تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٞ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخۡلُقُواْ ذُبَابٗا وَلَوِ ٱجۡتَمَعُواْ لَهُۥۖ وَإِن يَسۡلُبۡهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيۡـٔٗا لَّا يَسۡتَنقِذُوهُ مِنۡهُۚ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلۡمَطۡلُوبُ} (73)

{ 73 - 74 } { يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ }

هذا مثل ضربه الله لقبح عبادة الأوثان ، وبيان نقصان عقول من عبدها ، وضعف الجميع ، فقال : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ } هذا خطاب للمؤمنين والكفار ، المؤمنون يزدادون علما وبصيرة ، والكافرون تقوم عليهم الحجة ، { ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ } أي : ألقوا إليه أسماعكم ، وتفهموا ما احتوى عليه ، ولا يصادف منكم قلوبا لاهية ، وأسماعا معرضة ، بل ألقوا إليه القلوب والأسماع ، وهو هذا : { إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } شمل كل ما يدعى من دون الله ، { لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا } الذي هو من أحقر المخلوقات وأخسها ، فليس في قدرتهم خلق هذا المخلوق الضعيف ، فما فوقه من باب أولى ، { وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ } بل أبلغ من ذلك لو { يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ } وهذا غاية ما يصير من العجز . { ضَعُفَ الطَّالِبُ } الذي هو المعبود من دون الله { وَالْمَطْلُوبُ } الذي هو الذباب ، فكل منهما ضعيف ، وأضعف منهما ، من يتعلق بهذا الضعيف ، وينزله منزلة رب العالمين .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٞ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخۡلُقُواْ ذُبَابٗا وَلَوِ ٱجۡتَمَعُواْ لَهُۥۖ وَإِن يَسۡلُبۡهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيۡـٔٗا لَّا يَسۡتَنقِذُوهُ مِنۡهُۚ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلۡمَطۡلُوبُ} (73)

قوله تعالى : " يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له " هذا متصل بقوله : " ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا " . وإنما قال " ضرب مثل " لأن حجج الله تعالى عليهم بضرب الأمثال أقرب إلى أفهامهم . فإن قيل : فأين المثل المضروب ، ففيه وجهان : الأول : قال الأخفش : ليس ثَمَّ مثل ، وإنما المعنى ضربوا لي مثلا فاستمعوا قولهم ، يعني أن الكفار جعلوا لله مثلا بعبادتهم غيره ، فكأنه قال جعلوا لي شبيها في عبادتي فاستمعوا خبر هذا الشبه . الثاني : قول القتبي : وأن المعنى يا أيها الناس ، مثل من عبد آلهة لم تستطع أن تخلق ذبابا وإن سلبها الذباب شيئا لم تستطع أن تستنقذه منه . وقال النحاس : المعنى ضرب الله عز وجل ما يعبد من دونه مثلا ، قال : وهذا من أحسن ما قيل فيه ، أي بين الله لكم شبها ولمعبودكم . " إن الذين تدعون من دون الله " قراءة العامة " تدعون " بالتاء . وقرأ السلمي وأبو العالية ويعقوب " يدعون " بالياء على الخبر . والمراد الأوثان الذين عبدوهم من دون الله ، وكانت حول الكعبة{[11593]} ، وهي ثلاثمائة وستون صنما . وقيل : السادة الذين صرفوهم عن طاعة الله عز وجل . وقيل : الشياطين الذين حملوهم على معصية الله تعالى ، والأول أصوب . " لن يخلقوا ذبابا " الذباب اسم واحد للذكر والأنثى ، والجمع القليل أذِبَّة ، والكثير ذبان ، على مثل غراب وأغربة وغربان ، وسمي به لكثرة حركته . الجوهري : والذباب معروف الواحدة ذبابة ، ولا تقل ذبانة . والمِذَبّة ما يذب به الذباب . وذباب أسنان الإبل حدها . وذباب السيف طرفه الذي يضرب به . وذباب العين إنسانها . والذبابة البقية من الدين . وذبب النهار إذا لم يبق منه إلا بقية . والتذبذب التحرك . والذبذبة نَوْس الشيء المعلق في الهواء . والذَّبْذَب الذكر لتردده . وفي الحديث ( من وقي شر ذبذبه ) . وهذا مما لم يذكره - أعني - قوله : وفي الحديث{[11594]} . " وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه " الاستنقاذ والإنقاذ التخليص . قال ابن عباس : ( كانوا يطلون أصنامهم بالزعفران فتجف فيأتي فيختلسه ) . وقال السدي : كانوا يجعلون للأصنام طعاما فيقع عليه الذباب فيأكله . " ضعف الطالب والمطلوب " قيل : الطالب الآلهة والمطلوب الذباب . وقيل بالعكس . وقيل : الطالب عابد الصنم والمطلوب الصنم ، فالطالب يطلب إلى هذا الصنم بالتقرب إليه ، والصنم المطلوب إليه . وقد قيل : " وإن يسلبهم الذباب شيئا " راجع إلى ألمه في قرص{[11595]} أبدانهم حتى يسلبهم الصبر لها والوقار معها . وخص الذباب لأربعة أمور تخصه : لمهانته وضعفه ولاستقذاره وكثرته ، فإذا كان هذا الذي هو أضعف الحيوان وأحقره لا يقدر من عبدوه من دون الله عز وجل على خلق مثله ودفع أذيته ، فكيف يجوز أن يكونوا آلهة معبودين وأربابا مطاعين . وهذا من أقوى حجة وأوضح برهان .


[11593]:في ك: حول البيت.
[11594]:ما نقله المؤلف رحمه الله عن الجوهري مذكور كله في الصحاح إلى قوله: "...شر ذبذبه". والذي يبدو أن نسخة المصنف من الجوهري غير مشتملة على هذه الجمل. وفي ج: وفي التنزيل يدل وفي الحديث.
[11595]:في ب و ك: قرض.