تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{سَابِقُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا كَعَرۡضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أُعِدَّتۡ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ} (21)

20

المفردات :

في الأرض : كالجدب والفاقة .

التفسير :

21- { سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } .

بادروا وسارعوا مسارعة المتسابقين إلى أسباب مغفرة الله لكم ، وذلك بالتوبة النصوح ، والعمل الصالح ، وإخلاص النية ، وبادروا وسارعوا إلى عمل صالح يكون وسيلة لجنّة واسعة ، عرضها كعرض السماء والأرض معا ، وإذا كان هذا قدر عرضها ، فما ظنك بطولها ؟

هذه الجنة أعدّها الله ، وجعلها كاملة الأوصاف ، فيها ألوان النعيم ، والحور العين ، والأنهار والأشجار ، والظلال والآرائك ، وألوان الطعام والشراب والفاكهة ، وما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ، وفيها الخلود الأبديّ السرمدي ، وقد أعدها الله للذين آمنوا بالله ورسله ، وصدقوا بذلك عن يقين ، وعملوا بما أمر الله ، واجتنبوا نواهيه .

{ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ . . . }

هو تفضّل منه ورحمة ، وحنان وعناية ، وعطف وبر بالصالحين ، فهو الذي هداهم ووفقهم ، ثم أعدّ لهم الجنة ، فضلا منه ونعمة .

{ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } .

والله تعالى صاحب الفضل العظيم الواسع ، فما أجل أنعمه ، وما أعظم فضله ، وما أجل هدايته وتوفيقه ، { وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها . . . } ( إبراهيم : 34 ) .

يقول أحد السلف الصالح : أنفس هو خالقها ، وأموال هو رازقها ، يطلبها منا ثم يعطينا عليها الجنة ، إن هذا لفضل عظيم .

يشير إلى قوله تعالى : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة . . . } ( التوبة : 111 ) .

فيا سعادة من أدرك السباق ، ومن حظي بالإيمان واليقين ، ومن فاز بجنة عرضها كعرض السماوات السبع والأرضين ، ويا سعادة من أنعم الله عليه بفضله ، وهو سبحانه صاحب الفضل العظيم .

جاء في الحديث الصحيح : أن فقراء المهاجرين قالوا : يا رسول الله ، ذهب أهل الدثور بالأجور ، وبالدرجات العلى والنعيم المقيم ، قال : " وما ذاك " ؟ قالوا : يصلّون كما نصلي ، ويصومون كما نصوم ، ويتصدقون ولا نتصدق ، ويعتقون ولا نعتق ، قال : " أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه سبقتم من بعدكم ، ولا يكون أحد أفضل منكم ، إلا من صنع مثلما صنعتم ؟ تسبّحون وتحمدون وتكبرون دُبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين " ، قال : فرجعوا ، فقالوا : سمع إخواننا أهل الأموال ما فعلنا ، ففعلوا مثله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء " 21 .

فالسعيد حقا من تعرض لفضل الله وعنايته ، وحبه ورعايته ، فمن وجد الله وجد كل شيء ، ومن فقد الله فقد كل شيء .

وإذا العناية لاحظتك عيونها *** ثم فالمخاوف كلهن أمان

ويقول الشاعر :

إذا لم يكن عون من الله للفتى *** فأول ما يجني عليه اجتهاده

وإذا كان من الله عون للفتى *** تهيأ له في كل أمر مراده

إن ثمن دوام الإخلاص ، واليقين بالله ، والحرص على رضاه ، والبعد عن معصيته ، وإظهار العجز والضعف أمام قدرته ، والحرص على أن ينظر منك إلى قلب طاهر ، ونفس مطمئنة وزهد في الدنيا ، وحرص على الآخرة ، واتباع لهدى القرآن ، واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وتعظيم للصحابة والتابعين ، وغيرة على الإسلام والمسلمين ، حتى تحظى بحبّه ورضاه .

قال تعالى : يحبّهم ويحبّونه . . . ( المائدة : 54 ) .

وفي الحديث الصحيح : " ما تقرب عبدي إليّ بشيء أحبّ إليّ من أداء ما افترضته عليه ، ولا يرى عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبّه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي عليها ، ولئن دعاني لأجيبنه ، ولئن سألني لأعطينه " 22

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{سَابِقُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا كَعَرۡضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أُعِدَّتۡ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ} (21)

{ سَابِقُواْ إلى مَغْفِرَةٍ } أي سارعوا مسارعة السابقين لأقرانهم في المضمار إلى أسباب مغفرة عظيمة كائنة { مّن رَّبّكُمْ } والكلام على الاستعارة أو المجاز المرسل واستعمال اللفظ في لازم معناه وإنما لزم ذلك لأن اللازم أن يبادر من يعمل ما يكون سبباً للمغفرة ودخول الجنة لا أن يعمله أو يتصف بذلك سابقاً على آخر ؛ وقيل : المراد سابقوا ملك الموت قبل أن يقطعكم بالموت عن الأعمال الموصلة لما ذكر ؛ وقيل : سابقوا إبليس قبل أن يصدكم بغروره وخداعه عن ذلك وهو كما ترى .

