في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{لَيۡسَ لَكَ مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٌ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡ أَوۡ يُعَذِّبَهُمۡ فَإِنَّهُمۡ ظَٰلِمُونَ} (128)

121

( أو يتوب عليهم ) . .

فإن انتصار المسلمين قد يكون للكافرين عظة وعبرة ، وقد يقودهم إلى الإيمان والتسليم ، فيتوب الله عليهم من كفرهم ، ويختم لهم بالإسلام والهداية . .

( أو يعذبهم فإنهم ظالمون ) . .

يعذبهم بنصر المسلمين عليهم . أو بأسرهم . أو بموتهم على الكفر الذي ينتهي بهم إلى العذاب . . جزاء لهم على ظلمهم بالكفر ، وظلمهم بفتنة المسلمين ، وظلمهم بالفساد في الأرض ، وظلمهم بمقاومة الصلاح الذي يمثله منهج الإسلام للحياة وشريعته ونظامه . . إلى آخر صنوف الظلم الكامنة في الكفر والصد عن سبيل الله .

وعلى أية حال فهي حكمة الله ، وليس لبشر منها شيء . . حتى رسول الله [ ص ] يخرجه النص من مجال هذا الأمر ، ليجرده لله وحده - سبحانه - فهو شأن الألوهية المتفردة بلا شريك .

بذلك ينسلخ المسلمون بأشخاصهم من هذا النصر : من أسبابه ومن نتائجه ! وبذلك يطامنون من الكبر الذي يثيره النصر في نفوس المنتصرين ، ومن البطر والعجب والزهو الذي تنتفخ به أرواحهم وأوداجهم ! وبذلك يشعرون أن ليس لهم من الأمر شيء ، إنما الأمر كله لله أولا وأخيرا .

وبذلك يرد أمر الناس - طائعهم وعاصيهم - إلى الله . فهذا الشأن شأن الله وحده - سبحانه . شأن هذه الدعوة وشأن هؤلاء الناس معها : طائعهم وعاصيهم سواء . . وليس للنبي [ ص ] وليس للمؤمننين معه إلا أن يؤدوا دورهم ، ثم ينفضوا أيديهم من النتائج ، وأجرهم من الله على الوفاء ، وعلى الولاء ، وعلى الأداء .

وملابسة أخرى في السياق اقتضت هذا التنصيص : ( ليس لك من الأمر شيء ) فسيرد في السياق قول بعضهم : ( هل لنا من الأمر من شيء ؟ ) . . وقولهم : لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا . . . ليقول لهم : إن أحدا ليس له من الأمر من شيء . لا في نصر ولا في هزيمة . إنما الطاعة والوفاء والأداء هي المطلوبة من الناس . وأما الأمر بعد ذلك فكله لله . ليس لأحد منه شيء . ولا حتى لرسول الله . . فهي الحقيقة الأصيلة في التصور الإسلامي . وإقرارها في النفوس أكبر من الأشخاص وأكبر من الأحداث ، وأكبر من شتى الاعتبارات . .

/خ179

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{لَيۡسَ لَكَ مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٌ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡ أَوۡ يُعَذِّبَهُمۡ فَإِنَّهُمۡ ظَٰلِمُونَ} (128)

128- { ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون }

كانت الحرب سجالا بين المؤمنين والكافرين وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم سبعين قارئا لتعليم القرآن لبعض القبائل فقتلهم المشركون وقد اشتد حزن الرسول صلى الله عليه وسلم لموت القراء ودعا على المشركين79 .

وقد حدث مثل ذلك في غزوة أحد عندما لحقت الهزيمة بالمسلمين وأصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بجراح في وجهه الشريف وسال الدم منه فقال : " كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم عز وجل " فأنزل الله { ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون }80 .

وتفيذ الأحاديث الصحيحة ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو في صلاة الصبح بعد الركوع إذا قال سمع الله لمن حمده : " ربنا ولك الحمد " فيدعو بنجاة المستضعفين في مكة وربما دعا على المشركين الذين يقتلون المسلمون ويعذبونهم روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : كان ر سول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى رجال من المشركين يسميهم بأسمائهم حتى انزل الله تعالى : { ليس لك من الأمر شيئا أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون } .

والآية تشير إلى حكمة إلهية عليا يريد الله تحقيقها في هذا الكون وهي أن يدفع المؤمنون ضريبة الإيمان بالجهاد والكفاح واحتمال الابتلاء قال تعالى : { ولو يشاء ربك لجعل الناس امة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ( هود 118-119 ) .

وقال عز شأنه : { أحسب الناس ان يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ( العنكبوت 2-3 ) .

أو تشير الآية إلى ان وظيفة الرسول البلاغ قال { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } ( القصص 56 ) وقال سبحانه { فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ( الرعد 40 ) .

روى ابن كثير عن محمد بن إسحاق في قوله ليس لك من الأمر شيء أي : لك من الحكم شيء في عبادي إلا ما أمرتك به فيهم .

والمعنى : أن مالك أمرهم على الإطلاق هو الله عز وجل وله حكمة يريد تحقيقها وليس لك يا محمد من التصرف في أمر عبادي شيء بل الأمر أمر لله فإما أن يتوب عليهم بالإيمان أو بتوجيههم للاعتبار فإن انتصار المسلمين قد يكون فيه للكافرين عظة وعبرة فيقودهم إلى الإيمان والتسليم فيتوب الله عليهم من كفرهم ويختم لهم بالإسلام والهداية .

{ او يعذبهم فإنهم ظالمين }

أو يعذبهم بنصرة المسلمين عليهم بأسرهم او يعذبهم بالقتل والخزي والعذاب يوم القيامة لانهم ظلموا أنفسهم حين حرموها من النظر والاعتبار والهداية وأصروا على الكفر واستحبوا العمى على الهدى { وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } ( النحل 33 ) .

/خ129