120- ولن ترضى لك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير . تحذر هذه الآية الأمة المحمدية من اتباع اليهود والنصارى والتفريط في أمور دينهم .
ولقد حرص السلف الصالح على التمسك بدينهم فنالوا عز الدنيا وشرف الآخرة .
ثم دل حرص المسلمون لأعدائهم من اليهود والنصارى فزادوا في التشبيه بهم قيلا قليلا .
ثم كشفوا عن وجوههم فضربوا على المسلمين قوانين أوربا الوثنية المجرمة الملعونة ، ثم استباحوا أكثر المحرمات يصرحون بإباحتها من غير حياء ولا غيرة ، ثم صاروا ينبذون الشرائع الإسلامية والأخلاق الكريمة التي هدانا الله إليها ورسوله بالتقاليد والرجعية لينفروا الناس منها .
بل إن بعض الماجنات ينشرون في الصحف الدعوة السافرة إلى السفور ، فلئن لم يدفع المسلمون هذه المنكرات عن دينهم وبلادهم ، ليسلطن الله عليهم عدوهم وليستبدلن بهم قوما غيرهم . قال تعالى : وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم . ( 294 ) .
وقد أراد الله سبحانه وتعالى أن يبين لرسوله غاية أعدائه من اقتراح الآيات ، ويحذره منهم فقال ما معناه : إن اليهود والنصارى يقترحون الآيات تعجيزا لا طلبا للهداية ، فلو أتيتهم يا محمد بكل ما يسألون فلن يرضوا عنك ولن تنال رضاهم حتى تتبع دينهم الزائف المحرف .
قال ابن جرير الطبري : يعني جل ثناءه بقوله : ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم .
وليست اليهود يا محمد ولا النصارى براضية عنك أبدا ، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم ، وأقبل على طلب رضا الله في دعاءهم إلى ما بعثك الله به من الحق ، وقوله تعالى : قل إن هدى الله هو الهدى . يعني هو الدين المستقيم الصحيح الكامل الشامل : ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير . فيه تهديد ووعيد شديد للأمة عن اتباع طرائق اليهود والنصارى بعدما علموا من القرآن والسنة ، عياذا بالله من ذلك ، فإن الخطاب مع الرسول ، والأمر لأمته( 295 ) .
{ وَلَن ترضى عَنكَ اليهود وَلاَ النصارى حتى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } بيان لكمال شدة شكيمتي هاتين الطائفتين إثر بيان ما يعمهما ، والمشركين مما تقدم ولا بين المعطوفين لتأكيد النفي وللإشعار بأن رضا كل منهما مباين لرضا الأخرى ، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه من المبالغة في إقناطه صلى الله عليه وسلم من إسلامهم ما لا غاية وراءه فإنهم حيث لم يرضوا عنه عليه الصلاة والسلام ، ولو خلاهم يفعلون ما يفعلون بل أملوا ما لا يكاد يدخل دائرة الإمكان ، وهو الاتباع لملتهم التي جاء بنسخها فكيف يتصور اتباعهم لملته صلى الله عليه وسلم ، واحتيج لهذه المبالغة لمزيد حرصه صلى الله عليه وسلم على إيمانهم على ما روي أنه كان يلاطف كل فريق رجاء أن يسلموا فنزلت ، والملة في الأصل اسم من أمللت الكتاب بمعنى أمليته كما قال الراغب ، ومنه طريق ملول أي مسلوك معلوم كما نقله الأزهري ، ثم نقلت إلى أصول الشرائع باعتبار أنها يمليها النبي صلى الله عليه وسلم ولا يختلف الأنبياء عليهم السلام فيها ، وقد تطلق الباطل كالكفر ملة واحدة ، ولا تضاف إليه سبحانه فلا يقال ملة الله ، ولا إلى آحاد الأمة ، والدين يرادفها صدقاً لكنه باعتبار قبول المأمورين ؛ لأنه في الأصل الطاعة والانقياد ولاتحاد ما صدقهما قال تعالى : { دِينًا قِيَمًا مّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ } [ الأنغام : 161 ] وقد يطلق الدين على الفروع تجوزاً ، ويضاف إلى الله تعالى وإلى الآحاد وإلى طوائف مخصوصة نظراً إلى الأصل على أن تغاير الاعتبار كاف في صحة الإضافة ، ويقع على الباطل أيضاً ، وأما الشريعة فهي المورد في الأصل ، وجعلت اسماً للأحكام الجزئية المتعلقة بالمعاش والمعاد سواء كانت منصوصة من الشارع أو لا لكنها راجعة إليه والنسخ والتبديل يقع فيها ، وتطلق على الأصول الكلية تجوزاً قاله بعض المحققين . ووحدت الملة وإن كان لهم ملتان للإيجاز أو لأنهما يجمعهما الكفر ، وهو ملة واحدة ، ثم إن هذا ليس ابتداء كلام منه تعالى بعدم رضاهم بل هو حكاية لمعنى كلام قالوه بطريق التكلم ليطابقه قوله سبحانه .
{ قُلْ إِنَّ هُدَى هُوَ الهدى } فإنه على طريقة الجواب لمقالتهم ولعلهم ما قالوا ذلك إلا لزعمهم أن دينهم/ حق وغير باطل فأجيبوا بالقصر القلبي أي دين الله تعالى هو الحق ودينكم هو الباطل ، وهدى الله تعالى الذي هو الإسلام هو الهدى وما يدعون إليه ليس بهدى بل هوى على أبلغ وجه لإضافة الهدي إليه تعالى وتأكيده بأن وإعادة الهدى في الخبر على حد شعري شعري ، وجعله نفس الهدى المصدري وتوسيط ضمير الفصل وتعريف الخبر ، ويحتمل أنهم قالوا ذلك فيما بينهم ، والأمر بهذا القول لهم لا يجب أن يكون جواباً لعين تلك العبارة بل جواب ورد لما يستلزم مضمونها أو يلزمه من الدعوة إلى اليهودية أو النصرانية وأن الاهتداء فيهما ، وقيل : يصح أن يكون لإقناطهم عما يتمنونه ويطمعونه وليس بجواب : { وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءهُم } أي آراءهم الزائغة المنحرفة عن الحق الصادرة عنهم بتبعية شهوات أنفسهم وهي التي عبر عنها فيما قبل بالملة وكان الظاهر ولئن اتبعتها إلا أنه غير النظم ووضع الظاهر موضع المضمر من غير لفظه إيذاناً بأنهم غيروا ما شرعه الله سبحانه تغييراً أخرجوه به عن موضوعه ، وفي صيغة الجمع إشارة إلى كثرة الاختلاف بينهم وأن بعضهم يكفر بعضاً .
{ بَعْدَ الذي جَاءكَ مِنَ العلم } أي المعلوم وهو الوحي أو الدين لأنه الذي يتصف بالمجيء دون العلم نفسه ولك أن تفسر المجيء بالحصول فيجري العلم على ظاهره
{ مالك مِنَ الله مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ } جواب للقسم الدال عليه السلام الموطئة ولو أجيب به الشرط هنا لوجبت الفاء ، وقيل : إنه جواب له ويحتاج إلى تقدير القسم مؤخراً عن الشرط وتأويل الجملة الاسمية بالفعلية الاستقبالية أي ما يكون لك وهو تعسف إذ لم يقل أحد من النحاة بتقدير القسم مؤخراً مع اللام الموطئة ، وتأويل الاسمية بالفعلية لا دليل عليه ، وقيل : إنه جواب لِكِلاَ الأمرين القسم الدال عليه اللام وإن الشرطية لأحدهما لفظاً وللآخر معنى وهو كما ترى ، والخطاب أيضاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتقييد الشرط بما قيد للدلالة على أن متابعة أهوائهم محال لأنه خلاف ما علم صحته فلو فرض وقوعه كما يفرض المحال لم يكن له ولي ولا نصير يدفع عنه العذاب ، وفيه أيضاً من المبالغة في الإقناط ما لا يخفى ، وقيل : الخطاب هناك وهنا وإن كان ظاهراً للنبي صلى الله عليه وسلم إلا أن المقصود منه أمته ، وأنت تعلم مما ذكرنا أنه لا يحتاج إلى التزام ذلك .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.