تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{الٓمٓ} (1)

مقدمة السورة:

أهداف سورة السجدة

سورة السجدة مكية وآياتها 30 نزلت بعد سورة غافر وقد نزلت سورة السجدة في المرحلة الأخيرة من حياة المسلمين بمكة ، إذ كانا نزولها بعد الإسراء وقبيل الهجرة .

أسماء السورة : لسورة السجدة ثلاثة أسماء :

الاسم الأول : سورة السجدة لاشتمالها على سجدة التلاوة في قوله تعالى : إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون . ( السجدة : 15 ) .

الاسم الثاني : سجدة لقمانi للتمييز عن حم السجدة وهي سورة فصلت .

الاسم الثالث : المضاجع لقوله تعالى : تتجافى جنوبهم عن المضاجع . . . ( السجدة : 16 ) .

مخاطبة القلوب :

سورة السجدة نموذج متميز من نماذج الخطاب القرآني للقلب البشري بالعقيدة الضخمة التي جاء القرآن ليوقظها في الفطر ويركزها في القلوب وهي عقيدة الدينونة لله الأحد الفرد الصمد خالق الكون والناس ومدبر السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما من خلائق لا يعملها إلا الله والتصديق برسالة محمد صلى الله عليه وسلم الموحى إليه بهذا القرآن لهداية البشر إلى الله والاعتقاد بالبعث والقيامة ، والحساب والجزاء هذه هي القضية التي تعالجها السورة وهي القضية التي تعالجها سائر السور المكية كل منها تعالجها بأسلوب خاص ومؤثرات خاصة ، تلتقي كلها في أنها تخاطب القلب البشري خطاب العليم الخبير المطلع على أسرار هذه القلوب وخفاياها العارف بطبيعتها وتكوينها وما يستكن فيها من مشاعر وما يعتريها من تأثرات واستجابات في جميع الأحوال والظروف .

وسورة السجدة تعالج تلك القضية بأسلوب وبطريقة غير أسلوب وطريقة سورة لقمان السابقة ، فهي تعرضها في آياتها الأولى ثم تمضي بقيتها تقدم مؤثرات موقظة للقلب منيرة للروح مثيرة للتأمل والتدبر كما تقدم أدلة وبراهين على تلك القضية معروضة في صفحة الكون ومشاهده وفي نشأة الإنسان وأطواره وفي مشهد من مشاهد اليوم الآخر حافل بالحياة والحركة وفي مصارع الغابرين وآثارهم القاطعة الناطقة بالعبرة لمن يسمع لها ويتدبر منطقها .

كذلك ترسم السورة صورا للنفوس المؤمنة في خشوعها وتطلعها على ربها وللنفوس الجاحدة في عنادها ولجاجها وتعرض صورا للجزاء الذي يتلقاه هؤلاء وهؤلاء وكأنها واقع مشهود حاضر للعيان يشهده كل قارئ لهذا القرآن .

وفي كل هذه المعارض والمشاهد تواجه القلب البشري بما يوقظه ويحركه ويقوده إلى التأمل والتدبر مرة وإلى الخوف والخشية مرة ، وإلى التطلع والرجاء مرة ، وتطالعه تارة بالتحذير والتهديد وتارة بالإطماع وتارة بالإقناع ثم تدعه في النهاية تحت هذه المؤثرات وأمام تلك البراهين تدعه لنفسه يختار طريقه وينتظر مصيره على علم وعلى هدى وعلى نور " . ii

أفكار السورة ونظامها

تبدأ سورة السجدة بالحديث عن القرآن وتبين أنه حق من عند الله وتبين قدرة الله وعظمته فهو خالق السماوات والأرض وهو المهيمن على الكون وهو المدبر للأمر كله وهو الخالق للإنسان الذي وهبه السمع والبصر والإدراك والناس بعد ذلك قليلا ما يشكرون وبذلك عالجت قضية الألوهية وصفتها : صفة الخلق وصفة التدبير مذكورة في سياق آيات الخلق والتكوين وتستغرق هذه المجموعة بما فيها صفة الإحسان وصفة الإنعام وصفة العلم وصفة الرحمة تستغرق من أول السورة إلى الآية 9 .

ثم تتحدث الآيات عن إنكار الكافرين للبعث والحساب وتحبيبهم بأن البعث حق ، وتعرض مشهدا من مشاهد القيامة يقف فيه المجرمون أذلاء يعلنون يقينهم بالآخرة ويقينهم بالحق الذي جاءتهم به الدعوة المحمدية .

وإلى جوار هذا المشهد البائس المكروب تعرض مشهد المؤمنين في الدنيا وهم يعبدون الله ويسجدون لعظمته ويقومون الليل بالصلاة والعبادة ، ثم تبشرهم بحسن الجزاء : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون . ( السجدة : 17 ) .

ثم تشير الآيات إلى أن منطق العدالة يأبى أن يستوي المؤمن والفاسق فقد اختلفتا في العمل في الدنيا فيجب أن يختلف الجزاء في الآخرة فللمؤمنين جنات المأوى وللفاسقين عذاب منوع في جهنم وتستغرق هذه المجموعة الآيات من ( 10-22 ) .

وفي الآيات الأخيرة من السورة ترد إشارة إلى موسى عليه السلام ووحدة رسالته ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم والمهتدين من قومه .

وتعقب هذه الإشارة جولة في مصارع الغابرين من القرون وهم يمشون في مساكنهم غافلين ثم جولة في الأرض الميتة ينزل عليها الماء بالحياة والنماء فيتقابل مشهد البلى ومشهد الحياة في سطور ويتساءل الكفار في استخفاف عن موعد يوم الفصل بين الفريقين ويجيب القرآن بأنه إذا أتى يؤمنون بصدقه فقلا ينفعهم إيمانهم ولا يمهلون ليستدركوا ما فاتهم .

وتختم السورة بتوجيه الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أن يعرض عنهم وأن ينتظر ما يحل بهم من جزاء لعنادهم وكفرهم قال تعالى : ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون فأعرض عنهم وانتظر إنهم ينتظرون . ( السجدة : 28-30 ) .

وتختم السورة على هذا الإيقاع العميق بعد تلك الإيحاءات والمشاهد والمؤثرات وخطاب القلب البشري بشتى الصور التي تأخذه من كل جانب وتأخذ عليه كل طريق .

***

بسم الله الرحمن الرحيم

{ آلم( 1 ) تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين( 2 ) أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون( 3 ) }

المفردات :

ألم : حروف للتحدي والتنبيه على إعجاز القرآن الكريم أو هي الجرس الذي يقرع فينتبه التلاميذ لدخول المدرسة .

التفسير :

{ آلم } :

أحرف للتحدي وبيان إعجاز القرآن الكريم فهو مؤلف من حروف عربية ينطقون بها وقد عجزوا عن الإتيان بمثل القرآن الكريم فدل ذلك على أنه ليس من صنع بشر ولكنه تنزيل من حكيم حميد .

وقيل : هي أدوات للتنبيه وإثارة الاهتمام كالجرس الذي يقرع فينتبه التلاميذ لدخول المدرسة ، فكذلك إذا قرعت أسماع العرب هذه الأحرف التي لم يألفوا سماع أمثالها تنبهوا فيقرأ القرآن عليهم ما بعدها من الآيات .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{الٓمٓ} (1)

مقدمة السورة:

