تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمَرۡيَمَ ٱبۡنَتَ عِمۡرَٰنَ ٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتۡ بِكَلِمَٰتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِۦ وَكَانَتۡ مِنَ ٱلۡقَٰنِتِينَ} (12)

10

المفردات :

أحصنت فرجها : حفظته وصانته .

الفرج : شق جيب الدرع ( القميص ) إذ الفرج لغة : كل فُرجة بين الشيئين ، ويراد بذلك عفتها .

كلمات ربها : شرائعه وكتبه التي أنزلها على رسله .

القانتين : الطائعين المخبتين إلى الله ، المتمثلين أوامره .

التفسير :

12- { وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ } .

ونموذج آخر للمثل الأعلى للمرأة المؤمنة ، و مريم ابنة عمران البتول الطاهرة المتعبدة الصالحة الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا . أي : حفظته من كل فاحشة ، كالحصن الذي يتحصن به الجنود فلا يصل إليهم الأعداء ، والمرأة المحصنة هي الفاضلة المستقيمة البعيدة عن الريبة ، فقد وصفها الله بالطهارة والاستقامة ، وبُعدها عن الفاحشة ، حيث أحصنت فرجها وحفظته عن الحرام .

وحينما ظهر لها جبريل في صورة بشر ، قالت : { إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ( 18 ) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا ( 19 ) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ( 20 ) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا ( 21 ) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا . ( مريم : 18-22 ) } .

هذه المرأة رفعها إيمانها الكامل ، وطاعتها لربها ، وعفتها وإحصانها لفرجها ، وبُعدها عن الزنا والفاحشة ، فنفخ جبريل في جيب قميصها ، فوصلت النفخة إلى فرجها ، فحملت بعيسى عليه السلام ، كما هو مفصّل في سورة مريم وغيرها من السّور .

{ وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ } .

وآمنت بشرائع الله وكتبه وصحفه ، كصحف إدريس وصحف إبراهيم وموسى ، وصدقت ببشارة الله لها ، أنها ستحمل ولدا بدون أب ، ليكون آية بينة للبشرية كلها على قدرة الله الخارقة ، وأنه سبحانه هو المسبب للأسباب ، وأن أمره بين الكاف والنون .

قال تعالى : { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } . ( يس : 82 ) .

وقال تعالى : { إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } . ( آل عمران : 59 )

وثبت في الصحيحين ، عن أبي موسى الأشعري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كَمُل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء إلا أربع : آسية امرأة فرعون ، ومريم ابنة عمران ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم ، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " . 10

ختام السورة:

خلاصة ما تضمنته سورة التحريم

اشتملت سورة التحريم على ثلاثة أمور :

1-أخبار نساء النبي صلى الله عليه وسلم ، وحلفه ألا يشرب العسل إرضاء لبعضهن ، أو حلفه ألا يقرب مارية القبطية ، وأمره حفصة أن تكتم الموضوع فأفشته ، وأعلمه الله بذلك ، ثم أدّب لقرآن زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم أدبا مناسبا .

2- ضرب الله مثلا للذين كفروا بامرأة نوح وامرأة لوط .

3- ضرب المثل للذين آمنوا بآسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران .

******

تم بحمد الله تعالى تفسير سورة ( التحريم ) ، وبه تمّ تفسير الجزء ( الثامن والعشرون ) ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، والصلاة والسلام على سيدا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

وكان الفراغ منه عصر يوم السبت 16 من ذي القعدة 1421 ه ، 10/2/2001 م ، ونسأله تعالى المعونة والتوفيق والسداد ، إنه نعم المولى ونعم النصير .

1 تفسير الطبري 28/102 ، وقد ورد ذلك في سنن النسائي من حديث أنس .

2 المغافير : صمغ حلو الطعام كريه الرائحة .

3 لا ولكني كنت أشرب عسلا :

رواه البخاري في تفسير القرآن ( 4912 ) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب عسلا عند زينب بنت جحش ويمكث عندها ، فواطيت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليا فلتقل له : أكلت مغافير ، إني أجد منك ريح مغافير ، قال : " لا ولكني كنت أشرب عسلا عند زينب بنت جحش ، فلن أعود له ، وقد حلفت ، لا تخبري بذلك أحدا " .

4 تفسير الطبري 28/102 .

5 رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي

6 في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب 28/156 .

7 من حلف على يمين :

رواه مسلم في الأيمان ( 1650/13 ) والترمذي في النذور والأيمان ( 1530 ) وقال : حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح ، والنسائي في الكبرى في الأيمان والكفارات ( 4722/2 ) كلهم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وأبو داود في الأيمان والنذور ( 3277 ) والنسائي في الكبرى في الأيمان والنذور ( 4724/4 ) كلاهما عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه .

