تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{قُلۡ أَتُحَآجُّونَنَا فِي ٱللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمۡ وَلَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُخۡلِصُونَ} (139)

{ قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ }

المحاجة هي : المجادلة بين اثنين فأكثر ، تتعلق بالمسائل الخلافية ، حتى يكون كل من الخصمين يريد نصرة قوله ، وإبطال قول خصمه ، فكل واحد منهما ، يجتهد في إقامة الحجة على ذلك ، والمطلوب منها ، أن تكون بالتي هي أحسن ، بأقرب طريق يرد الضال إلى الحق ، ويقيم الحجة على المعاند ، ويوضح الحق ، ويبين الباطل ، فإن خرجت عن هذه الأمور ، كانت مماراة ، ومخاصمة لا خير فيها ،

وأحدثت من الشر ما أحدثت ، فكان أهل الكتاب ، يزعمون أنهم أولى بالله من المسلمين ، وهذا مجرد دعوى ، تفتقر إلى برهان ودليل . فإذا كان رب الجميع واحدا ، ليس ربا لكم دوننا ، وكل منا ومنكم له عمله ، فاستوينا نحن وإياكم بذلك . فهذا لا يوجب أن يكون أحد الفريقين أولى بالله من غيره ، لأن التفريق مع الاشتراك في الشيء ، من غير فرق مؤثر ، دعوى باطلة ، وتفريق بين متماثلين ، ومكابرة ظاهرة . وإنما يحصل التفضيل ، بإخلاص الأعمال الصالحة لله وحده ، وهذه الحالة ، وصف المؤمنين وحدهم ، فتعين أنهم أولى بالله من غيرهم ، لأن الإخلاص ، هو الطريق إلى الخلاص ، فهذا هو الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ، بالأوصاف الحقيقية التي يسلمها أهل العقول ، ولا ينازع فيها إلا كل مكابر جهول ، ففي هذه الآية ، إرشاد لطيف لطريق المحاجة ، وأن الأمور مبنية على الجمع بين المتماثلين ، والفرق بين المختلفين .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قُلۡ أَتُحَآجُّونَنَا فِي ٱللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمۡ وَلَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُخۡلِصُونَ} (139)

ولما أمر تعالى بقوله : { قل بل ملة إبراهيم } [ البقرة : 135 ] وما بعده بإعلام الخصم بالمخالفة وأن لا موافقة إلا بترك الهوى واتباع الهدى أمر بمجادلتهم بما يوهي أقوالهم ويزيح شبههم فقال معرضاً بالخطاب عن الجمع موجهاً له إلى رسوله{[5260]} صلى الله عليه وسلم رفعاً لمقامه وتعريفاً بعلي منصبه إعلاماً بأنه لا ينهض بذلك غيره لما لهم من العلم مع ما عندهم من الجدل واللدد : { قل } منكراً لمحاجتهم{[5261]} وموبخاً لهم عليها{[5262]} { أتحاجوننا{[5263]} } ولما كان الأنسب في المقارعة إعلام الخصم بالمخالفة لأنه أقطع لطمعه وأمكن لغيظه مع أنه هنا أقرب إلى رضى الخالق قدم على المجادلة ، ومعنى قوله : { في الله } في اختصاصكم بالملك الذي لا ملك سواه ، لأن له الكمال كله المشار إلى إبطاله فيما سبق بقوله : { قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة }[ البقرة : 94 ] أي أتحاجوننا في ذلك ولا وجه لاختصاصكم به

{ وهو } أي والحال أنه { ربنا وربكم } نحن وأنتم في العبودية له سواء { ولنا أعمالنا } نختص به دونكم { ولكم أعمالكم } تختصون بها دوننا ، لا نخاف{[5264]} منه أن يخصكم{[5265]} بأعمالنا ولا بشيء منها لتختصوا بها عنده ولا أن يخصنا بأعمالكم ولا بشيء منها لنبعد بها عنه ظلماً ولا غلطاً{[5266]} ، لأنه السميع العليم الغني الحميد { ونحن } أحسن أعمالاً منكم لأنا دونكم { له } وحده { مخلصون } لا نشرك به شيئاً وأنتم تشركون به عزيراً والمسيح والأحبار والرهبان ، وأنتم تعلمون ذلك في باطن الأمر وإن أظهرتم خلافه ، فلزم قطعاً أنا أخص به منكم{[5267]} ؛ والإخلاص عزل النفس جملة ، فلا يبلغ عبد حقيقته حتى لا يحب{[5268]} أن يحمد على عمل .


[5260]:في ظ: رسول الله.
[5261]:ليست في ظ
[5262]:ليست في ظ
[5263]:سبب النزول قيل إن اليهود والنصارى قالوا: يا محمد إن الأنبياء كانوا منا وعلى ديننا ولم تكن من العرب، ولو كنت نبيا لكنت منا وعلى ديننا؛ وقيل: حاجوا المسلمين فقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه وأصحاب الكتاب الأول وقبلتنا أقدم فنحن أولى بالله منكم، فأنزلت- البحر المحيط 1/ 412.
[5264]:في ظ: فقط: يخاف
[5265]:في م: ومد: يخصكم -كذا
[5266]:في م فقط: غلظا.
[5267]:العبارة من هنا إلى "على عمل" ليست في ظ
[5268]:من مد، وفي الأصل: لا يجب، وفي م: لا يجب