وفي ظل هذا التحذير من التلكؤ في الاستجابة ، والتبديل بعد النعمة ، يذكر حال الذين كفروا وحال الذين آمنوا ؛ ويكشف عن الفرق بين ميزان الذين كفروا وميزان الذين آمنوا للقيم والأحوال والأشخاص :
( زين للذين كفروا الحياة الدنيا ، ويسخرون من الذين آمنوا ، والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة ، والله يرزق من يشاء بغير حساب ) . .
لقد زينت للذين كفروا هذه الحياة الدنيا ؛ بأعراضها الزهيدة ، واهتماماتها الصغيرة . زينت لهم فوقفوا عندها لا يتجاوزونها ؛ ولا يمدون بأبصارهم إلى شيء وراءها ؛ ولا يعرفون قيما أخرى غير قيمها . والذي يقف عند حدود هذه الحياة الدنيا لا يمكن أن يسمو تصوره إلى تلك الاهتمامات الرفيعة التي يحفل بها المؤمن ، ويمد إليها بصره في آفاقها البعيدة . . إن المؤمن قد يحتقر أعراض الحياة كلها ؛ لا لأنه أصغر منها همة أو أضعف منها طاقة ، ولا لأنه سلبي لا ينمي الحياة ولا يرقيها . . ولكن لأنه ينظر إليها من عل - مع قيامه بالخلافة فيها ، وإنشائه للعمران والحضارة ، وعنايته بالنماء والإكثار - فينشد من حياته ما هو أكبر من هذه الاعراض وأغلى . ينشد منها أن يقر في الأرض منهجا ، وأن يقود البشرية إلى ما هو أرفع وأكمل ، وأن يركز راية الله فوق هامات الأرض والناس ، ليتطلع إليها البشر في مكانها الرفيع ، وليمدوا بأبصارهم وراء الواقع الزهيد المحدود ، الذي يحيا له من لم يهبه الإيمان رفعة الهدف ، وضخامة الاهتمام ، وشمول النظرة .
وينظر الصغار الغارقون في وحل الأرض ، المستعبدون لأهداف الأرض . . ينظرون للذين آمنوا ، فيرونهم يتركون لهم وحلهم وسفسافهم ، ومتاعهم الزهيد ؛ ليحاولوا آمالا كبارا لا تخصهم وحدهم ، ولكن تخص البشرية كلها ؛ ولا تتعلق بأشخاصهم إنما تتعلق بعقيدتهم ؛ ويرونهم يعانون فيها المشقات ؛ ويقاسون فيها المتاعب ؛ ويحرمون أنفسهم اللذائذ التي يعدها الصغار خلاصة الحياة وأعلى أهدافها المرموقة . . ينظر الصغار المطموسون إلى الذين آمنوا - في هذه الحال - فلا يدركون سر اهتماماتهم العليا . عندئذ يسخرون منهم . يسخرون من حالهم ، ويسخرون من تصوراتهم ، ويسخرون من طريقهم الذي يسيرون فيه !
( زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا . . . ) . .
ولكن هذا الميزان الذي يزن الكافرون به القيم ليس هو الميزان . . إنه ميزان الأرض . ميزان الكفر . ميزان الجاهلية . . أما الميزان الحق فهو في يد الله سبحانه . والله يبلغ الذين آمنوا حقيقة وزنهم في ميزانه :
( والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة ) . .
هذا هو ميزان الحق في يد الله . فليعلم الذين آمنوا قيمتهم الحقيقية في هذا الميزان . وليمضوا في طريقهم لا يحفلون سفاهة السفهاء ، وسخرية الساخرين ، وقيم الكافرين . . إنهم فوقهم يوم القيامة . فوقهم عند الحساب الختامي الأخير . فوقهم في حقيقة الأمر بشهادة الله أحكم الحاكمين .
والله يدخر لهم ما هو خير ، وما هو أوسع من الرزق . يهبهم إياه حيث يختار ؛ في الدنيا أو في الآخرة ، أو في الدارين وفق ما يرى أنه لهم خير :
( والله يرزق من يشاء بغير حساب ) . .
وهو المانح الوهاب يمنح من يشاء ، ويفيض على من يشاء . لا خازن لعطائه ولا بواب ! وهو قد يعطي الكافرين زينة الحياة الدنيا لحكمة منه ، وليس لهم فيما أعطوا فضل . وهو يعطي المختارين من عباده ما يشاء في الدنيا أو في الآخرة . . فالعطاء كله من عنده . واختياره للأخيار هو الأبقى والأعلى . .
وستظل الحياة أبدا تعرف هذين النموذجين من الناس . . تعرف المؤمنين الذين يتلقون قيمهم وموازينهم وتصوراتهم من يد الله ؛ فيرفعهم هذا التلقي عن سفساف الحياة وأعراض الأرض ، واهتمامات الصغار ؛ وبذلك يحققون إنسانيتهم ؛ ويصبحون سادة للحياة ، لا عبيدا للحياة . . كما تعرف الحياة ذلك الصنف الآخر : الذين زينت لهم الحياة الدنيا ، واستعبدتهم أعراضها وقيمها ؛ وشدتهم ضروراتهم وأوهاقهم إلى الطين فلصقوا به لا يرتفعون !