والمراد بتلك الأسباب الأعمال الصالحة على اختلاف أنواعها ، وعن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال في الآية : كن أوّل داخل المسجد وآخر خارج ، وقال عبد الله : كونوا في أول صف القتال ، وقال أنس : اشهدوا تكبيرة الإحرام مع الإمام وكل ذلك من باب التمثيل ، واستدل بهذا الأمر على أن الصلاة بأول وقتها أفضل من التأخير { وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السماء والأرض } أي كعرضهما جميعاً لو ألصق أحدهما بالآخر وإذا كان العرض وهو أقصر الامتدادين موصوفاً بالسعة دل على سعة الطول بالطريق الأولى فالاقتصار عليه أبلغ من ذكر الطول معه ، وقيل : المراد بالعرض البسطة ولذا وصف به الدعاء ونحوه مما ليس من ذوي الأبعاد وتقدم قول آخر في تفسير نظير الآية من سورة آل عمران وتقديم المغفرة على الجنة لتقدم التخلية على التحلية .

{ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ } أي هيئت لهم ، واستدل بذلك على أن الجنة موجودة الآن لقوله تعالى : { أُعِدَّتْ } بصيغة الماضي والتأويل خلاف الظاهر ، وقد صرح بخلافه في الأحاديث الصحيحة وتمام الكلام في علم الكلام ، وعلى أن الإيمان وحده كاف في استحقاق الجنة لذكره وحده فيما في حيز ما يشعر بعلة الإعداد وإدخال العمل في الإيمان المعدّى بالباء غير مسلم كذا قالوا ، ومتى أريد بالذين آمنوا المذكورين من لهم درجة في الإيمان يعتد بها ، وقيل : بأنها لا تحصل بدون الأعمال الصالحة على ما سمعته منا قريباً انخدش الاستدلال الثاني في الجملة كما لا يخفى ، وذكر النيسابوري في وجه التعبير هنا بسابقوا وفي آية آل عمران بسارعوا وبالسماء هنا ، بالسماوات هناك –وبكعرض- هنا- وبعرض- بدون أداة تشبيه ثمّ كلاماً مبنياً على أن المراد بالمتقين هناك السابقون المقربون ، وبالذين آمنوا هنا من هم دون أولئك حالاً لتأمل { ذلك } أي الذي وعد من المغفرة والجنة { فَضَّلَ الله } عطاؤه الغير الواجب عليه { يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء } إيتاءه { والله ذُو الفضل العظيم } فلا يبعد منه عز وجل التفضل بذلك على من يشاء وإن عظم قدره ، فالجملة تذييل لإثبات ما ذيل بها .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{سَابِقُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا كَعَرۡضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أُعِدَّتۡ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ} (21)

ثم أمرهم - سبحانه - بالمسارعة إلى ما يسعدهم ، بعد أن بين لهم حال الحياة الدنيا فقال : { سابقوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السمآء والأرض

وقوله - تعالى - { سابقوا } ابتدائية ، والجار والمجرور صفة المغفرة .

أى : سارعوا - أيها المؤمنون - مسارعة السابقين لغيرهم ، إلى مغفرة عظيمة كائنة من ربكم .

فالتعبير بقوله : { سابقوا } لإلهاب الحماس وحض النفوس إلى الاستجابة لما أمروا به ، حتى لكأنهم فى حالة مسابقة يحرص كل قرين فيها إلى أن يسبق قرينه .

وقوله : { وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السمآء والأرض . . . } معطوف على المغفرة . أى : سابقوا غيركم - أيها المؤمنون - إلى مغفرة عظيمة من ربكم ، وإلى جنة كريمة ؛ هذه الجنة عرضها وسعتها ورحابتها .

. . كسعة السماء والأرض .

وهذه الجنة قد { أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ } إيمانا حقا ، جعلهم لا يقصلرون فى أداء واجب من الواجبات التى كلفهم - سبحانه - بها .

قال الإمام الفخر الرازى ما ملخصه : فى كون الجنة عرضها كعرض السماء والأرض وجوه : منها : أن المراد لو جعلت السموات والأرضون طبقا طبقا . . . . لكان ذلك مثل عرض الجنة ، وهذا غاية فى السعة لا يعلمها إلا الله - تعالى - .

ومنها : أن المقصود المبالغة فى الوصف بالسعة للجنة ، وذلك لأنه لا شىء عندنا أعرض منهما .

وخص - سبحانه - العرض بالذكر ، ليكون أبلغ فى الدلالة على عظمها ، واتساع طولها ، لأنه إذا كان عرضها كهذا ، فإن العقل يذهب كل مذهب فى تصور طولها ، فقد جرت العادة أن يكون الطول أكبر من العرض .

قال الإمام ابن كثير : وقد روينا فى مسند الإمام أحمد " أن هرقل - ملك الروم - كتب إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال : إنك دعوتنى إلى جنة عرضها السموات والأرض ، فأين النار ؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - : " سبحان الله ، فأين الليل إذا جاء النهار " " .

وإسم الإشارة فى قوله - تعالى - : { ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ والله ذُو الفضل العظيم } يعود إلى الذى وعد الله - تعالى - به عباده المؤمنين من المغفرة والجنة .

أى : ذلك العطاء الجزيل فضل الله - تعالى - وحده وهو صاحب الفضل العظيم لا يعلم مقداره إلا هو - عز وجل - .

فأنت ترى أن الله - تعالى - بعد أن بين حال الحياة الدنيا . دعا المؤمنين إلى المسابقة إلى العمل الصالح ، الذى يوصلهم إلى ما هو أكرم وأبقى . . . وهو الجنة .

وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - : { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات مِنَ النساء والبنين والقناطير المقنطرة مِنَ الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك مَتَاعُ الحياة الدنيا والله عِنْدَهُ حُسْنُ المآب قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذلكم . . } ثم