تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{تَبَٰرَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلۡمُلۡكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ} (1)

مقدمة السورة:

أهداف سورة الملك

( سورة الملك مكية ، وآياتها 30 آية ، نزلت بعد سورة الطور ) .

وسورة الملك لها من اسمها أكبر نصيب ، إنها سورة تعرض بركات الله في هذه الدنيا ، وقدرته العالية ، وحكمته السامية ، فهو الخالق الرزاق المهيمن ، المدبر الحكيم المبدع ، الذي أبدع كل شيء خلقه .

وتستلفت السورة نظر الإنسان إلى خلق الأرض ، وخلق السماء والطير والرزق ، والسمع والأبصار ، والموت والحياة ، والزرع والثمار ، والماء والهواء والفضاء .

وتحث القلب على التفكير والتأمل ، والنظر في ملكوت السماوات والأرض ، وتهيج فيه البحث والاستنباط ليصل بنفسه إلى التعرف على قدرة الله وجلاله ، وسابغ فضله على الناس أجمعين .

مطلع السورة :

مطلع السورة مطلع جامع يهز القلب هزا ، وينبه إلى بركات الله ونعمه وقدرته :

تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير . ( الملك : 1 ) .

وعن حقيقة الملك والقدرة ، تتفرع سائر الصور التي عرضتها السورة ، وسائر الحركات المغيبة والظاهرة ، والتي نبهت القلوب إليها .

( فمن الملك ومن القدرة كان خلق الموت والحياة ، وكان الابتلاء بهما ، وكان خلق السماوات وتزيينها بالمصابيح ، وجعلها رجوما للشياطين ، وكان إعداد جهنم بوصفها وهيئتها وخزنتها ، وكان العلم بالسر والجهر ، وكان جعل الأرض ذلولا للبشر ، وكان الخسف والحاصب والنكير على المكذبين ، وكان إمساك الطير في السماء ، وكان القهر والاستعلاء ، وكان الرزق كما يشاء ، وكان الإنشاء ، وهبة السمع والأبصار والأفئدة ، وكان الخلق في الأرض والحشر ، وكان الاختصاص بعلم الآخرة ، وكان عذاب الكافرين ، وكان الماء الذي به الحياة ، فكل حقائق السورة وموضوعاتها مستمدة من ذلك المطلع ومدلوله الشامل الكبير )i .

مع آيات السورة

1- تبدأ السورة بتمجيد الله سبحانه بقوله : تبارك الذي بيده الملك . . . ( الملك : 1 ) . فهو كثير البركة تفيض بركته على عباده ، وهو المالك المهيمن على الخلق ، وهو القادر قدرة مطلقة بلا حدود ولا قيود ، يخلق ما يشاء ، ويفعل ما يريد ، وهو على كل شيء قدير .

2- ومن آثار قدرته أنه خلق الموت السابق على الحياة واللاحق بها ، وخلق الحياة وهي تشمل الحياة الأولى والحياة الآخرة ، ليمتحن الإنسان بالوجود والاختيار والعقل والكسب ، حتى يعمل في الحياة الأولى ليرى جزاء عمله في الحياة الآخرة .

3- يوجه القرآن النظر إلى خلق السماوات السبع ، ويذكر أنها طبقات على أبعاد متفاوتة ، وليس في خلقها خلل ولا اضطراب . وانظر إليها بعينيك فهل تستطيع أن تجد بها نقصا أو عيباّ ؟

4- تأمل كثيرا في هذا الكون وشاهد عجائبه ، فلن تجد فيه إلا الإبداع والتنسيق ، والضبط والإحكام .

5- لقد رفع الله السماء الدنيا ، وخلق فيها الكواكب والنجوم زينة السماء ، وهداية للمسافرين ، وهذه النجوم منها الباهر الزاهر والخافت ، والمنفرد والمجتمع ، ولكل نجم مكان ومسار وطريق خاص ، وهذه النجوم منها شهب تنزل على الشياطين الذين يحاولون استراق السمع ، والتنصت على كلام الملائكة ، فيرجمون بالشهب التي تقتلهم أو تخبلهم .

6- ومن كفر بالله فإنه يستحق عذاب جهنم ، وبئس هذا المصير .