سورة السجدة

سورة السجدة 23 وتسمى المضاجع أيضا كما في الإتقان وفي مجمع البيان إنها كما تسمى سورة السجدة تسمى سجدة لقمان لئلا تلتبس بحم السجدة وأطلق القول بمكيتها أخرج ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس إنها نزلت بمكة وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير مثله وجاء في رواية أخرى عن الحبر استثناء أخرج النحاس عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال : نزلت سورة السجدة بمكة سوى ثلاث آيات ( أفمن كان مؤمنا ) إلى تمام الآيات الثلاث وروى مثله عن مجاهد والكلبي وأستثنى بعضهم أيضا آيتين أخريين وهما قوله تعالى ( تتجافي جنوبهم ) إلخ وأستدل عليه ببعض الروايات في سبب النزول وستطلع على ذلك إن شاء الله تعالى وأستبعد استثناؤهما لشدة ارتباطهما بما قبلهما وهي تسع وعشرون آية في البصرى وثلاثون في الباقية ووجه مناسبتها لما قبلها اشتمال كل على دلائل الألوهية وفي البحر لما ذكر سبحانه فيما قبل دلائل التوحيد وهو الأصل الأول ثم ذكر جل وعلا المعاد وهو الأصل الثاني وختم جل شأنه به السورة ذكر تعالى في بدء هذه السورة الأصل الثالث وهو النبوة وقال الجلال السيوطي في وجه الاتصال بما قبلها : إنها شرح لمفاتح الغيب الخمسة التي ذكرت في خاتمة ما قبل فقوله تعالى ( ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ) شرح قوله تعالى : ( إن الله عنده علم الساعة ) ولذلك عقب بقوله سبحانه : ( عالم الغيب والشهادة ) وقوله تعالى : ( أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز ) شرح قوله سبحانه : ( وينزل الغيث ) وقوله تبارك وتعالى : ( الذي أحسن كل شيء خلقه ) الآيات شرح قوله جل جلاله : ( ويعلم ما في الأرحام ) وقوله عز وجل : يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ) شرح قوله تعالى : ( وما تدري نفس ماذا تكسب غدا ) وقوله جل وعلا : ( أئذا ضللنا في الأرض ) إلى قوله تعالى : ( قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون ) شرح قوله سبحانه : ( وما تدري نفس بأي أرض تموت ) ولا يخلو عن نظر وجاء في فضلها أخبار كثيرة أخرج أبو عبيد وابن الضريس من مرسل المسيب بن رافع أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : تجيء ألم تنزيل وفي رواية ألم السجدة يوم القيامة لها جناحان تظل صاحبها وتقول : لا سبيل عليه لا سبيل عليه وأخرج الدارمي والترمذي وابن مردويه عن طاوس قال : ألم السجدة وتبارك الذي بيده الملك تفضلان على كل سورة في القرآن بستين حسنة وفي رواية عن ابن عمر تفضلان ستين درجة على غيرهما من سور القرآن وأخرج أبو عبيد في فضائله وأحمد وعبد بن حميد والدارمي والترمذي والنسائي والحاكم وصححه وابن مردويه عن جابر قال : كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ ألم تنزيل السجدة وتبارك الذي بيده الملك وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من قرأ تبارك الذي بيده الملك وألم تنزيل السجدة بين المغرب والعشاء الآخرة فكأنما قام ليلة القدر وروى نحوه هو والثعلبي والواحدي من حديث أبي بن كعب والثعلبي دونهم من حديث ابن عباس وتعقب ذلك الشيخ ولي الدين قائلا : لم أقف عليه وهذه الروايات كلها موضوعة لكن رأيت في الدر المنثور أن الخرائطي أخرج في مكارم الأخلاق من طريق حاتم بن محمد عن طاوس أنه قال ما على الأرض رجل يقرأ ألم تنزيل السجدة وتبارك الذي بيده الملك في ليلة إلا كتب له مثل أجر ليلة القدر قال حاتم : فذكرت ذلك لعطاء فقال : صدق طاووس والله ما تركتهن منذ سمعت بهن إلا أن أكون مريضا ولم أقف على ما قيل في هذا الخبر صحة وضعفا ووضعا وفيه أخبار كثيرة في فضلها غير هذا الله تعالى أعلم بحالها وكان عليه الصلاة والسلام يقرؤها ( وهل أتى ) في صلاة فجر الجمعة وهو مشعر بفضلها والحديث في ذلك صحيح لا مقال فيه أخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقرأ في الفجر يوم الجمعة ألم تنزيل السجدة وهل أتى على الإنسان وأخرج أبو داود وهؤلاء إلا البخاري نحوه عن ابن عباس .

{ الم } إن جعل اسماً للسورة أو القرآن فمحله الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هذا الم .