تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡأَرۡحَامِۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسٞ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدٗاۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسُۢ بِأَيِّ أَرۡضٖ تَمُوتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرُۢ} (34)

29

{ إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير . }

المفردات :

الساعة : القيامة .

الغيث : المطر .

ما في الأرحام : ما في أرحام النساء من صفاته وأحواله ومستقبله وعمره ورزقه وشقى أو سعيد .

وما تدري : وما تعلم .

التفسير :

هذه الآية ختام سورة لقمان وتعرض جانبا من مظاهر علم الله تعالى فهو سبحانه علام الغيوب وتذكر الآية خمسة أمور :

1- إن الله عنده علم الساعة : فهو سبحانه المستأثر بمعرفة يوم القيامة لا يعلم ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل ، لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة . . . . ( الأعراف : 187 ) .

ولعل حكمة ذلك أن يظل الإنسان مترقبا الموت ، فقد يأتي فجأة في ليل أو نهار وفي الأثر : من مات فقد قامت قيامته .

2- وينزل الغيث : فهو سبحانه الذي يرسل المطر في وقته بلا تقديم ولا تأخير وفي بلد لا يتجاوزه إلى غيره وبمقدار تقتضيه حكمته .

3- ويعلم ما في الأرحام : فهو سبحانه العليم بكل ما يتصل بهذا الجنين من رزق وعمر وهداية أو ضلال وإن علم الإنسان ما يتصل بنوع الجنين من ذكورة أو أنوثة فإنه لا يعلم شيئا عن مستقبله وأجله ورزقه وشقاوته أو سعادته .

4- وما تدري نفس ماذا تكسب غدا لا يعلم الإنسان ماذا يكسب غدا من خير أو شر ومن نفع أو ضر ومن يسر أو عسر ومن صحة ، أو مرض ومن طاعة أو معصية كل ذلك في أمر الغيب يعلمه علام الغيوب وحده ، وشاءت حكمته أن يخفى ذلك ليستمر تعلق الإنسان بربه ودعاؤه له وصلاته فهو سبحانه يقول : ادعوني أستجب لكم . . . . ( غافر : 6 ) .

5- وما تدري نفس بأي أرض تموت أي لا يدري أحد اين مضجعه من الأرض أفي بحر أم في بر أم في سهل أم في جبل .

{ إن الله عليم خبير } .

هو سبحانه عالم الغيب مطلع على الظاهر والباطن محيط علمه بكل كبيرة وصغيرة ، خبير بخفايا النفوس وبواطنها وظواهرها .

قال تعالى : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين } . ( الأنعام : 59 ) .

فهذا العلم الشامل لكل ما في الغيب وللبر والبحر وللأشجار والأوراق وللورقة الساقطة من فوق الشجر ولكل حبة في ظلمات الأرض وللأرض اليابسة والأرض التي غمرتها المياه كل ذلك مسجل في علم الله الذي لا يحول دونه حائل من ليل أو نهار أو أرض أو سماء أو غائب أو شاهد إن الله عليم خبير .

روى البخاري ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " مفاتح الغيب خمس إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير " . xiv

وأخرج ابن المنذر عن عكرمة أن رجلا يقال له الوارث بن عمرو بن حارثة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد متى قيام الساعة ؟ وقد أجدبت بلادنا فمتى تخصب ؟ وقد تركت امرأتي حبلى فما تلد ؟ وقد علمت ما كسبت اليوم فماذا أكسب غدا ؟ وقد علمت بأي أرض ولدت فبأي أرض أموت ؟ فنزلت الآية : إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير .

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

ختام السورة:

***

خلاصة ما اشتملت عليه سورة لقمان :

1- القرآن هداية ورحمة للمؤمنين .

2- قصص من ضل عن سبيل الله بغير علم واتخذ آيات الله هزؤا .

3- وصف العالم العلوي والعالم السفلي وما فيهما من العجائب الدالة على وحدانية الله .

4- قصص لقمان وإيتاؤه الحكمة ثم نصائحه لابنه .

5- النعي على المشركين في ركونهم إلى التقليد إذا دعوا إلى النظر في الكون و عبادة الله .

6- تعجب الرسول من المشركين حيث يقرون بأن الله هو الخالق لكل شيء ثم هم يعبدون معه غيره ممن هو مخلوق مثلهم .