7- إن جهنم تتميز غيظا على من عصى الله ، وتغلي وتفور حنقا على الكفار .

8- كلما ألقى جماعة من الكفار في النار ، سألهم خزنة جهنم : ألم يأتكم رسول ينذركم هول هذا اليوم ؟

9- ويجيب الكفار بأن الرسول قد جاءنا ، ولكن العمى أضلنا فكذبنا بالرسول ، وقلنا : ما أنزل الله من وحي ولا رسالة ، واتهمنا الرسول بالضلال والكذب .

10- ولو حكمنا عقلنا وسمعنا لاهتدينا إلى الحق وآمنا ، وحفظنا أنفسنا من هذا الهلاك ومن هذا العذاب .

11- لقد جاء هذا الاعتراف بالذنب متأخرا في غير وقته ، فسحقا وعذابا لأصحاب جهنم ، حيث لا يؤمنون إلا بعد فوات الأوان .

12- إن المؤمن يحس برقابة الله عليه ، ويخشى عقابه وإن لم يره بعينه ، أو يخشى ربه وهو في خفية عن الأعين ، غائب عن أعين الناس . وله مغفرة وأجر كبير جزاء عمله .

13- ما يفعله العبد مكشوف أما الله ، وسيان أجهرتم بأقوالكم أم أسررتم بها فالله مطلع عليها .

14- ألا يعلم الخالق الأشياء التي خلقها ؟ وهو سبحانه عالم بخفيات الأمور ودقائقها ، وهو اللطيف الخبير .

15- ثم ينتقل بهم السياق من ذوات أنفسهم إلى الأرض التي خلقها الله لهم وذللها وأودعها أسباب الحياة .

فهذه الأرض تدور حول نفسها بسرعة ألف ميل في الساعة ، ثم تدور حول الشمس بسرعة حوالي خمسة وستين ألف ميل في الساعة ، ومع هذه السرعة يبقى الإنسان على ظهرها آمنا مستريحا مطمئنا .

وقد جعل الله الهواء المحيط بالأرض محتويا للعناصر التي تحتاج إليها الحياة بالنسب الدقيقة اللازمة . فنسبة الأكسجين 21% ونسبة الأزوت أو النتروجين 78% والبقية من ثاني أكسيد الكربون وعناصر أخرى . وهذه النسب هي اللازمة لقيام الحياة على الأرض .

وحجم الأرض وحجم الشمس وحجم القمر ، وبعد الأرض عن الشمس والقمر ، كل ذلك بنسب لازمة لاستمرار الحياة على ظهر الأرض .

إن الحيوان يستنشق الهواء فيمتص الأكسجين ويخرج ثاني أكسيد الكربون ، والنباتات تمتص ثاني أكسيد الكربون ، وبكيمياء سحرية يغذى النبات نفسه ، ويخرج الأكسجين الذي نتنفسه وبدونه تنتهي الحياة بعد خمس دقائق ، ولو كانت هذه المقايضة غير موجودة ، فإن الحياة الحيوانية أو النباتية كانت تستنفد في النهاية كل الأكسجين أو كل ثاني أكسيد الكربون تقريبا ، ومتى انقلب التوازن تماما ذوى النبات أو مات الإنسان .

والأرزاق المخبوءة في جوف الأرض من معادن جامدة وسائلة كلها ترجع إلى طبيعة تكوين الأرض والأحوال التي لابستها ، والله يتفضل على الإنسان بتخسير الأرض والنبات والفضاء والهواء له : فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه . . . ( الملك : 15 ) . وإلى الله النشور والرجوع في يوم الحساب .

16 ، 17- هذه الأرض الذلول التي يأمن الإنسان عليها ويهدأ ويستريح تتحول –إذا أراد الله- إلى دابة جامحة فيها الزلازل والبراكين ، كما يمكن أن ينزل الله الصواعق والعواصف الجامحة التي تعصف بالإنسان وتدمره : ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء . . . ( الرعد : 13 ) .

18- ولقد كذب الكفار السابقون رسلهم ، فعاقبهم الله أشد العقوبة ، لقد غرق قوم نوح ، وأهلكت ثمود بصاعقة ، وأهلكت عاد بريح عاتية ، وأهلك فرعون وقومه بالغرق في بحر القلزم ( البحر الأحمر ) .

