هذه الآيات الكريمات مشتملات على المحرمات بالنسب ، والمحرمات بالرضاع ، والمحرمات بالصهر ، والمحرمات بالجمع ، وعلى المحللات من النساء . فأما المحرمات في النسب فهن السبع اللاتي ذكرهن الله .
الأم يدخل فيها كل من لها عليك ولادة ، وإن بعدت ، ويدخل في البنت كل من لك عليها ولادة ، والأخوات الشقيقات ، أو لأب أو لأم . والعمة : كل أخت لأبيك أو لجدك وإن علا .
والخالة : كل أخت لأمك ، أو جدتك وإن علت وارثة أم لا . وبنات الأخ وبنات الأخت أي : وإن نزلت .
فهؤلاء هن المحرمات من النسب بإجماع العلماء كما هو نص الآية الكريمة وما عداهن فيدخل في قوله : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } وذلك كبنت العمة والعم وبنت الخال والخالة .
وأما المحرمات بالرضاع فقد ذكر الله منهن الأم والأخت . وفي ذلك تحريم الأم مع أن اللبن ليس لها ، إنما هو لصاحب اللبن ، دل بتنبيهه على أن صاحب اللبن يكون أبا للمرتضع فإذا ثبتت الأبوة والأمومة ثبت ما هو فرع عنهما كإخوتهما وأصولهم وفروعهم{[204]} .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " فينتشر التحريم من جهة المرضعة ومن له اللبن كما ينتشر في الأقارب ، وفي الطفل المرتضع إلى ذريته فقط . لكن بشرط أن يكون الرضاع خمس رضعات في الحولين كما بينت السنة .
وأما المحرمات بالصهر فهن أربع . حلائل الآباء وإن علوا ، وحلائل الأبناء وإن نزلوا ، وارثين أو محجوبين . وأمهات الزوجة وإن علون ، فهؤلاء الثلاث يحرمن بمجرد العقد .
والرابعة : الربيبة وهي بنت زوجته وإن نزلت ، فهذه لا تحرم حتى يدخل بزوجته كما قال هنا { وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } الآية .
وقد قال الجمهور : إن قوله : { اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ } قيد خرج مخرج الغالب لا مفهوم له ، فإن الربيبة تحرم ولو لم تكن في حجره ولكن للتقييد بذلك فائدتان :
إحداهما : فيه التنبيه على الحكمة في تحريم الربيبة وأنها كانت بمنزلة البنت فمن المستقبح إباحتها .
والثانية : فيه دلالة على جواز الخلوة بالربيبة وأنها بمنزلة من هي في حجره من بناته ونحوهن . والله أعلم .
وأما المحرمات بالجمع فقد ذكر الله الجمع بين الأختين وحرمه وحرم النبي صلى الله عليه وسلم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها ، فكل امرأتين بينهما رحم محرم لو قدر إحداهما ذكرًا والأخرى أنثى حرمت عليه فإنه يحرم الجمع بينهما ، وذلك لما في ذلك من أسباب التقاطع بين الأرحام .
{ حرمت عليكم } الآية . معناها تحريم ما ذكر من النساء ، والنساء المحرمات على التأييد ثلاثة أصناف ؛ بالنسب ، وبالرضاع ، وبالمصاهرة . فأما النسب فيحرم به سبعة أصناف ، وهي المذكورة في هذه الآية ، وضابطها أنه يحرم على الرجل فصوله ما سفلت ، وأصوله ما علت ، وفصول أبويه ما سفلت وأول فصل من كل أصل متقدم على أبويه .
{ أمهاتكم } يدخل فيه الوالدة والجدة من قبل الأم والأب ما علون { وبناتكم } يدخل فيه البنت وبنت الابن وبنت البنت ما سفلن .
{ وأخواتكم } يدخل فيه الأخت الشقيقة ، أو لأب أو لأم .
{ وعماتكم } يدخل فيه أخت الوالد ، وأخت الجد ما علا ، سواء كانت شقيقة أو لأب أو لأم .
{ وخالاتكم } يدخل فيه أخت الأم وأخت الجد ما علت سواء كانت شقيقة أو لأب أو لأم .
{ وبنات الأخ } يدخل فيه كل من تناسل من الأخ الشقيق أو لأب أو لأم . { وبنات الأخت } يدخل فيه كل ما تناسل من الأخت الشقيقة أو لأب أو لأم . { وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة } ذكر تعالى صنفين من الرضاعة وهم الأم والأخت وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " ، فاقتضى ذلك تحريم الأصناف السبعة التي تحرم من النسب وهي الأم والبنت والأخت والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت وتفصيل ذلك يطول ، وفي الرضاع مسائل لم نذكرها لأنها ليس لها تعلق بألفاظ الآية .