8 مروا أولادكم بالصلاة لسبع :

رواه أبو داود في الصلاة ( 495 ) وأحمد في مسنده ( 6650 ) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مروا أولادكم بالصلاة لسبع سنين ، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر ، وفرقوا بينهم في المضاجع " .

9 ما نحل والد ولدا من نحل أفضل من أدب حسن :

رواه الترمذي في البر ( 1952 ) وأحمد في مسنده ( 16269 ) من حديث أيوب بن موسى عن أبيه عن جده أن رسول لله صلى الله عليه وسلم قال : " ما نحل والد ولدا من نحل أفضل من أدب حسن " .

قال أبو عيسى : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عامر بن أبي عامر الخزاز ، وهو عامر بن صالح بن رستم الخزاز ، وأيوب بن موسى هو ابن عمرو بن سعيد بن العاص ، وهذا عندي حديث مرسل .

10 كمل من الرجال كثير :

رواه البخاري في أحاديث الأنبياء ( 3411 ) ومسلم في فضائل الصحابة ( 2431 ) والترمذي في الأطعمة ( 1834 ) من حديث أبي موسى رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كمل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ، ومريم ابنة عمران ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد ، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " .

قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمَرۡيَمَ ٱبۡنَتَ عِمۡرَٰنَ ٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتۡ بِكَلِمَٰتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِۦ وَكَانَتۡ مِنَ ٱلۡقَٰنِتِينَ} (12)

وقوله تعالى : { وَمَرْيَمَ ابنة عِمْرَانَ } عطف على { امرأة فِرْعَوْنَ } [ التحريم : 11 ] أي وضرب مثلاً للذين آمنوا حالتها وما أوتيت من كرامة الدنيا والآخرة والاصطفاء مع كون أكثر قومها كفاراً ، وجمع في التمثيل بين من لها زوج ومن لا زوج لها تسلية للأرامل وتطييباً لقلوبهن على ما قيل ، وهو من بدع التفاسير كما في «الكشاف » ، وقرأ السختياني ابنه بسكون الهاء وصلاً أجراه مجرى الوقف { التي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا } صانته ومنعته من الرجال ؛ وقيل : منعته عن دنس المعصية .

والفرج ما بين الرجلين وكني به عن السوءة ؛ وكثر حتى صار كالصريح ، ومنه ما هنا عند الأكثرين { فَنَفَخْنَا فِيهِ } النافخ رسوله تعالى وهو جبريل عليه السلام فالإسناد مجازي ، وقيل : الكلام على حذف مضاف أي فنفنخ رسولنا ، وضمير { فِيهِ } للفرج ، واشتهر أن جبريل عليه السلام نفخ في جيبها فوصل أثر ذلك إلى الفرج .

وروي ذلك عن قتادة ، وقال الفراء : ذكر المفسرون أن الفرج جيب درعها وهو محتمل لأن الفرج معناه في اللغة كل فرجة بين الشيئين ، وموضع جيب درع المرأة مشقوق فهو فرج ، وهذا أبلغ في الثناء عليها لأنها إذا منعت جيب درعها فهي للنفس أمنع ، وفي «مجمع البيان » عن الفراء أن المراد منعت جيب درعها عن جبريل عليه السلام ، وكان ذلك على ما قيل : قولها { إِنّي أَعُوذُ بالرحمن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً } [ مريم : 18 ] وأفاد كلام البعض أن أحصنت فرجها على ما نقل أولاً عن الفراء كناية عن العفة نحو قولهم : هو نقي الجيب طاهر الذيل .

وجوز في ضمير { فِيهِ } رجوعه إلى الحمل ، وهو عيسى عليه السلام المشعر به الكلام ، وقرأ عبد الله فيها كما في الأنبياء ، فالضمير لمريم ، والإضافة في قوله تعالى : { مِن رُّوحِنَا } للتشريف ، والمراد من روح خلقناه بلا توسط أصل ، وقيل : لأدنى ملابسة وليس بذاك { وَصَدَّقَتْ } آمنت { بكلمات رَبَّهَا } بصحفه عز وجل المنزلة على إدريس عليه السلام . وغيره ، وسماها سبحانه كلمات لقصرها { وَكُتُبِهِ } بجميع كتبه والمراد بها ما عدا الصحف مما فيه طول ، أو التوراة . والإنجيل . والزبور ، وعد المصحف من ذلك وإيمانها به ولم يكن منزلاً بعد كالإيمان بالنبي الموعود عليه الصلاة والسلام فقد كان صلى الله عليه وسلم من ذلك وإيمانها به ولم يكن منزلاً بعد كالإيمان بالنبي الموعود عليه الصلاة والسلام فقد كان صلى الله عليه وسلم مذكوراً بكتابه في الكتب الثلاث ، وتفسير الكلمات والكتب بذلك هو ما اختاره جمع ، وجوز غير واحد أن يراد بالكلمات ما أوحاه الله تعالى إلى أنبيائه عليهم السلام ، وبالكتب ما عرف فيها مما يشمل الصحف وغيرها ، وقيل : جميع ما كتب مما يشمل اللوح وغيره ، وأن يراد بالكلمات وعده تعالى ووعيده أو ذلك وأمره عز وجل ونهيه سبحانه ، وبالكتب أحد الأوجه السابقة ، وإرادة كلامه تعالى القديم القائم بذاته سبحانه من الكلمات بعيد جداً ، وقرأ يعقوب . وأبو مجلز . وقتادة . وعصمة عن عاصم { صَدَّقْتَ } بالتخفيف ، ويرجع إلى معنى المشدد ؛ وفي «البحر » أي كانت صادقة بما أخبرت به من أمر عيسى وما أظهره الله تعالى لها من الكرامات ، وفيه قصور لا يخفي .

