تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنۢبُلَةٖ مِّاْئَةُ حَبَّةٖۗ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ} (261)

ثم حض الله تعالى عباده على الإنفاق في سبيله ووعدهم على ذلك الثواب فقال تعالى :

{ مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون }

261

و " المثل " الشبه والنظير ثم أطلق على القول السائر المعروف لمماثلة مضربه لمورده الذي ورد فيه أولا ثم استعير للصفة أو الحال أو القصة إذا كان لها شأن وفيها غرابة وعلى المعنى يحمل المثل في هذه الآية .

و " الحبة " كما يقول القرطبي- اسم جنس لكل ما يزرعه ابن آدم ويقتاته وأشهر ذلك البر فكثيرا ما يراد بالحب .

و " سنبلة " بوزن فنعلة- من أسبل الزرع إذا صار فيه السنبل أي استرسل بالسنبل كما يسترسل الستر بالإسبال وقيل معناه صار فيه حب مستور كما يستر الشيء بإسبال الستر عليه والجمع سنابل .

و المعنى مثل صدقة الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله أي في طاعته كمثل حبة ألقيت في أرض طيبة أصابها الغيث فخرجت الحبة على هيئة زرع قوي جميل فأنبتت في الوقت المناسب لإنباتها سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة .

فأنت ترى أن الخالق عز وجل قد شبه حال الصدقة التي يبذلها المؤمن في سبيل الله فيكافئه الله تعالى عليها بالثواب العظيم بحال الحبة التي تلقى في الأرض النقية فتخرج عودا مستويا قائما قد تشعب إلى سبع الشعب في كل شعبة سنبلة وفي كل سنبلة مائة حبة وفي هذا التشبيه ما فيه من الحض على الإنفاق في وجوه الخير ومن الترغيب في فعل البر ولا سيما النفقة في الجهاد في سبيل الله .

قال ابن كثير : وهذا المثل أبلغ في النفوس من ذكر عدد السبعمائة فإن هذا فيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله تعالى لأصحابها كما ينمي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة " ( 22 ) .

و قال سبحانه : { كمثل حبة انبتت } فأسند الإنبات إلى الحبة مع ان المنبت في الحقيقة هو الله وذلك لأنها سبب لوجود تلك السنابل الميتة بالحبات ولأنها هي الأصل لما تولد عنها .

ثم قال تعالى : والله يضاعف لمن يشاء أي والله تعالى يضاعف الثواب والجزاء أضعافا كثيرة لمن يشاء من عباده فيعطي بعضهم سبعمائة ضعف ويعطي بعضهم اكثر من ذلك لان الصدقة يختلف ثوابها باختلاف حال المتصدق فمتى خرجت منه بنية خالصة وقلب سليم ونفس صافية ومن مال حلال ووضعت في موضعها المناسب متى كانت كذلك كان الجزاء عليها أوفر والمضاعفة تزيد على سبعمائة ضعف إذ عطاء الله لمن يشاء من عباده ليس له حدود ، وثوابه ليس له حساب محدود .

و لذا ختم سبحانه الآية بقوله : { و الله واسع عليم } أي والله تعالى عطاؤه واسع وجوده عميم وفضله كبير وهو تعالى عليم بنيات عباده وبأقوالهم وبسائر شؤونهم فيجازي كل إنسان على حسب نيته وعمله .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنۢبُلَةٖ مِّاْئَةُ حَبَّةٖۗ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ} (261)

{ مَّثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم فِي سَبِيلِ الله } أي في وجوه الخيرات الشاملة للجهاد وغيره ، وقيل : المراد الإنفاق في الجهاد ؛ لأنه الذي يضاعف هذه الأضعاف ، وأما الإنفاق في غيره فلا يضاعف كذلك وإنما تجزي الحسنة بعشر أمثالها { كَمَثَلِ حَبَّةٍ } خبر عن المبتدأ قبله ، ولا بد من تقدير مضاف في أحد الطرفين أي مثل نفقة الذين { كَمَثَلِ حَبَّةٍ } أو مثلهم كمثل باذر حبة ، ولولا ذلك لم يصح التمثيل ، والحبة واحدة الحب وهو ما يزرع للاقتيات وأكثر إطلاقه على البر وبذر ما لا يقتات به من البقل حبة بالكسر { أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ } أي أخرجت تلك الحبة ساقاً تشعب منه سبع شعب لكل واحد منها سنبلة .

{ فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ } كما نرى ذلك في كثير من الحب في الأراضي المغلة بل أكثر من ذلك ، والسنبلة على وزن فنعلة فالنون زائدة لقولهم أسبل الزرع بمعنى سنبل إذا صار فيه السنبل ، وقيل : وزنه فعلله فالنون أصلية والأول هو المشهور وإسناد الإنبات إلى الحبة مجاز لأنها سبب للإنبات والمنبت في الحقيقة هو الله تعالى وهذا التمثيل تصوير للإضعاف كأنها حاضرة بين يدي الناظر فهو من تشبيه المعقول بالمحسوس .

