تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ فَرِحُواْ بِهَاۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ إِذَا هُمۡ يَقۡنَطُونَ} (36)

{ وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون . }

المفردات :

وإن تصبهم سيئة : بلاء وعقوبة .

يقنطون : ييأسون من رحمة الله .

التفسير :

من شأن الإنسان إذا جاءت إليه النعمة والصحة ، والمال والأولاد والجاه والسلطان وأشباه ذلك ، فرح بهذا فرح البطر والأشر ، وإذا سلبت عنه النعمة بسبب سلوكه وارتكابه للمعاصي والآثام ، إذا به يصيبه القنوط واليأس من روح الله وفضله ، وهذا إنكار على الإنسان من حيث هو إنسان ، فهو جازع في البأساء ، شحيح في النعماء ، ما عدا المؤمن فهو صابر في البأساء ، شاكر لربه في النعماء .

روى مسلم في كتاب الزهد ، والرقائق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " عجبا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له " . xi

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ فَرِحُواْ بِهَاۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ إِذَا هُمۡ يَقۡنَطُونَ} (36)

{ وَإِذَا أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً } أي نعمة من صحة وسعة ونحوهما { فَرِحُواْ بِهَا } بطرا وأشرا فإنه الفرح المذموم دون الفرح حمداً وشكراً . وهو المراد في قوله تعالى : { قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } [ يونس : 58 ] وقال الإمام : المذموم الفرح بنفس الرحمة والممدوح الفرح برحمة الله تعالى من حيث أنها مضافة إلى الله تعالى : { وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ } شدة { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } بشؤم معاصيهم { إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ } أي فاجؤوا القنوط من رحمته عز وجل ، والتعبير بإذا أولاً لتحقق الرحمة وكثرتها دون المقابل ، وفي نسبة الرحمة إليه تعالى دون السيئة تعليم للعباد أن لا يضاف إليه سبحانه الشر وهو كثير كقوله تعالى : { أَنْعَمْتَ } في الفاتحة ، وعدم بيان سبب إذاقة الرحمة وبيان سبب إصابة السيئة على الاستمرار في القنوط ، والمراد بالناس أما فريق آخر غير الأول على أن التعريف للعهد أو للجنس وأما الفريق الأول لكن الحكم الأول ثابت لهم في حال تدهشهم كمشاهدة الغرق وهذا الحكم في حال آخر لهم فلا مخالفة بين قوله تعالى : { وَإِذَا مَسَّ الناس ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ } [ الروم : 33 ] وقوله سبحانه : { وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ } [ الروم : 63 ] فلا يحتاج إلى تكلف التوفيق بأن الدعاء اللساني جار على العادة فلا ينافي القنوط القلبي ولذا سمع بعض الخائضين في دم عثمان رضي الله تعالى عنه يدعو في طوافه ويقول : اللهم اغفر لي ولا أظنك تفعل ، أو المراد يفعلون فعل القانطين كالاهتمام بجمع الذخائر أيام الغلاء ، ولا يخفى أن في المفاجأة نبوة ما عن هذا فتأمل .

وقرىء «يقنطون » بكسر النون .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ فَرِحُواْ بِهَاۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ إِذَا هُمۡ يَقۡنَطُونَ} (36)

ثم عادت الصورة الكريمة إلى الحديث عن أحوال بعض النفوس البشرية فى حالتى العسر واليسر ، فقال - تعالى - : { وَإِذَآ أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً } من صحة أو غنى أو أمان { فَرِحُواْ بِهَا } أى : فرحوا بها فرح البطر الأشر ، الذى لا يقابل نعم الله - تعالى - بالشكر ، ولا يستعملها فيما خلقت له .

فالمراد بالفرح هنا : الجحود والكفران للنعم ، وليس مجرد السرور بالحصول على النعم .

{ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ } شدة أو مصيبة { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } أى : بسبب شؤم معاصيهم ، وإهمالهم لشكر الله - تعالى - على نعمه { إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ } أى : أسرعوا باليأس من رحمة الله ، وقنطوا من فرجه ، واسودت الدنيا فى وجوههم ، شأن الذين لا يعرفون سنن الله - تعالى - فى خلقه ، والذين يعبدون الله على حرف ، فهم عند السراء جاحدون مغرورون . . وعند الضراء قانطون يائسون .

وعبر - سبحانه - فى جانب الرحمة بإذا ، وفى جانب المصيبة بأن ، للإِشعار بأن رحمته - تعالى - بعباده متحققة فى كل الأحوال . وأن ما ينزل بالناس من مصائب ، هو بسبب ما اجترحوه من ذنوب .

ونسب - سبحانه - الرحمة إلى ذاته فقال : { وَإِذَآ أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً } دون السيئة فقد قال : { وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ } لتعليم العباد الأدب مع خالقهم - عز وجل - وإن كان الكل بيده - سبحانه - وبمشيئته ، وشبيه بهذا قوله - تعالى - : { وَأَنَّا لاَ ندري أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأرض أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً } والتعبير بإذا الفجائية فى قوله { إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ } ، للإِشارة إلى سرعة يأسهم من رحمة الله - تعالى حتى ولو كانت المصيبة هينة بسيرة ، وذلك لضعف يقينهم وإيمانهم . إذ القنوط من رحمة الله ، يتنافى مع الإِيمان الحق .