وقرأ الحسن . ومجاهد . والجحدري بكلمة على التوحيد فاحتمل أن يكون اسم جنس ، وأن يكون عبارة عن كلمة التوحيد ، وأن يكون عبارة عن عيسى عليه السلام فقد أطلق عليه عليه السلام أنه كلمة الله ألقاها إلى مريم ، وقد مر شرح ذلك ، وقرأ غير واحد من السبعة وكتابه على الافراد فاحتمل أن يراد به الجنس وأن يراد به الإنجيل لاسيما إن فسرت الكلمة بعيسى عليه السلام ، وقرأ أبو رجاء { وَكُتُبِهِ } بسكون التاء على ما قال ابن عطية ، وبه . وبفتح الكاف على أنه مصدر أقيم مقام الاسم على ما قال صاحب اللوامح .

{ وَكَانَتْ مِنَ القانتين } أي من عداد المواظبين على الطاعة فمن للتبعيض ، والتذكير للتغليب ، والإشعار بأن طاعتها لم تقصر عن طاعة الرجال حتى عدت من جملتهم فهو أبلغ من قولنا : وكانت من القانتات ، أو قانتة ، وقيل : { مِنْ } لابتداء الغاية ، والمراد كانت من نسل القانتين لأنها من أعقاب هارون أخي موسى عليهما السلام ، ومدحها بذلك لما أن الغالب أن الفرع تابع لأصله { والبلد الطيب يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبّهِ والذي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا } [ الأعراف : 58 ] وهي على ما في بعض الأخبار سيدة النساء ومن أكملهن ، روى أحمد في مسنده : سيدة نساء أهل الجنة مريم . ثم فاطمة . ثم خديجة . ثم آسية . ثم عائشة ، وفي «الصحيح » كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع : آسية بنت مزاحم امرأة فرعون . ومريم ابنة عمران . وخديجة بنت خويلد . وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام وخص الثريد وهو خبز يجعل في مرق وعليه لحم كما قيل

: إذا ما الخبز تأدمه بلحم *** فذاك أمانة الله الثريد

لا اللحم فقط كما قيل لأن العرب لا يؤثرون عليه شيئاً حتى سموه بحبوحة الجنة ، والسر فيه على ما قال الطيبي : إن الثريد مع اللحم جامع بين الغذاء واللذة والقوة وسهولة التناول وقلة المؤنة في المضغ وسرعة المرور في المريء فضرب به مثلاً ليؤذن بأنها رضي الله تعالى عنها أعطيت مع حسن الخلق حلاوة المنطق وفصاحة اللهجة وجودة القريحة ورزانة الرأي ورصانة العقل والتحبب للبعل فهي تصلح للبعل والتحدث والاستئناس بها والإصغاء إليها ، وحسبك أنها عقلت من النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يعقل غيرها من النساء وروت ما لم يرو مثلها من الرجال ، وعلى مزيد فضلها في هذه السورة الكريمة من عتابها وعتاب صاحبتها حفصة رضي الله تعالى عنهما ما لا يخفي ، ثم لا يخفي أن فاطمة رضي الله تعالى عنها من حيث البضعية لا يعدلها في الفضل أحد ، وتمام الكلام في ذلك في محله .

وجاء في بعض الآثار أن مريم . وآسية زوجا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة ، أخرج الطبراني عن سعد بن جنادة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الله زوجني في الجنة مريم بنت عمران وامرأة فرعون وأخت موسى عليه السلام » وزعم نبوتها كزعم نبوة غيرهما من النساء كهاجر . وسارة غير صحيح لاشتراط الذكورة في النبوة على الصحيح خلافاً للأشعري ، وقد نبه على هذا الزعم العلامة ابن قاسم في الآيات البينات وهو غريب فليحفظ ، والله تعالى أعلم .