إن الإنسان قوى بالقدر الذي وهبه الله من القوة ، ولكن هذا الكون الهائل زمامه في يد خالقه ، ونواميسه من صنعه ، وما يصيب الإنسان منها مقدر مرسوم ، إنا كل شيء خلقناه بقدر . ( القمر : 49 ) .

19- فليتأمل الإنسان أسراب الطير ترتفع وتنخفض ، وتبسط أجنحتها وتقبضها ، في حركة ممتعة تدعو إلى التأمل والتدبر ، فقدرة الله ممسكة بهذا الطائر ، في قبضه وبسطه ، والله سبحانه ييسر له أمره ، ويهيئ وينسق ويعطي القدرة ، ويرعى كل شيء في كل لحظة ، رعاية الخبير البصير .

20- من هذا الذي يحميكم من بطش الله وغضبه ؟ من هذا الذي يدفع عنكم بأس الرحمان إلا الرحمان ؟ إن الكافر في غرور ، يظن أنه آمن بعيد عن بطش الله به ، وما هو ببعيد .

21- من يرزق البشر إن أمسك الله الماء ، أو أمسك الهواء ، أو أمسك الحياة عنهم ؟ إن بعض النفوس تعرض عن الله في طغيان وتبجج ونفور ، مع أنها تعيش عالة على الله في حياتها ورزقها .

22- ترسم الآية مشهد جماعة يمشون على وجوههم ، أو يتعثرون وينكبون على وجوههم لا هدف لهم ولا طريق ، ومشهد جماعة أخرى تسير مرتفعة الهامات مستقيمة الخطوات في طريق مستقيم لهدف مرسوم ، ثم تستفهم أيهما أهدى ؟ .

23 – لقد خلق الله الناس ، وجعل لهم السمع ليسمعوا ، والأبصار ليروا ، والأفئدة ليتفكروا في جليل قدرة الله ، ولكن الإنسان قلما يفكر في شكر نعمة الله عليه ، وامتثال أمره واجتناب نواهيه ، والاعتراف له بالفضل والمنة .

( ويذكر العلم أن حاسة السمع تبدأ بالأذن الخارجية ، والصوت ينتقل منها إلى طبلة الأذن ثم ينتقل إلى التيه داخل الأذن ، والتيه يشتمل على أربعة آلاف قوس صغيرة ، متصلة بعصب السمع في الرأس ، وفي الأذن مائة ألف خلية سمعية ، وتنتهي الأعصاب بأهداب دقيقة ، دقة وعظمة تحير الألباب .

ومركز حاسة الإبصار العين ، التي تحتوي على مائة وثلاثين مليونا من مستقبلات الضوء ، وهي أطراف أعصاب الإبصار ، وتتكون العين من الصلبة والقرنية والمشيمة والشبكية . . وذلك بخلاف العدد الهائل من الأعصاب والأوعية )ii .

أما الأفئدة فهي هذه الخاصية التي صار بها الإنسان إنسانا ، وهي قوة الإدراك والتمييز ، والمعرفة التي استخلف الله بها الإنسان في هذا الملك العريض .

24- إن ربكم هو الذي برأكم في الأرض ، وبعثكم في أرجائها على اختلاف ألسنتكم وألوانكم ، وأشكالكم وصوركم ، وكما بدأكم يعيدكم ، وإليه تحشرون وترجعون .

25- ويسألون سؤال الشاك المستريب عن يوم الجزاء والحساب .

26- قل علم هذا اليوم عند الله ، وما علي إلا البلاغ والبيان ، أما العلم فعند صاحب العلم ، الواحد بلا شريك .

27- ولو أذن الله لرأى البشر يوم الحساب واقعا لا محالة ، وعند هذه المفاجأة ورؤية الحساب والجزاء ، سيظهر الحزن والاستياء عليهم ، وتؤنبهم الملائكة ، وتقول لهم : هذا هو اليوم الذي كنتم تستعجلون وقوعه . والآية جرت على طريقة القرآن في عرض ما سيكون حاضرا مشاهدا ، بمفاجأة شعورية تصويرية ، تقف المكذب والشاك وجها لوجه مع مشهد حاضر لما يكذب به أو يشك فيه .