7- نعم الله ومخلوقاته لا حصر لها .

8- المر بالنظر إلى الكون وعجائبه لنسترشد بذلك إلى وحدانية الصانع .

9- الأمر بالخوف من عقاب الله يوم لا يجزى والد عن ولده .

10- مفاتيح الغيب الخمسة التي استأثر الله بعلمها .

11- إحاطة علمه تعالى بجميع الكائنات ظاهرها وباطنها .

i انظر تفسير القرآن للشيخ عز الدين بن عبد السلام ( 578-660ه ) اختصار النكث للما وردي ( 364-450ه ) تحقيق د . عبد الله بن إبراهيم الوهيبي طبع ونشر المحقق السعودية الإحساء ص . ب . 1730 هاتف 5820411 ، قال المحقق راجع فتح الباري ( 2/440- العيدين 9/202- النكاح 10/51- الأشربة ) وصحيح مسلم ( 2/607- صلاة العيدين-4 ) والمحلى لابن حزم ( 5/92 )أه . وقد ذكر علماؤنا أن الشعر كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح ، ويمكن أن يقاس عليه الغناء فالحسن منه والقليل منه في أيام الأعياد والزواج عند الأعمال الشاقة حسن ولهو مباح ، وما كان فيه ميوعة أو تخنث أو إغراء بالمحرم فحرام .

ii دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار :

رواه البخاري في الجمعة ( 952 ) وفي المناقب ( 3931 ) ومسلم في المناقب ( 892 ) والنسائي في العيدين ( 1593 ) وابن ماجة في النكاح ( 1898 ) وأحمد في مسنده ( 23529-24161-24431 ) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت : دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث قالت : وليستا بمغنيتين فقال أبو بكر أمزامير الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك في يوم عيد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا أبا بكر أن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا " .

iii آتيناكم آتيناكم فحيانا وحياكم :

رواه ابن ماجة في النكاح( 1900 ) واحمد في مسنده ( 14778 ) من حديث ابن عباس قال : أنكحت عائشة ذات قرابة لها من الأنصار فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " أهديتم الفتاة " ؟ قالوا : نعم فال : " أرسلتم معها من يغني " ؟ قالت : لا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الأنصار قوم فيهم غزل فلو بعثتم معها من يقول أتيناكم آتيناكم فحيانا وحياكم " . .

iv التفسير الوسيط بإشراف مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الحزب الحادي والأربعون ص 82-83 وبهامشه ما يأتي : في السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 289 أن عمرة بنت عبد الرحمن قالت : كانت النساء إذا تزوجت المرأة أو الرجل خرج جواري الأنصار يغنين ويلعبن فمروا في مجلس فيه رسول الله وهن يغنين ويقلن :

أهدى لها زوجها أكبشا يبحبحن في المريد

وزوجها في النادي يعلم ما في غد

فقال سبحان الله لا يعلم ما في غد إلا الله لا تقولوا هكذا و قولوا آتيناكم آتيناكم فحيانا وحياكم .

قال البيهقي هذا مرسل جيد هامش جمع الجوامع ص 2338 العدد 19 من الجزء الثاني تفسير القرآن العظيم إسماعيل ابن كثير تحقيق سامي بن محمد السلامة دار طبعة النشر والتوزيع السعودية الرياض ج 6 ص 332 .

v تفسير روح البيان للشيخ إسماعيل حقي البر سوي دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان مجلد 7 ص 71 .

vi تفسير ابن كثير تحقيق سامي بن محمد السلامة دار طيبة السعودية الرياض 6/333 .

vii أبنا لم يظلم :

رواه البخاري في الإيمان ( 32 ) وفي أحاديث الأنبياء ( 3360-3428-3429 ) وفي التفسير ( 4629-4776 ) وفي استتابة المرتدين ( 6918-6937 ) ومسلم في الإيمان ( 124 ) والترمذي في تفسير القرآن ( 3067 ) واحمد في مسنده ( 3578-4228 ) عن حديث عبد الله قال لما نزلت : الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم . . . قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أينا لم يظلم فأنزل الله عز وجل : إن الشرك لظلم عظيم .

viii أي الذنب اعظم عند الله قال أن تجعل لله ندا :

