهرها الله لبني إسرائيل : عصا موسى التي ألقاها فإذا هي حية تسعى ، والتي ألقاها فإذا هي تلقف ما صنعه السحرة ، والتي ضرب بها البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ، وإرسال الجرد والقمل والضفادع والدم إليهم ، وإنقاذهم من فرعون ، وفرق البحر بهم ، وإرسال المن والسلوى عليهم ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وحدانية الله ، وصدق موسى في رسالته ومع ذلك فمنهم من قال : { أرنا الله جهرة } . ( النساء : 153 )

ومنهم من عبد العجل ، قال تعالى : { واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خورا ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين } . ( الأعراف : 148 ) .

ثم بين سبحانه سوء عاقبة الجاحدين لآياته فقال :

{ ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب }

أي ومن يبدل نعمة الله من بعدما وصلت إليه واتضحت له ، بأن كفر بها مع أنها تدعو إلى الإيمان ، وجحد فضلها مع أنها تستلزم منه الشكر لمسديها ، من يبدل ذلك التبديل ، فإن الله سيعاقبه عقابا شديدا .

وما بدلت البشرية هذه النعمة إلا أصابها العقاب الشديد في حياتها في الأرض قبل عقاب الآخرة ، وها هي ذي البشرية المنكودة الطالع في أنحاء الأرض كلها تعاني العقاب الشديد ، وتجد الشقوة النكدة ، وتعاني القلق والحيرة ويأكل بعضها بعضا .

ونظرة إلى التنقل السريع المحمول بيت الأهواء والأزواج والصداقات والأزياء ، بين فصل وفصل ، لا بين الصباح والمساء ، كل هذا يكشف عن الحيرة القاتلة التي لا طمأنينة فيها ولا سلام . وإن هو إلا عقاب الله لمن يحيد عن منهجه ، ولا يستمع لدعوته : يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة . . . ون الإيمان الواثق لنعمة الله على عباده ، ولا يبدلها مبدل حتى يحيق به ذلك العذاب والعياذ بالله . ( 146 ) .

***