تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَمَا جَعَلۡنَا لِبَشَرٖ مِّن قَبۡلِكَ ٱلۡخُلۡدَۖ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ ٱلۡخَٰلِدُونَ} (34)

{ 34 - 35 ْ } { وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّوَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ْ }

لما كان أعداء الرسول يقولون  تربصوا{[529]} به ريب المنون . قال الله تعالى : هذا طريق مسلوك ، ومعبد منهوك ، فلم نجعل لبشر { مِنْ قَبْلِكَ ْ } يا محمد { الْخُلْدِ ْ } في الدنيا ، فإذا مت ، فسبيل أمثالك ، من الرسل والأنبياء ، والأولياء ، وغيرهم .

{ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ْ } أي : فهل إذا مت خلدوا بعدك ، فليهنهم الخلود إذًا إن كان ، وليس الأمر كذلك ، بل كل من عليها فان ، ولهذا قال : { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ْ }


[529]:- في النسختين: يقولون قل تربصوا.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمَا جَعَلۡنَا لِبَشَرٖ مِّن قَبۡلِكَ ٱلۡخُلۡدَۖ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ ٱلۡخَٰلِدُونَ} (34)

ولما ذكر الصارم البتار{[50839]} ، للأعمار الطوال والقصار ، من الليل والنهار ، كان كأنه{[50840]} قيل : فيفنيان كل شديد ، ويبليان كل جديد ، فعطف{[50841]} عليه قوله : { وما جعلنا } {[50842]}أي بما لنا من العظمة التي اقتضت تفردنا بالبقاء{[50843]} { لبشر } وحقق عدم هذا الجعل بإثبات الجار فقال{[50844]} : { من قبلك الخلد } ناظراً{[50845]} إلى قوله { وما كانوا خالدين } بعد قوله { هل هذا إلا بشر مثلكم } وهذا من أقوى الأدلة على أن الخضر عليه السلام مات ، ويجاب بأن الحياة الطويلة ليست خلداً كما في حق عيسى عليه السلام ، {[50846]}لكن قوله صلى الله عليه وسلم{[50847]} : " اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض بعد اليوم "

وقوله{[50848]} : " " لا يبقى على رأس مائة سنة ممن هو على ظهر الأرض اليوم أحد " وقوله : " " وددنا{[50849]} أن موسى عليه السلام {[50850]}صبر فقص علينا من أمرهما " في أمثال ذلك ، يدل على موته دلالة لا تقبل ادعاء حياته بعدها إلا بأظهر منه{[50851]} .

ولما كان قولهم

{ بل هو شاعر }[ الأنبياء : 5 ] مشيراً إلى أنهم قالوا نتربص به ريب المنون كما اتفق لغيره من الشعراء ، وكان ينبغي أن لا ينتظر أحد لآخر من الأذى إلا ما يتحقق سلامته هو منه ، توجه الإنكار عليهم {[50852]}والتسلية له{[50853]} بمنع شماتتهم في قوله : { أفائن } أي {[50854]}أيتمنون موتك فإن{[50855]} { مت فهم } {[50856]}أي خاصة{[50857]} { الخالدون* } فالمنكر تقدير خلودهم على تقدير موته الموجب لإنكار تمنيهم لموته ، {[50858]}فحق الهمزة دخولها على الجزاء ، وهو فهم ، وإنما قارنت الشرط لأن{[50859]} الاستفهام له الصدر .


[50839]:من ظ ومد، وفي الأصل: النهار.
[50840]:زيد من ظ ومد.
[50841]:من ظ ومد وفي الأصل: عطف.
[50842]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[50843]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[50844]:زيد من مد.
[50845]:من ظ ومد وفي الأصل: ناظر.
[50846]:العبارة من هنا إلى "بأظهر منه" ساقطة من ظ.
[50847]:راجع سيرة ابن هشام 2 / 17 ومسند الإمام أحمد 30 /1.
[50848]:راجع مسند الإمام أحمد 2 / 88.
[50849]:زيد في مد: لو، وراجع حديث موسى في كتاب الأنبياء من صحيح البخاري.
[50850]:بياض في الأصل ملأناه من مد.
[50851]:بياض في الأصل ملأناه من مد.
[50852]:العبارة من هنا إلى "شماتتهم" ساقطة من ظ.
[50853]:زيد من مد.
[50854]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[50855]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[50856]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[50857]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[50858]:العبارة من هنا إلى "له الصدر" ساقطة من ظ.
[50859]:زيد من مد
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَا جَعَلۡنَا لِبَشَرٖ مِّن قَبۡلِكَ ٱلۡخُلۡدَۖ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ ٱلۡخَٰلِدُونَ} (34)

قوله تعالى : { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإين مت فهم الخالدون ( 34 ) كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون ( 35 ) } ذكر أن بعض المسلمين قال : إن محمدا ( ص ) لن يموت إنما هو مخلد . فأنكر ذلك الرسول ( ص ) فنزلت الآية . وقيل : طعن كفار مكة على النبي ( ص ) بأنه بشر يأكل الطعام ويموت فكيف يصح إرساله . وقال الزمخشري : كانوا يقدرون أنه سيموت فيشمتون بموته . فنفى لله عنه الشماتة بقوله : ( وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإين مت فهم الخالدون ) أي لم يجعل الله لأحد بقاء دائما في هذه الدنيا ، وإنما كل بشر لا محالة صائر إلى الموت . وهذه سنة كتبها الله على آدم وذريته ، لا تبديل لسنة الله .

قوله : ( أفإين مت فهم الخالدون ) الهمزة للاستفهام . والفاء للعطف . وإن ، شرطية . والجملة بعدها جواب الشرط . وذلك دفع للشماتة التي تخفيها قلوب الماكرين والحاسدين والمتربصين الذين يتربصون برسول الله ( ص ) دائرة الموت ، وهم أنفسهم صائرون إليه .

وهذا ديدن الحاقدين السخفاء في كل زمان ؛ إذ يتربصون بالمسلمين الدوائر فيؤملون أن تنزل بهم النائبات والبلايا ، ومنها داهية الموت . فلا جرم أن ذلك ضرب من السفه والحماقة تتلبس بهما عقول السخفاء والماكرين من الناس وهم يشمتون بخصومهم إذا أتى عليهم داهم الموت الذي لا ينجو منه أحد . وهو قوله : ( كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة )