الحكمة : أسرار الأحكام الدينية ومعرفة مقاصد الشريعة . قال ابن دريد : كل كلمة وعظتك أو دعتك إلى مكرمة ، أو نهتك عن قبيح فهي حكمة . والحكمة أيضا وضع الأمور في مواضعها .
ويزكيهم : يطهر نفوسهم من دنس الشرك وضروب المعاصي .
الحكيم : الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة .
129- ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم .
ونسألك أن تتم على ذريتنا نعمتك بأن تبعث فيهم رسولا منهم لا من غيرهم يتحدث بلغتهم ويتلو عليهم آياتك البينات ، ويعلمهم معاني القرآن وأسراره ويرشدهم إلى ما فيه من حكم ومواعظ وآداب ويبين لهم أحكام الدين وأسرار الوحي وحكمة التشريع وأهداف الإسلام .
ويعلمهم الحكمة ، أي وضع الأمور في نصابها ويربيهم فيحسن تربيتهم ويرشدهم إلى اتباع السنة النبوية التي بها يتم التفقه في الدين ويطهرهم من دنس الشرك وقبح العادات .
إنك أنت العزيز : الغالب الذي لا يقهر .
الحكيم : المدبر عن حكمة وإتقان .
وقد جاء ترتيب هذه الجمل في أسمى درجات البلاغة والحكمة ، لأن أول تبليغ الرسالة يكون بتلاوة القرآن ثم بتعليم معانيه ، ثم بتعليم العلم النافع الذي تحصل به التزكية والتطهير من كل ما يليق التلبس به في الظاهر أو الباطن .
لقد كان إبراهيم أبا وفيا أكثر الدعاء لذريته ، وطلب من الله أن يرزقها من الثمرات . ثم طلب من الله أن يبعث فيهم رسولا منهم يبين لهم الهداية والعبادة .
وكانت الاستجابة لدعوة إبراهيم وإسماعيل هي بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بعد قرون وقرون . بعثة رسول من ذرية إبراهيم وإسماعيل ، يقرأ القرآن ويبلغ الوحي ويعلم المسلمين ويبشر بالجنة ويحذر من النار ، ويؤدي رسالة ربه ، فكان نورا وهداية ودعوة مثمرة فيها الحياة والسعادة ، جمعت العرب ووحدتهم ولقنتهم التوحيد والإيمان ، والعلم والأحكام ، وصاروا خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله ، ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم .
لقد كان اليهود والنصارى يدعون أنهم أولى بإبراهيم ، ويربطون ديانتهم به ، ويدعون دعاوي عريضة في الهدى والجنة بسبب وراثتهم لإبراهيم . فأسمعهم القرآن أن إبراهيم حين طلب الإمامة لبنيه وورثته قال له ربه : لا ينال عهدي الظالمين . وحين طلب الرزق والثمرات والبركة خص بدعوته . من آمن منهم بالله واليوم الآخر .
وحين قام هو وإسماعيل ببناء البيت والتقرب إلى الله كانا يتضرعان إلى الله طلبا للقبول ، والتوفيق على الإسلام ، وهداية ذريتهما إلى طريق الإسلام ، ومناسكه ، وأن يبعث في هذه الذرية رسولا منهم ، فاستجاب الله لهما وأرسل من أهل البيت الحرام محمدا عبد الله وحقق على يديه الأمة المسلمة القائمة بأمر الله والوارثة لدين الله .
وقد أورد الحافظ ابن كثير حديثا طويلا رواه البخاري فيه : أن إبراهيم أخذ ولده إسماعيل وأمه هاجر قرب بيت الله الحرام ، وأخذت هاجر تسعى بين الصفا والمروة سبع مرات بحثا عن الماء . ثم سمعت صوت ملاك يبشرها بنبع زمزم ، ثم جاءت قبيلة جرهم واستأذنت من هاجر في أن تقيم حول البيت ، وشب إسماعيل وتزوج من قبيلة جرهم .
ثم جاء إبراهيم وقد كبر ولده إسماعيل فأخبر إبراهيم ولده أن الله يبني له بيتا ، فأعانه إسماعيل ، فعند ذلك رفعا القواعد من البيت فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني ، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له ، فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان : ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم . قال : فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان : ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم( 308 ) .
البشارة برسول الله صلى الله عليه وسلم :
بشرت برسول الله صلى الله عليه وسلم التوراة والإنجيل ، وكان صلى الله عليه وسلم استجابة لدعوة إبراهيم ، وقد وافقت هذه الدعوة المستجابة قدر الله السابق في تعيين محمد صلى الله عليه وسلم رسولا في الأميين ورسولا إلى سائر العالمين .
روى الإمام أحمد عن العرباض بن سارية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«إني عند الله لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته ، وسأنبئكم بأول ذلك : دعوة أبى إبراهيم ، وبشارة عيسى بي ، ورؤيا أمي التي رأت ، وكذلك أمهات النبيين يرين »( 309 ) .
{ رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ } أي أرسل في الأمة المسلمة وقيل : في الذرية وعود الضمير إلى أهل مكة بعيد { رَسُولاً مّنْهُمْ } أي من أنفسهم ، ووصفه بذلك ليكون أشفق عليهم ، ويكونوا أعز به وأشرف ، وأقرب للإجابة ، لأنهم يعرفون منشأه وصدقه وأمانته ، ولم يبعث من ذرية كليهما سوى محمد صلى الله عليه وسلم ، وجميع أنبياء بني إسرائيل من ذرية إبراهيم عليه الصلاة والسلام لا من ذريتهما فهو المجاب به دعوتهما ، كما روى الإمام أحمد وشارح السنة عن العرباض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : «سأخبركم بأول أمري ، أنا دعوة إبراهيم ، وبشارة عيسى ، ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني » وأراد صلى الله عليه وسلم إثر دعوته ، أو مدعوه ، أو عين دعوته على المبالغة ولما كان إسماعيل عليه السلام شريكاً في الدعوة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوة إسماعيل أيضاً إلا أنه خص إبراهيم لشرافته وكونه أصلاً في الدعاء ، ووهم من قال : إن الاقتصار في الحديث على إبراهيم يدل على أن المجاب من الدعوتين كان دعوة إبراهيم دون إسماعيل عليهما الصلاة والسلام . وقرأ أبيّ { وابعث فِيهِمْ في آخرهم رَسُولاً } وهذا يؤيد أن المراد به نبينا صلى الله عليه وسلم ، وفي الأثر أنه لما دعي إبراهيم قيل له : قد استجيب لك ، وهو يكون في آخر الزمان .
{ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءايَتكَ } أي يقرأ عليهم ما توحي إليه من العلامات الدالة على التوحيد والنبوة وغيرهما ، / وقيل : خبر من مضى ومن يأتي إلى يوم القيامة ، والجملة صفة ( رسولاً ) وقيل : في موضع الحال منه .
{ وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب } بأن يفهمهم ألفاظه ويبين لهم كيفية أدائه ، ويوقفهم على حقائقه وأسراره .
والظاهر : أن مقصودهما من هذه الدعوة أن يكون الرسول صاحب كتاب يخرجهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم ، وقد أجاب سبحانه هذه الدعوة بالقرآن ، وكونه بخصوصه كان مدعواً به غير بين ولا مبين .
والحكمة أي وضع الأشياء مواضعها ، أو ما يزيل من القلوب وهج حب الدنيا ، أو الفقه في الدين ، أو السنة المبينة للكتاب أو الكتاب نفسه ، وكرر للتأكيد اعتناءً بشأنه ، وقد يقال : المراد بها حقائق الكتاب ودقائقه وسائر ما أودع فيه ، ويكون تعليم الكتاب عبارة عن تفهيم ألفاظه ، وبيان كيفية أدائه ، وتعليم الحكمة الإيقاف على ما أودع فيه ، وفسرها بعضهم بما تكمل به النفوس من المعارف والأحكام ؛ فتشمل الحكمة النظرية والعملية ، قالوا : وبينها وبين ما في ( الكتاب ) عموم من وجه لاشتمال القرآن على القصص والمواعيد ، وكون بعض الأمور الذي يفيد كمال النفس علماً وعملاً غير مذكور في ( الكتاب ) وأنت تعلم أن هذا القول بعد سماع قوله تعالى : { مَّا فَرَّطْنَا في الكتاب مِن شيء } [ الأنعام : 38 ] وقوله سبحانه تعالى : { تِبْيَانًا لّكُلّ شيء } [ النحل : 9 8 ] مما لا ينبغي الإقدام عليه ، اللهم إلا أن تكون هذه النسبة بين ما في ( الكتاب ) الذي في الدعوة مع قطع النظر عما أجيبت به وبين الحكمة فتدبر .
{ وَيُزَكّيهِمْ } أي يطهرهم من أرجاس الشرك وأنجاس الشك وقاذورات المعاصي ، وهو إشارة إلى التخلية كما أن التعليم إشارة إلى التحلية ولعل تقديم الثاني على الأول لشرافته ، والقول بأن المراد يأخذ منهم الزكاة التي هي سبب لطهرتهم أو يشهد لهم بالتزكية والعدالة بعيد { إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم } أي الغالب المحكم لما يريد ، فلك أن تخصص واحداً منهم بالرسالة الجامعة لهذه الصفات بإرادته من غير مخصص ، وحمل ( العزيز ) هنا على من لا مثل له كما قاله ابن عباس أو المنتقم كما قاله الكلبي و( الحكيم ) على العالم كما قيل لا يخلو عن بعد .
( ومن باب الإشارة ) : { رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ } وهو الحقيقة المحمدية { يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءاياتك } الدالة عليك { وَيُعَلّمُهُمُ } كتاب العقل الجامع لصفاتك { والحكمة } الدالة على نفي غيرك { وَيُزَكّيهِمْ } ويطهرهم عن دنس الشرك { إِنَّكَ أَنتَ العزيز } [ البقرة : 129 ] الغالب ، فأنى يظهر سواك المحكم لما ظهرت فيه فلا يرى إلا إياك .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.