{ وأمهات نسائكم } المحرمات بالمصاهرة أربع : وهن زوجة الأب ، وزوجة الابن ، وأم الزوجة ، وبنت الزوجة ، فأما الثلاث الأول فتحرم بالعقد دخل بها أم لم يدخل بها ، وأما بنت الزوجة فلا تحرم إلا بعد الدخول بأمها ، فإن وطأها حرمت عليه ابنتها بالإجماع ، وإن تلذذ بها بما دون الوطء فحرمها مالك والجمهور وإن عقد عليها ولم يدخل بها : لم تحرم بنتها إجماعا ، وتحرم هذه الأربع بالرضاع كما تحرم بالنسب .
{ وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم } الربيبة هي بنت امرأة الرجل من غيره : سميت بذلك لأنه يريبها فلفظها فعيلة بمعنى مفعولة ، وقوله :{ اللاتي في حجوركم } على غالب الأمر إذ الأكثر أن تكون الربيبة في حجر زوج أمها ، وهي محرمة سواء كانت في حجره أم لا ، هذا عند الجمهور من العلماء ، إلا ما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه أجاز نكاحها إن لم تكن في حجره .
{ اللاتي دخلتم بهن } اشترط الدخول في تحريم بنت الزوجة ، ولم يشترط في غيرها ، وعلى ذلك جمهور العلماء إلا ما روي عن علي بن أبي طالب أنه اشترط الدخول في تحريم الجميع ، وقد انعقد الإجماع بعد ذلك { وحلائل أبنائكم } الحلائل جمع حليلة وهي الزوجة .
{ الذين من أصلابكم } تخصيص ليخرج عنه زوجة الابن يتبناه الرجل ، وهو أجنبي عنه كتزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش امرأة زيد بن حارثة الكلبي الذي كان يقال له زيد بن محمد صلى الله عليه وسلم .
{ وأن تجمعوا بين الأختين } يقتضي تحريم الجمع بين الأختين سواء كانتا شقيقتين أو لأب أو لأم وذلك في الزوجتين ، وأما الجمع بين الأختين المملوكتين في الوطء فمنعه مالك والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم ، ورأوا أنه داخل في عموم لفظ الأختين ، وأجازه الظاهرية لأنهم قصروا الآية على الجمع بالنكاح ، وأما الجمع بين الأختين في الملك دون وطء فجائز باتفاق . { إلا ما قد سلف } المعنى إلا ما فعلتم من ذلك في الجاهلية وانقطع بالإسلام فقد عفى عنكم فلا تؤاخذون به ، وهذا أرجح الأقوال حسبما تقدم في الموضع الأول .
" حُرِّمَت عليكم أمهاتكم " أن تنكحوهن وشملت الجدات من قبل الأب أو الأم " وبناتكم " وشملت الأولاد وإن سفلن " وأخواتكم " من جهة الأب أو الأم " وعماتكم " أي أخوات آبائكم وأجدادكم " وخالاتكم " أي أخوات أمهاتكم وجداتكم " وبنات الأخ وبنات الأخت " ويدخل فيهن أولادهم " وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم " قبل استكمال الحولين خمس رضعات كما بينه الحديث " وأخواتكم من الرضاعة " ويلحق بذلك بالسنة البنات منها وهن من أرضعتهن موطوأته والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت منها لحديث : " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " . رواه البخاري ومسلم . [ وأمهات نسائكم وربائبكم ] جمع ربيبة وهي بنت الزوجة من غيره [ اللاتي في حجوركم ] تربونها صفة موافقة للغالب فلا مفهوم لها [ من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ] أي جامعتموهن [ فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ] في نكاح بناتهن إذا فارقتموهن [ وحلائل ] أزواج [ أبنائكم الذين من أصلابكم ] بخلاف من تبنيتموهم فلكم نكاح حلائلهم [ وأن تجمعوا بين الأختين ] من نسب أو رضاع بالنكاح ويلحق بهما بالسنة بينها وبين عمتها أو خالتها ويجوز نكاح كل واحدة على الانفراد وملكهما معاً ويطأ واحدة [ إلا ] لكن [ ما قد سلف ] في الجاهلية من نكاحهم بعض ما ذكر فلا جناح عليكم فيه [ إن الله كان غفوراً ] لما سلف منكم قبل النهي [ رحيما ] بكم في ذلك