وقد جعل الله في الإنجيل هدى ونورا وموعظة للمتقين ، وجعله منهج حياة وشريعة حكم لأهل الإنجيل . .
أي إنه خاص بهم ، فليس رسالة عامة للبشر - شأنه في هذا شأن التوراة وشأن كل كتاب وكل رسالة وكل رسول ، قبل هذا الدين الأخير - ولكن ما طابق من شريعته - التي هي شريعة التوراة - حكم القرآن فهو من شريعة القرآن . كما مر بنا في شريعة القصاص .
وأهل الإنجيل كانوا إذن مطالبين أن يتحاكموا إلى الشريعة التي أقرها وصدقها الإنجيل من شريعة التوراة : ( وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ) .
فالقاعدة هي الحكم بما أنزل الله دون سواه . وهم واليهود كذلك لن يكونوا على شيء حتى يقيموا التوراة والإنجيل - قبل الإسلام - وما أنزل إليهم من ربهم - بعد الإسلام - فكله شريعة واحدة ، هم ملزمون بها ، وشريعة الله الأخيرة هي الشريعة المعتمدة :
( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) . .
والنص هنا كذلك على عمومه وإطلاقه . . وصفة الفسق تضاف إلى صفتي الكفر والظلم من قبل . وليست تعني قوما جددا ولا حالة جديدة منفصلة عن الحالة الأولى . إنما هي صفة زائدة على الصفتين قبلها ، لاصقة بمن لم يحكم بما أنزل الله من أي جيل ، ومن أي قبيل .
الكفر برفض ألوهية الله ممثلا هذا في رفض شريعته . والظلم بحمل الناس على غير شريعة الله وإشاعة الفساد في حياتهم . والفسق بالخروج عن منهج الله واتباع غير طريقه . . فهي صفات يتضمنها الفعل الأول ، وتنطبق جميعها على الفاعل . ويبوء بها جميعا دون تفريق .
قوله تعالى : " وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه " قرأ الأعمش وحمزة بنصب الفعل على أن تكون اللام لام كي . والباقون بالجزم على الأمر ، فعلى الأول تكون اللام متعلقة بقوله : " وآتيناه " فلا يجوز الوقف ، أي وآتيناه الإنجيل ليحكم أهله بما أنزل الله فيه . ومن قرأه على الأمر فهو كقوله : " وأن احكم بينهم " [ المائدة : 49 ] فهو إلزام مستأنف يبتدأ به ، أي ليحكم أهل الإنجيل أي في ذلك الوقت ، فأما الآن فهو منسوخ . وقيل : هذا أمر للنصارى الآن بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فإن في الإنجيل وجوب الإيمان به ، والنسخ إنما يتصور في الفروع لا في الأصول . قال مكي : والاختيار الجزم ؛ لأن الجماعة عليه ؛ ولأن ما بعده من الوعيد والتهديد يدل على أنه إلزام من الله تعالى لأهل الإنجيل . قال النحاس : والصواب عندي أنهما قراءتان حسنتان ؛ لأن الله عز وجل لم ينزل كتابا إلا ليعمل بما فيه ، وأمر{[5678]} بالعمل بما فيه ؛ فصحتا جميعا .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.