تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَمَثُوبَةٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ خَيۡرٞۚ لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ} (103)

101

المفردات :

لمثوبة : لأجر وثواب .

التفسير :

103- ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون : أي أن أولئك اليهود النابذين لكتاب الله المتبعين للأوهام والأباطيل ، آمنوا بمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) أو بالتوراة إيمانا حقا ، واتقوا الله فاجتنبوا ما يؤثمهم ومنه السحر ، كانت لهم مثوبة من عند الله هي خير لهم من السحر ، ولو كانوا من أولى العلم الذين ينتفعون بما يعلمون ، لم يفعلوا ذلك ، ولكنهم آثروا الحياة الدنيا على الآخرة فكفروا وعصوا فكانوا من الخاسرين . . وقريب منه ما ورد في قصة قارون من قوله تعالى :

وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون . ( القصص : 80 ) .

الترهيب من السحر :

في الآية السابقة دليل على أن من يستخدم السحر ويؤمن به يكون من الكافرين ، لأن قوله تعالى : وما كفر سليمان . حجة على أن السحر ضرب من ضروب الكفر .

وقد أطلق القول بكفر من يزاوله العلامة التفتازاني .

قال ابن كثير : ( وقد يستبدل بقوله( ولو أنهم أمنوا واتقوا ) من ذهب إلى تكفير الساحر كما هو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل وقول طائفة من السلف ) ( 256 ) .

لكن الشيخ أبا منصور ذهب إلى أن إطلاق القول بأن السحر كفر خطأ وأنه يجب التفصيل فيه ، فإن كان فيه رد ما لزم من شروط الإيمان فهو كفر وإلا فلا .

وعلى هذا فالمراد من السحر الذي هو كفر ما كان بالتقرب إلى الشيطان بالسجود له أو لصنم غيره ، أو بالرقى بعبارات فيها شرك بالله تعالى ، أو نحو ذلك مما ينافي أصول العقيدة الإسلامية ، كاعتقاد الساحر أن ما يستعين به في سحر مثل الجن والنجوم لها قدرة على النفع والضر )( 257 ) .

وعقاب السحر الذي هو كفر : قتل الذكور وحبس الإناث وضربهن ما لم تقع منهم توبة .

وأما ما ليس بكفر ، وفيه إهلاك نفس ، ففيه حكم قطاع الطريق ويستوي فيه الذكور والإناث ، وتقبل توبة صاحبه إذا تاب ، هذا رأي بعض الفقهاء .

والمشهور عن أبي حنيفة رضي الله عنه أن الساحر يقتل مطلقا إذا علم أنه ساحر ، سواء أكان ذكرا أم أنثى وتقبل توبته إذا تاب .

ومذهب مالك رضي الله عنه كما نقله القرطبي : أن المسلم إذا سحر بنفسه بكلام يكون كفرا فإنه يقتل ، ولا يستتاب ، ولا تقبل توبته .

( وقد روى الشافعي وأحمد بن حنبل عن بجالة بن عبدة قال : كتب عمر ابن الخطاب رضي الله عنه : أن اقتلوا كل ساحر وساحرة قال : فقتلنا ثلاث سواحر . وقد أخرجه البخاري في صحيحه أيضا( 258 ) . وهكذا صح أن حفصة أم المؤمنين سحرتها جارية لها فأمرت بها فقتلت( 259 ) . قال الإمام أحمد بن حنبل : صح عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قتل الساحر ) ( 260 )

طريقة فك السحر :

حكى القرطبي عن وهب : أنه قال : يؤخذ سبع ورقات من سدر( 261 ) فتدق بين حجرين ، ثم تضرب بالماء ويقرأ عليها آية الكرسي ويشرب منها المسحور ثلاث حسوات ثم يغتسل بباقيه فإنه يذهب ما به ، وهو جيد للرجل الذي يأخذ عن امرأته ، قال ابن كثير : أنفع ما يستعمل لإذهاب السحر ما أنزل الله على رسوله في إذهاب ذلك وهما المعوذتان .

وفي الحديث : «لم يتعود بممثلهما » وكذلك قراءة آية الكرسي فإنها مطردة للشيطان( 262 ) .