28- روى أن كفار مكة كانوا يتربصون بالنبي صلى الله عليه وسلم أن يهلك فيستريحوا منه ومن دعوته ، فقال لهم القرآن : سواء أهلك النبي حسب أمانيهم ، أو رحمه الله ومن معه ، فلن يغير ذلك من وضعهم ، لأن عذابا أليما ينتظرهم ، ولن تجيرهم الأصنام ، ولن يجيرهم من الرحمان إلا الإيمان .

29- إن المؤمنين في قربى من الرحمان ، فهم يؤمنون به ويتوكلون عليه ، وهم موصولون بالله ، منتسبون إليه . وسيتبين للكافرين من الضال ومن المهتدي ، ولمن تكون العاقبة في الدنيا والآخرة .

30- أخبروني إن ذهب ماؤكم في الأرض ، ولم تصل إليه الدلاء ، من يأتيكم بماء جار نابع فائض متدفق ، تشربونه عذبا زلالا .

وهكذا تختم السورة بهذه اللمسة القريبة من القلب ، تذكره بفضل الله الذي أجرى الماء ، ولو شاء لحرم الإنسان مصدر الحياة ، ولا ينقذ الإنسان من الله إلا الله ، قال تعالى : ففرّوا إلى الله . . . ( الذاريات : 50 ) .

المعنى الإجمالي للسورة

قال الفيروزبادي :

معظم مقصود السورة : بيان استحقاق الله الملك ، وخلق الحياة والموت للتجربة والاختبار ، والنظر إلى السماوات للعبرة ، واشتعال النجوم والكواكب للزينة ، وما أعد للمنكرين من العذاب والعقوبة ، وما وعد به المتقون من الثواب والكرامة ، وتأخير العذاب عن المستحقين بالفضل والرحمة ، وحفظ الطيور في الهواء بكمال القدرة ، واتصال الرزق إلى الخليقة بالنوال والمنة ، وبيان حال أهل الضلالة والهداية ، وتعجيل الكفار بمجيء يوم القيامة ، وتهديد المشركين بزوال النعمة بقوله : فمن يأتيكم بماء معين . ( الملك : 30 ) .

أسماء السورة

لسورة تبارك في القرآن والسنة سبعة أسماء :

( سورة الملك لمفتتحها . والمنجية لأنها تنجي قارئها من العذاب . والمانعة لأنها تمنع قارئها من عذاب القبر . والدافعة لأنها تدفع بلاء الدنيا وعذاب الآخرة عن قارئها . والشافعة لأنها تشفع في القيامة لقارئها . والمجادلة لأنها تجادل منكرا ونكيرا ، فتناظرهما كيلا يؤذيا قارئها ، والمخلصة لأنها تخاصم زبانية جهنم ، لئلا يكون لهم يد على قارئها )iii .

وفي شأن السورة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن سورة من كتاب الله ما هي إلا ثلاثون آية ، شفعت لرجل فأخرجته من النار وأدخلته الجنة ، وهي سورة تبارك )iv .

من دلائل القدرة

بسم الله الرحمان الرحيم

{ تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير 1 الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيّكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور 2 الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمان من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور 3 ثم ارجع البصر كرّتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير 4 ولقد زيّنّّّا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير5 }

المفردات :

تبارك : تعالى وتمجّد ، أو تكاثر خيره .

الذي بيده الملك : له الأمر والنهي والسلطان .

1

التفسير :

1-تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير .

تعاظمت بركة الله تعالى ، فهو سبحانه مالك الملك ، يعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء ، بيده الخلق والأمر ، كل يوم هو في شأن ، يضع رفيعا ويرفع وضيعا ، يفقر غنيّا ويغني فقيرا ، يبتلي معافى ويعافي مبتلى ، يخفض أقواما ويرفع آخرين .

وهو على كل شيء قدير .

