تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{۞وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمۡۚ قَالُواْ خَيۡرٗاۗ لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۚ وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞۚ وَلَنِعۡمَ دَارُ ٱلۡمُتَّقِينَ} (30)

{ 30 - 32 ْ } { وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ْ }

لما ذكر الله قيل المكذبين بما أنزل الله ، ذكر ما قاله المتقون ، وأنهم اعترفوا وأقروا بأن ما أنزله الله نعمة عظيمة ، وخير عظيم امتن الله به على العباد ، فقبلوا تلك النعمة ، وتلقوها بالقبول والانقياد ، وشكروا الله عليها ، فعلموها وعملوا لها { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا ْ } في عبادة الله تعالى ، وأحسنوا إلى عباد الله فلهم { فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً ْ } رزق واسع ، وعيشه هنية ، وطمأنينة قلب ، وأمن وسرور .

{ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ ْ } من هذه الدار وما فيها من أنواع اللذات والمشتهيات ، فإن هذه نعيمها قليل محشو بالآفات منقطع ، بخلاف نعيم الآخرة ولهذا قال : { وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ْ }

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمۡۚ قَالُواْ خَيۡرٗاۗ لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۚ وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞۚ وَلَنِعۡمَ دَارُ ٱلۡمُتَّقِينَ} (30)

ولما تم الخبر عن المنكر لما أنزل الله على ألسنة الملائكة من الروح من أمره على الأنبياء عليهم السلام ، إنكاراً لفضلهم وتكبراً بما ليس لهم ، بالاعتراض على خالقهم ، ابتدأ الخبر عن المقرين تصديقاً لهداتهم واعترافاً بفضلهم وتسليماً لمن هم عبيده في تفضيل من يشاء ، منبهاً على الوصف الذي أوجب لهم الاعتراف بالحق ، فقال حاذفاً ل " إذا " دلالة على الرضى بأيسر شيء من الخير والمدح عليه ولو لم يتكرر : { وقيل للذين اتقوا } أي خافوا عقاب الله { ماذا } أي أي شيء { أنزل ربكم } أي المحسن إليكم من روحه المحيي للأرواح ، على رسوله { قالوا } معترفين بالإنزال ، غير متوقفين في المقال ، فاهمين أن ذا مؤكدة للاستفهام لا بمعنى الذي : أنزل { خيراً } وإنما أطبق القراء على نصب هذا ورفع الأول فرقاً بين جوابي المقر والجاحد بمطابقة المقر بين الجواب والسؤال ، وعدول الجاحد بجوابه عن السؤال ؛ ثم أخذ يرغب بما لهم من حسن المآل على وجه الجواب لسؤال من كأنه قال : ما لهم على ذلك ؟ فقيل مظهراً موضع الإضمار مدحاً لهم وتعميماً لمن اتصف بوصفهم : { للذين أحسنوا } فبين أن اعترافهم بذلك إحسان ؛ ثم أخبر عنه بقوله : { في هذه الدنيا حسنة } أي جزاء لهم على إحسانهم

{ هل جزاء الإحسان إلا الإحسان }[ الرحمن : 60 ] .

ولما كانت هذه الدار سريعة الزوال ، أخبر عن حالهم في الآخرة فقال : { ولدار الآخرة خير } أي جزاء ومصيراً ؛ ثم مدحها ومدحهم بقوله تعالى : { ولنعم دار المتقين * } أي هي ، مرغباً في الوصف الذي كان سبب حيازتهم لها ، وهو الخوف المنافي لما وصف به الأشرار من الاستكبار ، بإظهاره موضع الإضمار وحذف المخصوص بالمدح لتقدم ما يدل عليه ، وهو صالح لتقدير الدنيا - أي لمن عمل فيها بالتقوى - ولتقدير الآخرة ، وهو واضح .