{ هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ } كل يدعي أنه المحق .
{ فَالَّذِينَ كَفَرُوا } يشمل كل كافر ، من اليهود ، والنصارى ، والمجوس ، والصابئين ، والمشركين .
{ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ } أي : يجعل لهم ثياب من قطران ، وتشعل فيها النار ، ليعمهم العذاب من جميع جوانبهم .
{ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ } الماء الحار جدا ،
ولما قسم الناس إلى مخالف ومؤالف ، أتبعه جزاءهم بما يرغب المؤالف ويرهب المخالف على وجه موجب للأمر بالمعروف الذي من جملته الجهاد لوجهه خالصاً فقال : { هذان } أي الساجد والجاحد من جميع الفرق { خصمان } لا يمكن منهما المسالمة الكاملة إذ كل منهما في طرف .
ولما أشار بالتثنية إلى كل فرقة منهم صارت - مع كثرتها وانتشارها باتحاد الكلمة في العقيدة - كالجسد الواحد ، صرح بكثرتهم بالتعبير بالجمع فقال : { اختصموا } أي أوقعوا الخصومة بغاية الجهد ، ولما كانت الفرق المذكورة كلها مثبتة وقد جحد أكثرهم النعمة ، قال : { في ربهم } أي الذي هم بإحسانه إليهم معترفون ، لم يختصموا بسبب غيره أصلاً ، وحمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله وعبيدة بن الحارث وعلي بن أبي طالب - الذين هم أول من برز للمخاصمة بحضرة رسول الله - صلى الله عليه ورضي عنهم - للكفرة من بني عمهم : عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة ، في غزوة بدر - أولى الناس بهذه الآية لما روي في الصحيح عن أبي ذر رضي الله عنه " أنه كان يقسم أنها نزلت فيهم ، ولذلك قال علي رضي الله عنه : أنا أول من يحثو بين يدي الرحمن عز وجل يوم القيامة للخصومة " أخرجه البخاري في صحيحه ، ولعله رضي الله عنه أول الثلاثة ، قام لمنابذتهم النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان أشبّهم .
ولما ذكر خصومتهم وشرطها ، ذكر جزاءهم عليها في فصل الأمر الذي قدم ذكره ، وبدأ بالترهيب لأن الإنسان إليه أحوج فقال : { فالذين كفروا } منابذين لأمر ربهم { قطعت } تقطيعاً لا يعلم كثرته إلا الله ، بأيسر أمر ممن لا أمر لغيره { لهم } الآن وهيئت وإن وافقوا مراد ربهم بمخالفتهم أمره { ثياب من نار } تحيط بهم وهي على مقاديرهم سابغة عليهم كما كانوا يسبلون الثياب في الدنيا تعاظماً وتكبراً حال كونهم { يصب } إذا دخلوها { من فوق رؤوسهم الحميم* } أي الماء الحار حرارة لا يدري مقدارها إلا بالذوق - أعاذنا الله منه ،
قوله تعالى : { هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم ( 19 ) يصهر به ما في بطونهم والجلود ( 20 ) ولهم مقامع من حديد ( 21 ) كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق ( 22 ) } .
ذكر في سبب نزول هذه الآية أنه اختصم المسلمون وأهل الكتاب . فقال أهل الكتاب : نبينا قبل نبيكم ، وكتابنا قبل كتابكم ؛ فنحن أولى بالله منكم . وقال المسلمون : كتابنا يقضي على الكتب كلها . ونبينا خاتم الأنبياء ؛ فنحن أولى بالله منكم ، فأفلج الله الإسلام على من ناوأه{[3088]} . وأفلجه ، بمعنى أظهره{[3089]} .
الله جل وعلا يتوعد الطغاة والعصاة والفاسقين عن أمره وشرعه بعقابه الفظيع الوجيع . ويشار إلى هذه الفظاعة في التنكيل بهذه الكلمات الربانية المثيرة ذات الدلالة الظاهرة على اشتداد العذاب الموعود . العذاب الواصب البئيس الذي أعده الله للمجرمين المستكبرين وهو قوله سبحانه : ( فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار ) أي أحاطت بأجسادهم النار كالثياب تغشى الأبدان ( يصب من فوق رؤوسهم الحميم ) أي يصب على رؤوسهم الماء هو في غاية الغليان والحرارة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.