هو سبحانه القادر على كلّ شيء ، له القدرة التامة ، والتصرف الكامل في كلّ الأمور ، من غير منازع ولا مدافع .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{تَبَٰرَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلۡمُلۡكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الملك

وتسمى تبارك والمانعة والمنجية والمجادلة فقد أخرج الطبراني عن ابن مسعود قال كنا نسميها على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المانعة وأخرج الترمذي وغيره عن ابن عباس قال ضرب بعض أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر فإذا قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها فأتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فأخبره فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام هي المانعة هي المنجية تنجيه من عذاب القبر وأخرج الطبراني والحاكم وابن مردويه وعبد بن حميد في مسنده واللفظ له عن ابن عباس أنه قال لرجل ألا أتحفظ بحديث تفرح به قال بلى قال اقرأ تبارك الذي بيده الملك وعلمها أهلك وجميع ولدك وصبيان بيتك وجيرانك فإنها المنجية والمجادلة يوم القيامة عند ربها لقارئها وتطلب له أن تنجيه من عذاب النار وينجو بها صاحبها من عذاب القبر الخبر وفي جمال القراء تسمى أيضا الواقية المانعة وهي مكية على الأصح وقيل غير ثلاث آيات منها وأخرجه ابن جويبر في تفسيره عن الضحاك عن ابن عباس وفي قول غريب أنها مدنية وآيها حدى ثلاثون آية في المكي والمدني الأخير وثلاثون في الباقي وسيأتي إن شاء الله تعالى قريبا ما يرجحه ووجه مناسبتها لما قبلها أنه تعالى لما ضرب مثلا للكفار بتينك المرأتين المحتوم لهما بالشقاوة وإن كانتا تحت نبيين عظيمين ومثلا للمؤمنين بآسية ومريم وهما محتوم لهما بالسعادة وإن أكثر قومهما كفار افتتح هذه بما يدل على إحاطته عز وجل وقهره وتصرفه في ملكه على ما سبق به قضاؤه وقيل أن أول هذه متصل بقوله تعالى آخر الطلاق الله الذي خلق سبع سماوات لما فيه من مزيد البسط لما يتعلق بذلك وفصل بسورة التحريم لأنها كالقطعة من سورة الطلاق والتتمة لها وقد جاء في فضلها أخبار كثيرة منها ما مر آنفا ومنها ما أخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم وصححه وغيرهم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إن سورة من كتاب الله ما هي إلا ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له تبارك الذي بيده الملك ومنها ما جاء في حديث رواه الطبراني وابن مردويه بسند جيد عن ابن مسعود وآخر رواه عنه جماعة وصححه الحاكم من قرأها في ليلة فقد أكثر وأطيب وأخرج ابن مردويه عن عائشة أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقرأ الم تنزيل السجدة وتبارك الذي بيده الملك كل ليلة لا يدعهما سفر ولا حضر ولهذا ونحوه قيل يندب قراءتها كل ليلة والحمد لله الذي وفقني لقراءتها كذلك منذ بلغت سن التمييز إلى اليوم وأسأل الله تعالى التوفيق لما بعد والقبول ورأيت في بعض شروح البخاري ندب قراءتها عند رؤية الهلال رجاء الحفظ من المكاره في ذلك الشهر ببركة آيها الثلاثين والله تعالى الموفق

{ تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك } البركة النماء والزيادة حسية كانت أو عقلية وكثرة الخير ودوامه ونسبتها إلى الله عز وجل على المعنى الأول وهو الأليق بالمقام باعتبار تعاليه جل وعلا عما سواه في ذاته وصفاته وأفعاله وصيغة التفاعل للمبالغة في ذلك كما في نظائره مما لا يتصور نسبته إليه تعالى من الصيغ كالتكبر وعلى الثاني باعتبار كثرة ما يفيض منه سبحانه على مخلوقاته من فنون الخيرات والصيغة حينئذ يجوز أن تكون لإفادة نماء تلك الخيرات وازديادها شيئاً فشيئاً وآنا فآنا بحسب حدوثها أو حدوث متعلقاتها قيل ولاستقلالها بالدلالة على غاية الكمال وانبائها عن نهاية التعظيم لم يجز استعمالها في حق غيره سبحانه ولا استعمال غيرها من الصيغ في حقه تبارك وتعالى وقد مر تمام الكلام في هذا المقام وإسنادها إلى الموصول للاستشهاد بما في حيز الصلة على تحقق مضمونها لأن المراد بذلك أنه سبحانه كامل الإحاطة والاستيلاء بناء على أن بيده الملك استعارة تمثيلة لذلك ولا تجوز في شيء من مفرداته أو أن الملك على حقيقته واليد مجاز عن الإحاطة والاستيلاء كما قيل ولاستدعاء ذلك استغناء المنصف به مع افتقار الغير إليه في وجوده وكمالات وجوده كان له اختصاص بالموجود وكذلك في العرف العامي لا يطلق الملك على ما ليس كذلك فلذا قيل هنا في بيان معنى الآية تعالى وتعاظم بالذات عن كل ما سواه ذاتا وصفة وفعلا الكامل الإحاطة والاستيلاء على كل موجود وقوله تعالى : { وَهُوَ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } تكميل لذلك لأن القرينة الأولى تدل على التصرف التام في الموجودات على مقتضى إرادته سبحانه ومشيئته من غير منازع ولا مدافع لا متصرف فيها غيره عز وجل كما يؤذن به تقديم الظرف وهذه تدل على القدرة الكاملة الشاملة ولو اقتصر على الأولى لأوهم أن تصرفه تعالى مقصور على تغيير أحوال الملك كما يشاهد من تصرف الملاك المجازي فقرنت بالثانية ليوذن بأنه عز سلطانه قادر على التصرف وعلى إيجاد الأعيان المتصرف فيها وعلى إيجاد عوارضها الذاتية وغيرها ومن ثم عقب ذلك بالوصف المتضمن للعوارض وهذا ما اختاره العلامة الطيبي وصاحب الكشاف اختار في القرينة الأولى ما ذكرناه فيها من التخصيص بالموجود فقال أي تعالى وتعاظم عن صفات المخلوقين الذي بيده الملك على كل موجود لما سمعت وفي الثانية التخصيص بالمعدوم فقال وهو على كل ما لم يوجد مما يدخل تحت القدرة قد ير ووجهه على ما في الكشف أن الشيء وان كان عاماً في كل ما يصح أن يعلم ويخبر عنه لكن لما قرن بالقدرة اختص بالمعدوم لاستغناء الموجود عن الفاعل عند جمهور المتكلمين القائلين بأن علة الاحتياج الحدوث وعليه الزمخشري وأصحابه وأما عند القائلين بأن علة الاحتياج الإمكان كالمحققين فلأن الاختيار يستدعي سبق العدم وجيء بالقرينة الثانية عليه تكميلاً أيضاً لأن الاختصاص بالموجود فيها إيهام نقص واختار صاحب التقريب أن قوله تعالى الذي بيده الملك مطلق وقوله سبحانه وهو على كل شيء قدير عام لما وضع له الشيء فيكون قد قصد بيان القدرة أولا وعمومها ثانيا ولم يرتض صنيع الزمخشري ونظر فيه بأن الشيء اما أن يختص بالموجود أو يشمل الموجود والمعدوم وعلى المذهبين فلا وجه لتخصيصه بما لم يوجد مع انضمام كل إليه اللهم إلا أن يقال خصصه به ليغاير ما قبله إذ خصصه بالموجود وفيه أيضاً نظر إذ لو عمم الثاني لتحقق التغاير أيضاً مع أن اليد مجاز عن القدرة فإن تخصصت به كما هو مذهبه تخصص الأول بالمعدوم وان لم تتخصص لم يتخصص الثاني بالمعدوم وادعى صاحب الكشف سقوطه بما نقلناه عنه واعترض عليه وأجيب بما لا يخلوا عن نظر فليتأمل ومن الناس من حمل الملك على الموجودات وجعل إليه مجازاً عن القدرة فيكون المعنى في قدرته الموجودة وتعقبه بعضهم بأن فيه ركاكة وأشار إلى أن الخلاص منها إما بجعل اليد مجازاً عن التصرف أو بتفسير الملك بالتصرف وقيل المراد من كون الملك بيده تعالى أنه عز وجل مالكه فمعنى بيده الملك مالك الملك وفسر الراغب الملك في مثل ذلك بضبط الشيء المتصرف فيه بالحكم وشاع تخصيصه بعالم الشهادة ويقابله حينئذ الملكوت وليس بمراد هنا كما لا يخفي .