رواه البخاري في تفسير القرآن ( 4477 ) ومسلم في الإيمان ( 86 ) من حديث عبد الله بن مسعود قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم عند الله ؟ قال : " أن تجعل لله ندا وهو خلقك " قلت : إن ذلك لعظيم قلت : ثم أي ؟ قال " أن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك " قلت : ثم أي ؟ قال : " أن تزاني حليلة جارك " .

ix جامع البيان في تأويل آي القرآن تأليف أبي جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة 310ه21/ 70 ، مطبعة مصطفى البابي الحلبي 1968 م .

x إذا سمعتم صياح الديكة : رواه البخاري في بدء الخلق ( 3303 ) ومسلم في الذكر ( 2729 ) وأبو داود في الأدب ( 5102 ) والترمذي في الدعوات ( 3459 ) وأحمد في مسنده ( 8003 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله فإنها رأت ملكا ، وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان فإنه رأى شيطانا " .

xi إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق :

رواه أحمد في مسنده ( 8595 ) من حديث أبي هريرة .

xii إن من أحبكم إلب وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة :

رواه الترمذي في البر ( 2018 ) من حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالا : " إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهفون قالوا يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون ، فما المتفيهفون ؟ قال : المتكبرون وقال الترمذي حديث غريب ورواه أحمد في مسنده ( 17278 ) من حديث أبي ثعلبة الخشني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن أحبكم إلي وأقربكم مني في الآخرة محاسنكم أخلاقا وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني في الآخرة مساويكم أخلاقا الثرثارون المتفيقهون المتشدقون " ورواه أحمد في مسنده ( 8604 ) من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا أنبئكم بشراركم فقال " هم الثرثارون المتشدقون ألا أنبئكم بخياركم أحاسنكم أخلاقا " .

xiii يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار :

رواه مسلم في صفة القيامة ( 3807 ) وأحمد في مسنده ( 12699 ) من حديث أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة ثم يقال يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط ؟ هل مر بك نعيم قط ؟ فيقول : لا والله يا رب ، ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له : يا ابن آدم هل رأيت بؤسا قط ؟ هل مر بك شدة قط ؟ فيقول : لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط " .

xiv مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله :

رواه البخاري في تفسير القرآن ( 4627-4697-4778 ) وفي التوحيد ( 7379 ) واحمد في مسنده ( 4752 ) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله لا يعلم ما تفيض الأرحام إلا الله ولا يعلم ما في غد إلا الله ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله " .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡأَرۡحَامِۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسٞ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدٗاۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسُۢ بِأَيِّ أَرۡضٖ تَمُوتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرُۢ} (34)

{ إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة } الخ ، أخرج ابن المنذر عن عكرمة أن رجلاً يقال له الوارث بن عمرو جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد متى قيام الساعة ؟ وقد أجدبت بلادنا فمتى تخصب ؟ وقد تركت امرأتي حبلى فما تلد ؟ وقد علمت ما كسبت اليوم فماذا أكسب غداً ؟ وقد علمت بأي أرض ولدت فبأي أرض أموت ؟ فنلزت هذه الآية ، وذكر نحوه محيى السنة البغوي . والواحدي . والثعلبي فهو نظراً إلى سبب النزول جواب لسؤال محقق ونظراً إلى ما قبلها من الآية جواب لسؤال مقدر كأن قائلاً يقول : متى هذا اليوم الذي ذكر من شأنه ما ذكر ؟ فقيل : إن الله ، ولم يقل إن علم الساعة عند الله مع أنه أخصر لأن اسم الله سبحانه أحق بالتقديم ولأن تقديمه وبناء الخبر عليه يفيد الحصر كما قرره الطيبي مع ما فيه من مزية تكرر الإسناد ، وتقديم الظرف يفيد الاختصاص أيضاً بل لفظ عند كذلك لأنها تفيد حفظه بحيث لا يوصل إليه فيفيد الكلام من أوجه اختصاص علم وقت القيامة بالله عز وجل ، وقوله تعالى : { وَيُنَزّلُ الغيث } أي في إبانه من غير تقديم ولا تأخير في بلد لا يتجاوزه به وبمقدار تقتضيه الحكمة ، الظاهر أنه عطف على الجملة الظرفية المبنية على الاسم الجليل على عكس قوله تعالى : { نُّسْقِيكُمْ مّمَّا فِى بُطُونِهَا وَلَكُمْ فيِهَا منافع } [ المؤمنون : 1 2 ] فيكون خبراً مبنياً على الاسم الجليل مثل المعطوف عليه فيفيد الكلام الاختصاص أيضاً والمقصود تقييدات التنزيل الراجعة إلى العلم لا محض القدرة على التنزيل إذ لا شبهة فيه فيرجع الاختصاص إلى العلم بزمانه ومكانه ومقداره كما يشير إلى ذلك كلام الكشف ، وقال العلامة الطيبي في «شرح الكشاف » : دلالة هذه الجملة على علم الغيب من حيث دلالة المقدور المحكم المتفن على العلم الشامل ؛ وقوله تعالى : { وَيَعْلَمُ مَا في الارحام } أي أذكر أم أنثى أتام أم ناقص وكذلك ما سوى ذلك من الأحوال عطف على الجملة الظرفية أيضاً نظير ما قبله ، وخولف بين { عِندَهُ عِلْمُ الساعة } وبين هذا ليدل في الأول على مزيد الاختصاص اعتناء بأمر الساعة ودلالة على شدة خفائها ، وفي هذا على استمرار تجدد التعلقات بحسب تجدد المتعلقات مع الاختصاص ، ولم يراع هذا الأسلوب فيما قبله بأن يقال : ويعلم الغيث مثلاً إشارة بإسناد التنزيل إلى الاسم الجليل صريحاً عظم شأنه لما فيه من كثرة المنافع لأجناس الخلائق وشيوع الاستدلال بما يترتب عليه من إحياء الأرض على صحة البعث المشار إليه بالساعة في الكتاب العظيم قال تعالى : { وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ فانظر إلى آثار رَحْمَةِ الله كَيْفَ يُحْىِ الارض بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْىِ } [ الروم : 9 4 ، 0 5 ] وقال سبحانه : { ويحي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون } [ الروم : 9 1 ] إلى غير ذلك ، وربما يقال : إن لتنزيل الغيب وإن لم يكن الغيث المعهود دخلاً في المبعث بناء على ما ورد من حديث مطر السماء بعد النفخة الأولى مطراً كمني الرجال ، وقيل : الاختصاص راجع إلى التنزيل وما ترجع إليه تقييداته التي يقتضيها المقام من العلم ، وفي ذلك رد على القائلين مطرنا بنوء كذا وللاعتناء برد ذلك لما فيه من الشرك في الربوبية عدل عن يعلم إلى { يُنَزّلٍ } وهو كما ترى ، وقوله تعالى : { وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ } أي كل نفس برة كانت أو فاجرة كما يدل عليه وقوع النكرة في سياق النفي { مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً } أي في الزمان المستقبل من خير أو شر ، وقوله سبحانه : { وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىّ أَرْضٍ تَمُوتُ } عطف على ما استظهره «صاحب الكشف » على قوله تعالى : { إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة } وأشار إلى أنه لما كان الكلام مسوقاً للاختصاص لا لإفادة أصل العلم له تعالى فإنه غير منكر لزم من النفي على سبيل الاستغراق اختصاصه به عز وجل على سبيل الكناية على الوجه الأبلغ ، وفي العدول عن لفظ العلم إلى لفظ الدراية لما فيها من معنى الختل والحيلة لأن أصل دري رمي الدرية وهي الحلقة التي يقصد رميها الرماة وما يتعلم عليه الطعن والناقة التي يسيبها الصائد ليأنس بها الصيد فيستتر من ورائها فيرميه وفي كل حيلة ، ولكونها علماً بضرب من الختل والحيلة لا تنسب إليه عز وجل إلا إذا أولت بمطلق العلم كما في خبر خمس { أإله مَّعَ الله تَعَالَى } وقيل : قد يقال الممنوع نسبتها إليه سبحانه بانفراده تعالى أما مع غيره تبارك اسمه تغليباً فلا ، ويفهم من كلام بعضهم صحة النسبة إليه جل وعلا على سبيل المشالكة كما في قوله :

