تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{قَدۡ نَعۡلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحۡزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَۖ فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ} (33)

{ 33 - 35 } { قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ * وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ * وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ }

أي : قد نعلم أن الذي يقول المكذبون فيك يحزنك ويسوءك ، ولم نأمرك بما أمرناك به من الصبر إلا لتحصل لك المنازل العالية والأحوال الغالية . فلا تظن أن قولهم صادر عن اشتباه في أمرك ، وشك فيك . { فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ } لأنهم يعرفون صدقك ، ومدخلك ومخرجك ، وجميع أحوالك ، حتى إنهم كانوا يسمونه -قبل البعثة- الأمين . { وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ } أي : فإن تكذيبهم لآيات الله التي جعلها الله على يديك{[286]} .


[286]:- السياق يقتضي أن يأتي بخبر إن ومقصود الشيخ -رحمه الله- فإن تكذيبهم... جحود منهم لما علموه حقا.
 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَدۡ نَعۡلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحۡزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَۖ فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ} (33)

قوله تعالى : " قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون " كسرت ( إن ) لدخول اللام . قال أبو ميسرة : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بأبي جهل وأصحابه فقالوا : يا محمد والله ما نكذبك وإنك عندنا لصادق ، ولكن نكذب ما جئت به ، فنزلت هذه الآية " فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " ثم آنسه بقوله : " ولقد كذبت رسل من قبلك " الآية . وقرئ " يكذبونك " مخففا ومشددا ، وقيل : هما بمعنى واحد كحزنته وأحزنته ، واختار أبو عبيد قراءة التخفيف ، وهي قراءة علي رضي الله عنه ، وروي عنه أن أبا جهل قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا لا نكذبك ولكن نكذب ما جئت به ، فأنزل الله عز وجل " فإنهم لا يكذبونك "

قال النحاس : وقد خولف أبو عبيد في هذا . وروي : لا نكذبك . فأنزل الله عز وجل : " لا يكذبونك " . ويقوي هذا أن رجلا قرأ على ابن عباس " فإنهم لا يكذبونك " مخففا فقال له ابن عباس : " فإنهم لا يكذبونك " لأنهم كانوا يسمون النبي صلى الله عليه وسلم الأمين . ومعنى " يكذبونك " عند أهل اللغة ينسبونك إلى الكذب ، ويردون عليك ما قلت . ومعنى " لا يكذبونك " أي لا يجدونك تأتي بالكذب ، كما تقول : أكذبته وجدته كذابا ، وأبخلته وجدته بخيلا ، أي لا يجدونك كذابا إن تدبروا ما جئت به . ويجوز أن يكون المعنى : لا يثبتون عليك أنك كاذب ؛ لأنه يقال : أكذبته إذا احتججت عليه وبينت أنه كاذب . وعلى التشديد : لا يكذبونك بحجة ولا برهان ؛ ودل على هذا " ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " . قال النحاس : والقول في هذا مذهب أبي عبيد ، واحتجاجه لازم ؛ لأن عليا كرم الله وجهه هو الذي روى الحديث ، وقد صح عنه أنه قرأ بالتخفيف ، وحكى الكسائي عن العرب : أكذبت الرجل إذا أخبرت أنه جاء بالكذب ورواه ، وكذبته إذا أخبرت أنه كاذب ، وكذلك قال الزجاج : كذبته إذا قلت له كذبت ، وأكذبته إذا أردت أن ما أتى به كذب .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{قَدۡ نَعۡلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحۡزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَۖ فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ} (33)

{ قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون } قرأ نافع يحزن حيث وقع بضم الياء من أحزن إلى قوله { لا يحزنهم الفزع الأكبر } [ الأنبياء : 103 ] ، وقرأ الباقون بفتح الياء من حزن الثلاثي وهو أشهر في اللغة ، و{ الذي يقولون } قولهم : إنه ساحر ، شاعر ، كاهن .

فإنهم لا يكذبونك } من قرأ بالتشديد فالمعنى لا يكذبونك معتقدين لكذبك ، وإنما هم يجحدون بالحق مع علمهم به ، ومن قرأ بالتخفيف : فقيل : معناه لا يجدونك كاذبا يقال : أكذبت فلانا إذا وجدته كاذبا ، كما يقال : أحمدته إذا وجدته محمودا ، وقيل : هو بمعنى التشديد ، يقال : كذب فلان فلانا وأكذبه بمعنى واحد ، وهو الأظهر لقوله بعد هذا : { يجحدون } ويؤيد هذا ما روي أنها نزلت في أبي جهل فإنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنا لا نكفر بك ولكن نكذب ما جئت به ، وأنه قال للأخنس بن شريق ، والله إن محمدا الصادق ، ولكني أحسده على الشرف .

{ ولكن الظالمين } أي ولكنهم ووضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أنهم ظلموا في جحودهم .