حديت شريف :

قال صلى الله عليه وسلم : «اجتنبوا السبع الموبقات ، قيل : وما هن يا رسول الله ؟ قال : الشرك بالله وعقوق الوالدين ، واليمين الغموس ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ، والسحر ، وأكل مال اليتيم » ( 263 ) .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَمَثُوبَةٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ خَيۡرٞۚ لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ} (103)

{ وَلَوْ أَنَّهُمْ ءامَنُواْ } أي بالرسول ، أو بما أنزل إليه من الآيات ، أو بالتوراة { واتقوا } أي المعاصي التي حيكت عنهم { لَمَثُوبَةٌ مّنْ عِندِ الله خَيْرٌ } جواب { لَوْ } الشرطية ، وأصله لأثيبوا مثوبة من عند الله خيراً مما شروا به أنفسهم فحذف الفعل ، وغير السبك إلى ما ترى ليتوسل بذلك مع معونة المقام إلى الإشارة إلى ثبات المثوبة ، وثبات نسبة الخيرية إليها مع الجزم بخيريتها لأن الجملة إذا أفادت ثبات المثوبة كان الحكم بمنزلة التعليق بالمشتق ، كأنه قيل : لمثوبة دائمة خير لدوامها وثباتها ، وحذف المفضل عليه إجلالاً للمفضل من أن ينسب إليه ، ولم يقل لمثوبة الله ، مع أنه أخصر ليشعر التنكير بالتقليل ، فيفيد أن شيئاً قليلاً من ثواب الله تعالى في الآخرة الدائمة خير من ثواب كثير من الدنيا الفانية ، فكيف وثواب الله تعالى كثير دائم ، وفيه من الترغيب والترهيب المناسبين للمقام ما لا يخفى ، وببيان الأصل انحل إشكالان ( لفظي ) وهو أن جواب { لَوْ } إنما يكون فعلية ماضوية ( ومعنوي ) وهو أن خيرية المثوبة ثابتة لا تعلق لها بإيمانهم وعدمه ، ولهذين الإشكالين قال الأخفش واختاره جمع لسلامته من وقوع الجملة الابتدائية في الظاهر جواباً ل ( لو ) ولم يعهد ذلك في لسان العرب كما في «البحر » أن اللام جواب قسم محذوف والتقدير ولو أنهم آمنوا واتقوا لكان خيراً لهم ولمثوبة عند الله خير وبعضهم التزم التمني ولكن من جهة العباد لا من جهته تعالى خلافاً لمن اعتزل دفعاً لهما إذ لا جواب لها حينئذ ، ويكون الكلام مستأنفاً ، كأنه لما تمنى لهم ذلك قيل : ما هذا التحسر والتمني ؟ فأجيب بأن هؤلاء المبتذلين حرموا ما شيء قليل منه خير من الدنيا وما فيها ، وفي ذلك تحريض وحث على الإيمان ، وذهب أبو حيان إلى أن ( خير ) هنا للتفضيل لا للأفضلية على حد

فخيركما لشركما فداء ***

والمثوبة : مفعلة بضم العين من الثواب ، فنقلت الضمة إلى ما قبلها ، فهو مصدر ميمي ، وقيل : مفعولة وأصلها ( مثووبة ) فنقلت ضمة الواو إلى ما قبلها ، وحذفت لالتقاء الساكنين ، فهي من المصادر التي جاءت على مفعولة كمصدوقة كما نقله الواحدي ويقال : { مَثُوبَةً } بسكون الثاء وفتح الواو وكان من حقها أن تعل ، فيقال : مثابة كمقامة إلا أنهم صححوها كما صححوا في الأعلام مكوزة ، وبها قرأ قتادة وأبو السماك ، والمراد بها الجزاء والأجر ، وسمي بذلك لأن المحسن يثوب إليه ، والقول بأن المراد بها الرجعة إليه تعالى بعيد { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } المفعول محذوف بقرينة السابق ، أي إن ثواب الله تعالى خير وكلمة ( لو ) إما للشرط ، والجزاء محذوف أي : آمنوا وإما للتمني ولا حذف ، ونفي العلم على التقديرين بنفي ثمرته الذي هو العمل ، أو لترك التدبر/

( ومن باب الإشارة ) :{ وَلَوْ أَنَّهُمْ ءامَنُواْ } برؤية الأفعال من الله تعالى واتقوا الشرك بإثبات ما سواه لأثيبوا بمثوبة { مِنْ عِندِ الله } تعالى دائمة ، ولرجوا إليه ، وذلك { خَيْرٌ لَهُمْ لَّوْ كَانُواْ } من ذوي العلم والعرفان والبصيرة والإيقان .