لا هم لا أدري وأنت الداري *** فلا حاجة إلى ما قيل : إنه كلام إعرابي جلف لا يعرف ما يجوز إطلاقه على الله تعالى وما يمتنع فيكون المعنى لا تعرف كل نفس وإن أعملت حيلها ما يلصق بها ويختص ولا يتخطاها ولا شيء أخص بالإنسان من كسبه وعاقبته فإذا لم يكن له طريق إلى معرفتهما كان من معرفة ما عداهما أبعد وأبعد ، وقد روعي في هذا الأسلوب الإدماج المذكور ولذا لم يقل : ويعلم ماذا تكسب كل نفس ويعلم أن كل نفس بأي أرض تموت . وجوز أن يكون أصل { وَيُنَزّلُ الغيث } وأن ينزل الغيث فحذف إن وارتفع الفعل كما في قوله :

أيهذا الزاجري أحضر الوغى *** وكذا قوله سبحانه : { وَيَعْلَمُ مَا فِى الأرحام } والعطف على { عِلْمُ الساعة } فكأنه قيل : إن الله عنده علم الساعة وتنزيل الغيث وعلم ما في الأرحام ، ودلالة ذلك على اختصاص علم تنزيل الغيث به سبحانه ظاهر لظهور أن المراد بعنده تنزيل الغيث عنده علم تنزيله ، وإذا عطف { يُنَزّلٍ } على { الساعة } كان الاختصاص أظهر لانسحاب علم المضاف إلى الساعة إلى الانزال حينئذ فكأنه قيل : إن الله عنده علم الساعة وعلم تنزيل الغيث ، وهذا العطف لا يكاد يتسنى في { وَيَعْلَمَ } إذ يكون التقدير وعنده علم علم ما في الأرحام وليس ذاك بمراد أصلاً .

وجعل الطيبي { وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ } الخ معطوفاً على خبر إن من حيث المعنى بأن يجعل المنفي مثبتاً بأن يقال : ويعلم ماذا تكسب كل نفس غداً ويعلم أن كل نفس بأي أرض تموت وقال : إن مثل ذلك جائز في الكلام إذا روعي نكتة كما في قوله تعالى : { أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَن لا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وبالوالدين إحسانا } [ الأنعام : 151 ] فإن العطف فيه باعتبار رجوع التحريم إلى ضد الإحسان وهي الإساءة ، وذكر في بيان نكتة العدول عن المثبت إلى المنفي نحو ما ذكرنا آنفاً . وتعقب ذلك «صاحب الكشف » بأن عنه مندوحة أي بما ذكر من عطفه على جملة { إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة } وقال الإمام : في وجه نظم الجمل الحق أنه تعالى لما قال : { واخشوا يَوْماً } [ لقمان : 33 ] الخ وذكر سبحانه أنه كائن بقوله عز وجل قائلاً : { إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ } [ لقمان : 33 ] فكأن قائلاً يقول : فمتى هذا اليوم ؟ فأجيب بأن هذا العلم مما لم يحصل لغيره تعالى وذلك قوله سبحانه : { إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة } ثم ذكر جل وعلا الدليلين اللذين ذكرا مراراً على البعث . أحدهما إحياء الأرض بعد موتها المشار إليه بقوله تعالى : { وَيُنَزّلُ الغيث } والثاني الخلق ابتداء المشار إليه بقوله سبحانه : { وَيَعْلَمُ مَا فِى الارحام } فكأنه قال عز وجل : يا أيها السائل إنك لا تعلم وقتها ولكنها كائنة والله تعالى قادر عليها كما هو سبحانه قادر على إحياء الأرض وعلى الخلق في الأرحام ثم بعد جل شأنه له أن يعلم ذلك بقوله عز وجل وما تدري الخ فكأنه قال تعالى : يا أيها السائل إنك تسأل عن الساعة أيان مرساها وإن من الأشياء ما هو أهم منها لا تعلمه فإنك لا تعلم معاشك ومعادك فما تعلم ماذا تكسب غداً مع أنه فعلك وزمانك ولا تعلم أين تموت مع أنه شغلك ومكانك فكيف تعلم قيام الساعة متى يكون والله تعالى ما علمك كسب غدك ولا علمك أين تموت مع أن لك في ذلك فوائد شتى وإنما لم يعلمك لكي تكون في كل وقت بسبب الرزق راجعاً إلى الله تعالى متوكلاً عليه سبحانه ولكيلا تأمن الموت إذا كنت في غير الأرض التي أعلمك سبحانه أنك تموت فيها فإذا لم يعلمك ما تحتاج إليه كيف يعلمك ما لا حاجة لك إليه وهو وقت القيامة وإنما الحاجة إلى العلم بأنها تكون وقد أعلمك جل وعلا بذلك على ألسنة أنبيائه تعالى عليهم الصلاة والسلام انتهى ، ولا يخفى أن الظاهر على ما ذكره أن يقال : ويخلق ما في الأرحام كما قال سبحانه : { وَيُنَزّلُ الغيث } ووجه العدول عن ذلك إلى ما في النظم الجليل غير ظاهر على أن كلامه بعد لا يخلو عن شيء ، وكون المراد اختصاص علم هذه الخمس به عز وجل الذي تدل عليه الأحاديث والآثار ، فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة من حديث طويل : " أنه صلى الله عليه وسلم سئل متى الساعة ؟ فقال للسائل : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل وسأخبرك عن أشراطها إذا ولدت الأمة ربها وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان في خمس لا يعلمهن إلا الله تعالى ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم { إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة وَيُنَزّلُ الغيث } الآية " أي إلى آخر السورة كما في بعض الروايات ، وما وقع عند البخاري في «التفسير » من قوله : إلى الأرحام تقصير من بعض الرواة ، وأخرجا أيضاً هما وغيرهما عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مفتاح وفي رواية مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله تعالى لا يعلم أحد ما يكون في غد ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام ولا تعلم نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت وما يدري أحد متى يجيء المطر "

