في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمۡ خَلَـٰٓئِفَ ٱلۡأَرۡضِ وَرَفَعَ بَعۡضَكُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمُۢ} (165)

154

( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ )

ختام السورة:

خاتمة تفسير سورة الأنعام

ولا نحتاج أن نكرر ما قلناه مراراً من دلالة هذه المثاني التي تردد في المطالع والختام . فهي صور متنوعةللحقيقة الواحدة . . الحقيقة التي تبدو مرة في صورة عقيدة في الضمير . وتبدو مرة في صورة منهج للحياة . . وكلتا الصورتين تعنيان حقيقة واحدة في مفهوم هذا الدين . .

ولكننا نتلفت الآن - وقد انتهى سياق السورة - على المدى المتطاول ، والمساحة الشاسعة ، والأغوار البعيدة . . تلك التي تتراءى فيها أبعاد السورة - ما سبق منها في الجزء السابع وما نواجهه منها في هذا الجزء - فإذا هو شيء هائل هائل . . وننظر إلى حجم السورة ، فإذا هي كذا صفحة ، وكذا آية ، وكذا عبارة . . ولو كان هذا في كلام البشر ما اتسعت هذه الرقعة لعشر معشار هذا الحشد من الحقائق والمشاهد والمؤثرات والموحيات ؛ في مثل هذه المساحة المحدودة ! . . وذلك فضلاً على المستوى المعجز الذي تبلغه هذه الحقائق بذاتها ، والذي يبلغه التعبير عنها كذلك . .

ألا إنها رحلة شاسعة الآماد ، عميقة الأغوار ، هائلة الأبعاد هذه التي قطعناها مع السورة . . رحلة مع حقائق الوجود الكبيرة . . رحلة تكفي وحدها لتحصيل " مقومات التصور الإسلامي " !

حقيقة الألوهية بروعتها وبهائها وجلالها وجمالها . .

وحقيقة الكون والحياة وما وراء الكون والحياة من غيب مكنون ، ومن قدر مجهول ، ومن مشيئة تمحو وتثبت ، وتنشئ وتعدم ، وتحيي وتميت ، وتحرك الكون والأحياء والناس كما تشاء .

وحقيقة النفس الإنسانية ، بأغوارها وأعماقها ، ودروبها ومنحنياتها ، وظاهرها وخافيها ، وأهوائها وشهواتها ، وهداها وضلالها ، وما يوسوس لها من شياطين الإنس والجن . وما يقود خطواتها من هدى أو ضلال . .

ومشاهد قيامة ، ومواقف حشر ، ولحظات كربة وضيق ، ولحظات أمل واستبشار . ولقطات من تاريخ الإنسان في الأرض ؛ ولقطات من تاريخ الكون والحياة .

وحشود وحشود من هذه المجالي التي لا نملك تلخيصها في هذه العجالة . والتي لا تعبر عنها إلا السورة نفسها ، في سياقها الفريد ، وفي أدائها العجيب .

إنه الكتاب " المبارك " . . وهذه - بلا شك - واحدة من بركاته الكثيرة . . والحمد لله رب العالمين . .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمۡ خَلَـٰٓئِفَ ٱلۡأَرۡضِ وَرَفَعَ بَعۡضَكُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمُۢ} (165)

ثم ختمت السورة بهذه الآية { وَهُوَ الذي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأرض } أى : خلائف القرون الماضية ، فأورثكم أرضهم لتخلفوهم فيها وتعمروها بعدهم .

وخلائف : جمع خليفة ، وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفة ، لأنه يخلفه .

وقوله : { وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ } أى : فاوت بينكم فى الأرزاق والأخلاق والمحاسن والمساوىء والمناظر والأشكال والألوان وغير ذلك .

ثم بين - سبحانه - العلة فى ذلك فقال : { لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُمْ } أى : ليختبركم فى الذى أنعم به عليكم ، يختبر الغنى فى غناه ويسأله عن شكره ، ويختبر الفقير فى فقره ويسأله عن صبره .

وفى الحديث الشريف الذى رواه الإمام مسلم عن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الدنيا حلوة خضرة . وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون ، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء ، فإن أول فتنة بنى إسرائيل كانت فى النساء " .

ثم رهب - سبحانه - من معصيته ، ورغب فى طاعته فقال . { إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العقاب } لمن عصاه وخالف رسله . { وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } لمن أطاعه واتبع سبيل المؤمنين الصادقين .

أما بعد : فهذه هى سورة الأنعام التى عالجت من مبدئها إلى نهايتها قضية العقيدة بكل مقوماتها علاجاً قوياً حكيماً يهدى إلى الرشد لمن عنده الاستعداد لذلك ، والتى طوفت بالنفس البشرية فى الكون كله لترشدها إلى خلق هذا الكون ، وتجعلها تستجيب له وتنتفع بما منحها من نعم ، والتى كشفت عن مواطن الشرك ومظاهره فى كل مظانه ومكامنه . لتدمغه وتدحضه وتخلص النفس البشرية والحياة الإنسانية من أمراضه وأدرانه .

