تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ يَجۡتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعۡقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيۡكَ مِن قَبۡلُ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (6)

المفردات :

يجتبيك : يختارك ويصطفيك .

تأويل الأحاديث : تعبير الرؤيا ، وتفسير الأحلام ، وبيان ما تئول إليه .

أبويك : المراد بهما : الجدّان : إبراهيم ، وإسحاق بن إبراهيم عليهما السلام ، وأطلق عليهما أبوان ؛ لأن الجد أب لغة وعرفا وشرعا ؛ حيث يرث الجد ميراث الأب عند عدم وجوده .

التفسير :

6 { وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ . . . }

أي : كما اختارك ربك واصطفاك ، وأراك هذه الكواكب مع الشمس والقمر ساجدة لك ، يختارك لنفسه ، ويصطفيك لنبوته ، ويعلمك تأويل الرؤيا وتفسيرها والإخبار بما تئول إليه ، وترى أن هذه الآية حملت بشارات من يعقوب لابنه يوسف ، منها ما يأتي :

1 الإخبار بأن الرؤيا بشرى بمستقبل عظيم ليوسف .

2 رعاية الله ليوسف وعنايته به وتقريبه واصطفاءه من الله .

3 يختص الله يوسف بمعرفة تأويل الرؤيا وتفسير الأحلام .

{ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ } .

أي : سيتم الله عليك النعمة ؛ بإرسالك رسولا يوحى إليك من السماء ، ويتم نعمته على أبيك وإخوتك وذريتهم ؛ بأن يجعل النبوة في أعقابهم . وآل الإنسان : أهله ، وهو خاص بمن له مجد وشرف .

{ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ } .

كما أتمها على جدك على جدك إبراهيم ؛ بأن جعله خليلا ، وجعل النار بردا وسلاما عليه ، وجعله أبا للأنبياء ، وأتم الله النعمة على جدك إسحاق ؛ بأن جعله رسولا ، وجعل النبوة في عقبه وأطلق لفظ الأب على الجد ؛ لأن الجد أب في اللغة والعرف والشرع .

{ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } .

إن ربك عليم بخلقه ، خبير بمن يستحق الاصطفاء والرسالة ، حكيم في صنعه وتدبيره . قال تعالى : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } . ( الأنعام : 124 ) .

وقال سبحانه : { الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير } . ( الحج : 75 ) .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ يَجۡتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعۡقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيۡكَ مِن قَبۡلُ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (6)

قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } الكاف في { وَكَذَلِكَ } في موضع نصب على الحال من ضمير المصدر المقدر ، أو على النعت لمصدر محذوف والتقدير : مثل ذلك الاجتباء العظيم يجتبيك . وقيل : في موضع الرفع على خبر مبتدأ مضمر أي الأمر كذلك{[2204]} و { يَجْتَبِيكَ } ، أي يصطفيك ويختارك من الاجتباء وهو الاختيار{[2205]} لرؤية الكواكب والشمس والقمر ساجدين لك ؛ فإن الله يختارك للنبوة والملك . وقيل : للسجود لك تحية وإكراما . أو لأمور عظام تشمل ذلك وغيره من كبرايات الوجائب والأغراض التي تقتضيها النبوة .

قوله : { وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ } وتأويل الأحاديث يعني التعبير عن الرؤيا أو غرائب الرؤيا . وقيل : عواقب الأمور . وقيل : عموم ذلك وغيره من المغيبات . وقال الزمخشري : الأحاديث بمعنى الرؤى . وتأويلها يعني تفسيرها أو عبارتها . فكان يوسف عليه السلام أعبر الناس للرؤيا وأصلحهم عبارة . وقيل : المراد بتأويل الأحاديث معناي كتب الله وسير الأنبياء وما غمض أو اشتبه على الناس من المقاصد ووجوه الحكمة .

قوله : { وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ } إتمامه النعمة عليك يعني بالإيحاء إليك وبعثك نبيا . وقيل : بإيجائك من كل مكروه . أو بإعلاء شأنك وتحقيق رؤياك . وآل يعقوب ، يعني أولاده وذريتهم . والمراد : أن الله قد أتم نعمته عليك بالنبوة والنجاة من الشدائد والمكاره كما أتم نعمته على آل يعقوب وهم نسله ، بالخلاص من المكروه . ولا يقتضي ذلك أن يكون الإنعام على يوسف وإخوته من نوع واحد ؛ فقد أنعم الله على يوسف بنعمة النوبة وغيرها من النعم مما بيناه آنفا . وكذلك أنعم على أخوته بوجوه أخرى من النعم كالخلاص من المكاره وغيرها .

قوله : { كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ } أتم الله نعمته على أبيه إبراهيم بالنبوة والخلة ؛ إذ اتخذه خليلا ، ثم تنجيته من النار . وكذلك قد أتم نعمته على أبيه إسحق بالنبوة .

قوله : { إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } { عليم } بمن يستحق الاجتباء والنعمة ، { حكيم } في تدبير خلقه وفي جعل الأشياء في مواضعها{[2206]} .


[2204]:الدر المصون جـ 6 ص 440.
[2205]:القاموس المحيط ص 1638.
[2206]:تفسير الطبري 12 ص 90- 92 وتفسير النسفي جـ 2 ص 212.