وأخرج أحمد . والبزار . وابن مردويه . والروياني . والضياء بسند صحيح عن بريدة قال : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : خمس لا يعلمهن إلا الله إن الله عنده علم الساعة الآية " وظاهر هذه الأخبار يقتضي أن ما عدا هذه الخمس من المغيبات قد يعلمه غيره عز وجل وإليه ذهب من ذهب . أخرج حميد بن زنجويه عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنه أنه ذكر العلم بوقت الكسوف قبل الظهور فأنكر عليه فقال : إنما الغيب خمس وتلا هذه الآية وما عدا ذلك غيب يعلمه قوم ويجهله قوم ، وفي بعض الأخبار ما يدل على أن علم هذه الخمس لم يؤت للنبي صلى الله عليه وسلم ويلزمه أنه لم يؤت لغيره عليه الصلاة والسلام من باب أولى .

أخرج أحمد . والطبراني . عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس { إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة } الآية ، وأخرج أحمد .

وأبو يعلى . وابن جرير . وابن المنذر . وابن مردويه عن ابن مسعود قال : أوتي نبيكم صلى الله عليه وسلم مفاتيح كل شيء غير الخمس { إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة } الآية .

وأخرج ابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : لم يغم على نبيكم صلى الله عليه وسلم إلا الخمس من سرائر الغيب هذه الآية في آخر لقمان إن الله عنده علم الساعة إلى آخر السورة ، وأخرج سعيد بن منصور . وأحمد . والبخاري في الأدب عن ربعي بن حراش قال : حدثني رجل من بني عامر أنه قال : يا رسول الله هل بقي من العلم شيء لا تعلمه ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : لقد علمني الله تعالى خيراً وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله تعالى الخمس إن الله عنده علم الساعة الآية ، وصرح بعضهم باستئثار الله تعالى بهن ، أخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم . عن قتادة أن قال في الآية : خمس من الغيب استأثر الله تعالى بهن فلم يطلع عليهن ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً إن الله عنده علم الساعة ولا يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة في أي سنة ولا في أي شهر أليلاً أم نهاراً وينزل الغيث فلا يعلم أحد متى ينزل الغيث أليلاً أم نهاراً ويعلم ما في الأرحام فلا يعلم أحد ما في الأرحام أذكراً أم أنثى أحمر أو أسود ولا تدري نفس ماذا تكسب غداً أخيراً أم شراً وما تدري بأي أرض تموت ليس أحد من الناس يدري أين مضجعه من الأرض أفي بحر أم في بر في سهل أم في جبل ، والذي ينبغي أن يعلم أن كل غيب لا يعلمه إلا الله عز وجل وليس المغيبات محصورة بهذه الخمس وإنما خصت بالذكر لوقوع السؤال عنها أو لأنها كثيراً ما تشتاق النفوس إلى العلم بها ، وقال القسطلاني : ذكر صلى الله عليه وسلم خمساً وإن كان الغيب لا يتناهى لأن العدد لا ينفي زائداً عليه ولأن هذه الخمسة هي التي كانوا يدعون علمها انتهى ، وفي التعليل الأخير نظر لا يخفى