تلك هى سورة الأنعام التى نزلت مشعة بالملأ العظيم من الملائكة وذلك تفسير تحليلى لها ، لا نزعم أننا استقصينا فيه كل ما يتعلق بهذه السورة الكريمة ، من توجيهات وهدايات ، وإنما هو قبسات من نور القرآن الكريم ، نرجو الله أن ينفع به ، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم .

{ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم } وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمۡ خَلَـٰٓئِفَ ٱلۡأَرۡضِ وَرَفَعَ بَعۡضَكُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمُۢ} (165)

قوله تعالى : { وهو الذي جعلكم خلئف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجت ليبلوكم في ما ءاتكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم } خلائق جمع خليقة . مثل كريمة وكرائم . وهو من الخلف بسكون اللام أي القرن بعد القرن{[1337]} والمعنى أن الله جعل الناس { خلئف الأرض } أي يخلف بعضهم بعضا ، كلما مضى قرن جاء بعده قرن آخر . أو كلما ذهب جيل خلفه جيل غيره . وهكذا الأمم على مر العصور يخلف بعضها بعضا . فما تجيء أمة من الأمم حتى تؤول إلى الهلاك والزوال لتعقبها أمة بعدها إلى أن تقوم الساعة . وذلك كله من تدبير الله القدير الذي صنع الحياة والعالمين بعلمه وتدبيره وحكمته .

قوله : { ورفع بعضكم فوق بعض درجت ليبلوكم في ما ءاتكم } درجات مفعول ثان لرفع . وقيل غير ذلك{[1338]} والمعنى أن الله رفع الناس بعضهم فوق بعض درجات في العقل والعلم والرزق والقوة والجاه وغير ذلك من المظاهر الدنيوية التي جاءت نتيجة لما أوتي الإنسان من قوة العقل أو الجسم أو التفكير أو التدبير . والناس بطبيعتهم متفاوتون فيما أوتوه من قدرات فطرية أو طاقات خلقية ، كطاقة الذكاء أو البسطة في الجسم أو السعة في مدى الذهن وأفق التفكير ، أو القوة في الاحتمال والتخطيط والتدبير وغير ذلك من وجوه التفاوت في القدرات الذاتية الخلقية للإنسان . لا جرم أن التفاوت في مثل هذه القدرات سيفضي بالضرورة إلى التفاوت في مدى الكسب أو التحصيل أو التميز ليكون الناس بعذ ذلك درجات كما بينته الآية . فيكون فيهم القوي والضعيف ، وفيهم الغني والفقير ، وفيهم العالم والجاهل ، وفيهم النشيط والخامل .

قوله : { ليبلوكم في ما ءاتكم } من الابتلاء وهو الامتحان والاختبار . فإن الله جل وعلا يختبر العباد فيما أوتوه من قدرات ودرجات في العقل أو الجسم أو غير ذلك من المزايا ، ليحاسب الموسر على ما آتاه الله من مال ، وليحاسب العالم بعلمه ، هل عمل به أم لم يعمل . وليحاسب ذا الجاه والمكانة بما فعله في جاهه أو مكانته ، هل استعملها في نصرة الحق أم في الباطل كظلم الناس والترفع عليهم في استكبار واستخفاف . وبذلك فإن العبد غير مسيب ولا منفك من تحمل التبعة عما أوتيه من مزايا في دنياه ولكنه مؤاخذ بها ومسؤول عنها يوم القيامة .

قوله : { إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم } أي أن عقاب الله سريع الإتيان لأن كل ما هو آت قريب . فما يكون من آت إلا كان بالغ الدنو والقرب وإن طال زمانه حتى بلغ الدهر كله . فما تغني الكافرين والظالمين والمضلين أموالهم أو مكانتهم ما دام الموت ينتظرهم ، والعذاب واقع بهم لا محالة ، وإن امتد زمانه ؟ !

وفي المقابل فإن الله { لغفور رحيم } إن الله غفار للذنوب والعيوب سواء في الدنيا إذ يسترها لعبده التائب المستغفر ، أو في الآخرة فيمحوها بواسع فضله ورحمته{[1339]} .


[1337]:- القاموس المحيط ج 3 ص 141- 142 ومختار الصحاح ص 186.
[1338]:- البيان لابن الأنباري ج 1 ص 352 وتفسير النسفي ج 1 ص 43.
[1339]:- تفسير الرازي ج 14 ص 15 وتفسير القرطبي ج 7 ص 158- 159.