{ والله يضاعف } هذه المضاعفة أو فوقها إلى ما شاء الله تعالى ، واقتصر بعض على الأول ، وبعض على الثاني ، والتعميم أتم نفعاً { لِمَن يَشَاء } من عباده المنفقين على حسب حالهم من الإخلاص والتعب وإيقاع الإنفاق في أحسن مواقعه ، أخرج ابن ماجه وابن أبي حاتم عن علي كرم الله تعالى وجهه ، وأبي الدرداء ، وأبي هريرة ، وعمران بن حصين ، وأبي أمامة ، وعبد الله بن عمر ، وجابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم كلهم يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من أرسل بنفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم ومن غزا بنفسه في سبيل الله تعالى وأنفق في وجهه ذلك فله بكل درهم يوم القيامة سبعمائة ألف درهم " ثم تلا هذه الآية . وعن معاذ بن جبل : «إن غزاة المنفقين قد خبأ الله تعالى لهم من خزائن رحمته ما ينقطع عنه علم العباد » .

{ والله واسع } لا يضيق عليه ما يتفضل به من الزيادة { عَلِيمٌ } بنية المنفق وسائر أحواله ، ومناسبة هذه الآية لما قبلها هو أنه تعالى لما ذكر قصة المار على القرية ، وقصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام وكانا من أدل دليل على البعث ذكر ما ينتفع به يوم البعث وما يجد جزاءه هناك ، وهو الإنفاق في سبيل الله تعالى كما أعقب قصة { الذين خَرَجُواْ مِن ديارهم وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الموت } [ البقرة : 243 ] بقوله تعالى عز شأنه : { مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا } [ البقرة : 245 ] وكما عقب قتل داود جالوت وقوله تعالى : { وَلَوْ شَاء الله مَا اقتتلوا } [ البقرة : 253 ] بقوله سبحانه : { يُرِيدُ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رزقناكم } [ البقرة : 254 ] الخ .

/وفي ذكره الحبة في التمثيل هنا إشارة أيضاً إلى البعث وعظيم القدرة إذ من كان قادراً على أن يخرج من حبة واحدة في الأرض سبعمائة حبة فهو قادر على أن يخرج الموتى من قبورهم بجامع اشتركا فيه من التغذية والنمو .

/خ269

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنۢبُلَةٖ مِّاْئَةُ حَبَّةٖۗ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ} (261)

قوله تعالى : ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حب أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم ) .

إن هذه الآية نزلت في عثمان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما . وذلك في غزوة تبوك لما حضّ النبي ( ص ) المسلمين على الصدقة فجاءه إذ ذاك عبد الرحمن ابن عوف بأربعة ألاف وقال : يا رسول الله كانت لي ثمانية آلاف فأمسكت لنفسي ولعيالي أربعة آلاف ، وأربعة آلاف أقرضتها لربي . فقال رسول الله ( ص ) : " بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت " . وقال عثمان بن عفان : يا رسول الله علي جهاز من لا جهاز له . وقيل : نزلت في نفقة التطوّع . وقيل غير ذلك . وعلى أية حال فإن الآية تفيد العموم لتناول وجوه الإنفاق في طاعة الله . ويأتي في طليعة ذلك الإنفاق في سبيل الله وهو الجهاد{[339]} .

والله جلت قدرته يحض عباده على الإنفاق مخلصين لوجهه . وقد وعدهم بدل ذلك من الأجر ما يكون أضعافا كثيرة . فما ينفق العبد نفقته يبتغي بها وجه ربه إلا جزاه الله أجرا عظيما ، وذلك كالحبة يضعها الزارع في الأرض ، تؤتيه سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة لتكون الحصيلة سبعمائة حبة .

وقد أخرج الإمام أحمد بإسناده عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ( ص ) : " كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله ، يقول الله : إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به يدع طعامه وشرابه من أجلي " .

وفي حديث آخر من رواية أحمد أن الرسول ( ص ) : قال : " من أنفق في سبيل الله تضاعف بسبعمائة ضعف " .

قوله : ( والله يضاعف لمن يشاء ) ذلك إعلام من الله جل جلاله بأنه يضاعف الأجر أكثر من سبعمائة ضعف لمن يشاء من عباده العاملين المخلصين .

وقيل : ليس فوق السبعمائة ضعف من زيادة أخرى ولكن المراد هو التبيين والتأكيد لهذه الأضعاف السبعمائة نفسها . والراجح عندي الأول استنادا إلى الظاهر من الآية .

قوله : ( والله واسع عليم ) لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع . ( واسع ) خبر . ( عليم ) صفة . المراد بالسعة الفضل والرزق ، فإن خزائن الله عظيمة ومديدة ومدرارة وهي لا تنفد ، وهو سبحانه عليم بمن يستحق الرزق ومن لا يستحقه إلا نزرا{[340]} .


[339]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 55 وتفسير القرطبي جـ 3 ص 303.
[340]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 316 وتفسير النسفي جـ 1 ص 133.