وأنه يجوز أن يطلع الله تعالى بعض أصفيائه على إحدى هذه الخمس ويرزقه عز وجل العلم بذلك في الجملة وعلمها الخاص به جل وعلا ما كان على وجه الإحاطة والشمول لأحوال كل منها وتفصيله على الوجه الأتم ، وفي «شرح المناوي الكبير للجامع الصغير » في الكلام على حديث بريدة السابق خمس لا يعلمهن إلا الله على وجه الاحاطة والشمول كلياً وجزئياً فلا ينافيه اطلاع الله تعالى بعض خواصه على بعض المغيبات حتى من هذه الخمس لأنها جزئيات معدودة ، وإنكار المعتزلة لذلك مكابرة انتهى ، ويعلم مما ذكرنا وجه الجمع بين الأخبار الدالة على استئثار الله تعالى بعلم ذلك وبين ما يدل على خلافه كبعض إخباراته عليه الصلاة والسلام بالمغيبات التي هي من هذا القبيل يعلم ذلك من راجع نحو الشفاء والمواهب اللدنية مما ذكر فيه معجزاته صلى الله عليه وسلم وأخباره عليه الصلاة والسلام بالمغيبات ، وذكر القسطلاني أنه عز وجل إذا أمر بالغيث وسوقه إلى ما شاء من الأماكن علمته الملائكة الموكلون به ومن شاء سبحانه من خلقه عز وجل ، وكذا إذا أراد تبارك وتعالى خلق شخص في رحم يعلم سبحانه الملك الموكل بالرحم بما يريد جل وعلا كما يدل عليه ما أخرجه البخاري عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله تعالى وكل بالرحم ملكاً يقول : يا رب نطفة يا رب علقة يا رب مضغة فإذا أراد الله تعالى أن يقضي خلقه قال : أذكر أم أنثى شقي أم سعيد فما الرزق والأجل ؟ فيكتب في بطن أمه فحينئذ يعلم بذلك الملك ومن شاء الله تعالى من خلقه عز وجل " وهذا لا ينافي الاختصاص والاستئثار بعلم المذكورات بناء على ما سمعت منا من أن المراد بالعلم الذي استأثر سبحانه به العلم الكامل بأحوال كل على التفصيل فما يعلم به الملك ويطلع عليه بعض الخواص يجوز أن يكون دون ذلك العلم بل هو كذلك في الواقع بلا شبهة ، وقد يقال فيما يحصل للأولياء من العلم بشيء مما ذكر إنه ليس بعلم يقيني قال : على القاري في «شرح الشفا » : الأولياء وإن كان قد ينكشف لهم بعض الأشياء لكن علمهم لا يكون يقينياً وإلهامهم لا يفيد إلا أمراً ظنياً ومثل هذا عندي بل هو دونه بمراحل علم النجومي ونحوه بواسطة أمارات عنده بنزول الغيث وذكورة الحمل أو أنوثته أو نحو ذلك ولا أرى كفر من يدعي مثل هذا العلم فإنه ظن عن أمر عادي ، وقد نقل العسقلاني في فتح الباري عن القرطبي أنه قال : من ادعى علم شيء من الخمس غير مسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كاذباً في دعواه وأما ظن الغيث فقد يجوز من المنجم وغيره إذا كان عن أمر عادي وليس ذلك بعلم ، وعليه فقول القسطلاني من ادعى علم شيء منها فقد كفر بالقرآن العظيم ينبغي أن يحمل العلم فيه على نحو العلم الذي استأثر الله تعالى به دون مطلق العلم الشامل للظن وما يشبهه ، وبعد هذا كله إن أمر الساعة أخفى الأمور المذكورة وإن ما أطلع الله تعالى عليه نبيه صلى الله عليه وسلم من وقت قيامها في غاية الإجمال وإن كان أتم من علم غيره من البشر صلى الله عليه وسلم .

