تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ} (16)

ثم قال تعالى كاشفا عن حقيقة أحوالهم :

{ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ }

أولئك ، أي : المنافقون الموصوفون بتلك الصفات { الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى } أي : رغبوا في الضلالة ، رغبة المشتري بالسلعة ، التي من رغبته فيها يبذل فيها الأثمان{[52]}  النفيسة . وهذا من أحسن الأمثلة ، فإنه جعل الضلالة ، التي هي غاية الشر ، كالسلعة ، وجعل الهدى الذي هو غاية الصلاح بمنزلة الثمن ، فبذلوا الهدى رغبة عنه بالضلالة رغبة فيها ، فهذه تجارتهم ، فبئس التجارة ، وبئس الصفقة صفقتهم{[53]} .

وإذا كان من بذل{[54]}  دينارا في مقابلة درهم خاسرا ، فكيف من بذل جوهرة وأخذ عنها درهما ؟ " فكيف من بذل الهدى في مقابلة الضلالة ، واختار الشقاء على السعادة ، ورغب في سافل الأمور عن عاليها{[55]} ؟ " فما ربحت تجارته ، بل خسر فيها أعظم خسارة . { قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ }

وقوله : { وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } تحقيق لضلالهم ، وأنهم لم يحصل لهم من الهداية شيء ، فهذه أوصافهم القبيحة .


[52]:- في ب: الأموال.
[53]:- في ب: وهذه صفقتهم فبئس الصفقة.
[54]:- في ب: يبذل.
[55]:- في ب: وترك عاليها.
 
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ} (16)

{ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } أخذوا الضلالة وتركوا الهدى { فما ربحت تجارتهم } فما ربحوا في تجارتهم وإضافة الربح إلى التجارة على طريق الاتساع كإضافة الايضاء إلى النار { وما كانوا مهتدين } فيما فعلوا

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ} (16)

فلما تقرر ذلك كله كانت فذلكته من غير توقف { أولئك } أي الشديدو{[756]} البعد من الصواب { الذين اشتروا } أي لجوا في هواهم فكلفوا أنفسهم ضد{[757]} ما فطرها الله عليه مع ما نصب من الأدلة حتى أخذوا { الضلالة } أي التي هي أقبح الأشياء { بالهدى }{[758]} الذي هو خير الأشياء ومدار كل ذي شعور عليه ، فكأنه لوضوح ما قام عليه من الأدلة مع ما ركز منه{[759]} في الفطر كان في أيديهم فباعوه بها ، وسيأتي في سورة يوسف عليه السلام بيان{[760]} أن مادة شرى بتراكيبها الاثني عشر تدور على اللجاجة { فما } أي فتسبب عن فعلهم هذا أنه ما { ربحت تجارتهم{[761]} } مع ادعائهم أنهم{[762]} أبصر الناس بها { وما كانوا } في نفس جبلاتهم { مهتدين }{[763]} لأنهم مع أنهم لم يربحوا أضاعوا رأس المال ، لأنه لم يبق في أيديهم غير الضلال الذي صاحبه في{[764]} دون رتبة البهائم مع زعمهم أنه لا مثل لهم في الهداية .


[756]:في م: الشديد
[757]:في م: عند
[758]:وفي أنوار التنزيل: المعنى أنهم أخلو بالهدى الذي جعل الله لهم بالفطرة التي فطر الناس عليها محصلين الضلالة التي ذهبوا إليها أو اختاروا الضلالة واستحبوها على الهدى - انتهى
[759]:ليس في م
[760]:ليس في م
[761]:قال النسفي: معناه فما ربحوا في تجارتهم إذا التجارة لا تربح
[762]:في ظ: إنه
[763]:"وما كانوا مهتدين" لطرق التجارة والمعنى أن مطلوب التجار سلامة رأس المال والربح وهؤلاء قد أضاعوهما فرأس مالهما الهدى ولم يبق لهم إلا الضلالة وإذا لم يبق لهم إلا الضلالة لم يوصفوا بإصابة الربح وإن ظفروا بالأغراض الدنيوية لأن الضال خاسر.
[764]:في ظ: من