وسيظل المؤمنون ينظرون من عل إلى أولئك الهابطين ؛ مهما أوتوا من المتاع والأعراض . على حين يعتقد الهابطون أنهم هم الموهوبون ، وأن المؤمنين هم المحرومون ؛ فيشفقون عليهم تارة ويسخرون منهم تارة . وهم أحق بالرثاء والإشفاق . .
{ زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب( 212 ) }
التزيين : جعل الشيء زينا أي شديد الحسن .
وإن السبب في الانحراف والكفر هو طلب الدنيا ، فقد زين للذين كفروا شهوات الحياة الدنيا ، فمضوا في الآخرة يسخرون من الذين آمنوا ، لانشغالهم بالحياة الآخرة ، والله جاعل الذين آمنوا أعلى مكانا منهم في الآخرة ، فأما زيادة هؤلاء الكفار بالمال والزينة في الدنيا فلا يدل على أفضليتهم ، لأن رزق الله لا يقدر على حساب الإيمان والكفر ، بل يجري تبعا لمشيئته فمن الناس من يزاد له الرزق استدراجا ، ومنهم من يقتر عليه اختيارا .
{ زين للذين كفروا الحياة الدنيا . . . }
إن الحياة الدنيا قد زينت للكافرين فأحبوها ، وتهافتوا عليها تهافت الفراش على النار ، وصارت متعها وشهواتها كل تفكيرهم ، أما الآخرة فلم يفكروا فيها ولم يهيئوا أنفسهم للقائها .
والمزين هو خالقها ومخترعها وخالق الكفر ، ويزينها أيضا الشيطان بوسوسته وإغوائه ، وخص الذين كفروا بالذكر لقبولهم التزيين جملة وإقبالهم على الدنيا وإعراضهم عن الآخرة بسببها ، وقد جعل الله ما على الأرض زينة لها ليبلو الخلق أيهم أحسن عملا .
فالمؤمنون الذين هم على سنن الشرع لم تفتنهم الزينة ، والكفار تملكتهم لأنهم لا يعتقدون غيرها( 147 ) .
إن هدف المؤمن أن يرضي ربه وأن يضحي بنفسه وماله من أجا نصرة دين الله ، وتحقيق منهجه في الحياة ، وهدف الكفار الاستمتاع بالحياة الدنيا كل همهم ، وهم لذلك يسخرون من المؤمنين ، الذين باعوا الدنيا واشتروا ما عند الله ، وصار هم المؤمنين مرضاة ربهم وتحقيق رسالة ربهم .
قال تعالى : { إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون*وإذا مروا بهم يتغامزون*وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين*وإذا رأوا قالوا إن هؤلاء لضالون*وما أرسلوا عليهم حافظين ، فاليوم الذي آمنوا من الكفار يضحكون } . ( المطففين : 29-34 ) .
وقد ذكر بعض المفسرين في سبب نزول هذه الآية روايات منها : أنها نزلت في المنافقين : عبد الله بن أبى وحزبه ، كانوا يتنعمون في الدنيا ، أو يسخرون من ضعفاء المؤمنين ، وفقراء المهاجرين ، ويقولون : انظروا إلى هؤلاء الذين يزعم محمد أنه يغلب بهم .
ومنها أنها نزلت عن أبى جهل ورؤساء قريش كانوا يسخرون من فقراء المسلمين كعمار بن ياسر ، وصهيب ابن سنان الرومي ، وبلال بن رباح وخباب بن الأرت ، وسالم مولى أبى حذيفة ، وعامر بن فهيرة مولى أبى بكر ، وعبد الله بن مسعود وأبى هريرة الدوسي( 148 ) ، وفي نحوهم من الفقراء يقول الله تعالى :
{ والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة }
يعني أن هؤلاء النفر من المؤمنين فوق المنافقين والكافرين يوم القيامة ، لأن تقواهم قد رفعتهم إلى أعلى عليين ، أما الذين كفروا فإن كفرهم قد هبط بهم إلى النار وبئس القرار .
فإذا استعلى بعضهم على بعض المؤمنين طائفة من الزمن في هذه الحياة القصيرة الفانية ، بما يكون لهم من الأتباع والأنصار والمال والسلطان ، فإن المؤمنين يكونون أعلى منهم مقاما يوم القيامة في تلك الحيات العلية الأبدية( 149 ) .
{ والله يرزق من يشاء بغير حساب }
وهو المانح الوهاب يمنح من يشاء ويفيض على من يشاء لا خازن لعطائه ولا بواب ، وهو قد يعطي الكافرين زينة الحياة الدنيا لحكمة منه ، وليس لهم فيما أعطوا فضل ، وهو قد يعطي الكافرين المختارين من عباده ما يشاء في الدنيا أو في الآخرة ، فالعطاء كله عنده ، واختياره للأخيار هو الأبقى والأعلى .
" إن الرزق بغير حساب ولا سعي في الدنيا إنما يصح بالنسبة للأفراد ، فإنك ترى كثيرا من الأبرار وكثيرا من الفجار ، أغنياء موسرين متمتعين بسعة الرزق ، وكثيرا من الفريقين فقراء معسرين ، والمتقي يكون دائما أحسن حالا وأكبر احتمالا ، ومحلا لعناية الله تعالى به ، فلا يؤلمه الفقر كما يؤلم الفاجر ، فهو يجد بالتقوى مخرجا من كل ضيق ، ويجد من عناية الله رزقا غير محتسب وأما الأمم فأمرها على غير هذا ، فإن الله يعطي الأمة بعملها ويسلبها بزللها " ( 150 ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.