وقوله عليه الصلاة والسلام : " بعثت أنا والساعة كهاتين " لا يدل على أكثر من العلم الإجمالي بوقتها ولا أظن أن خواص الملائكة عليهم السلام أعلم منه صلى الله عليه وسلم بذلك ، ويؤيد ظني ما رواه الحميدي في نوادره بالسند عن الشعبي قال : سأل عيسى ابن مريم جبريل عليهما السلام عن الساعة فانتفض بأجنحته ، وقال : ما المسئول بأعلم من السائل ، والمراد التساوي في العلم بأن الله تعالى استأثر بعلمها على الوجه الأكمل ويرشد إلى العلم الإجمالي بها ذكر أشراطها كما لا يخفى ، ويجوز أن يكون الله تعالى قد أطلع حبيبه عليه الصلاة والسلام على وقت قيامها على وجه كامل لكن لا على وجه يحاكي علمه تعالى به إلا أنه سبحانه أوجب عليه صلى الله عليه وسلم كتمه لحكمة ويكون ذلك من خواصه عليه الصلاة والسلام ، وليس عندي ما يفيد الجزم بذلك ، هذا وخص سبحانه المكان في قوله تعالى : { وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بأي أَرْضٍ تَمُوتُ } ليعرف الزمان من باب أولى فإن الأول في وسع النفس في الجملة بخلاف الثاني ، وأخرج أحمد وجماعة عن أبي غرة الهذلي قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أراد الله تعالى قبض عبد بأرض جعل له إليها حاجة فلم ينته حتى يقدمها ثم قرأ عليه الصلاة والسلام وما تدري نفس بأي أرض تموت " وأخرج ابن أبي شيبة في «المصنف » عن خيثمة أن ملك الموت مر على سليمان عليه السلام فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم النظر إليه فقال الرجل : من هذا ؟ قال : ملك الموت فقال : كأنه يريدني فمر الريح أن تحملني وتلقيني بالهند ففعل فقال الملك : كان دوام نظري إليه تعجباً منه إذ أمرت أن أقبض روحه بالهند وهو عندك .

و { تَدْرِى } في الموضعين معلقة فالجملة من قوله تعالى : { مَّاذَا تَكْسِبُ } في موضع المفعول ، ويجوز أن تكون { مَاذَا } كلها موصولاً منصوب المحل بتدري كأنه قيل : وما تدري نفس الشيء الذي تكسبه غداً و { بِأَىّ } متعلق بتموت والباء ظرفية ، والجملة في موضع نصب بتدري .

وقرأ غير واحد من السبعة { يُنَزّلٍ } من الإنزال ، وقرأ موسى الإسواري . وابن أبي عبلة { بِأيَةٍ أَرْض } بتاء التأنيث لإضافتها إلى المؤنث وهي لغة قليلة فيها كما أن كلاً إذا أضيفت إلى مؤنث قد تؤنث نادراً فيقال : كلتهن فعلن ذلك فليعلم والله عز وجل أعلم { إِنَّ الله عَلِيمٌ } مبالغ في العلم فلا يعزب عن علمه سبحانه شيء من الأشياء { خَبِيرٌ } يعلم بواطنها كما يعلم ظواهرها فالجمع بين الوصفين للإشارة إلى التسوية بين علم الظاهر والباطن عنده عز وجل والجملة على ما قيل في موضع التعليل لعلمه سبحانه بما ذكر ، وقيل : جواب سؤال نشأ من نفي دراية الأنفس ماذا تكسب غداً وبأي أرض تموت كأنه قيل : فمن يعلم ذلك فقيل : إن الله عليم خبير وهو جواب بأن الله تعالى يعلم ذلك وزيادة ، ولا يخفى أنه إذا كانت هذه الجملة من تتمة الجملتين اللتين قبلها كانت دلالة الكلام على انحصار العلم بالأمرين اللذين نفي العلم بهما عن كل نفس ظاهرة جداً فتأمل ذاك والله عز وجل يتولى هداك .

ومن باب الإشارة : { إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة } [ لقمان : 4 3 ] الآية ذكر غير واحد حكايات عن الأولياء متضمنة لإطلاع الله تعالى إياهم على ما عدا علم الساعة من الخمس وقد علمت الكلام في ذلك ، وأغرب ما رأيت ما ذكره الشعراني عن بعضهم أنه كان يبيع المطر فيمطر على أرض من يشتري منه متى شاء ، ومن له عقل مستقيم لا يقبل مثل هذه الحكاية ، وكم للقصاص أمثالها من رواية نسأل الله تعالى أن يحفظنا وإياكم من اعتقاد خرافات لا أصل لها وهو سبحانه ولي العصمة والتوفيق .